مركز سمت للدراسات القوة النقدية للولايات المتحدة والدولار | مركز سمت للدراسات

القوة النقدية للولايات المتحدة والنضال من أجل وقف التعامل بالدولار على الصعيد العالمي

التاريخ والوقت : الإثنين, 5 أبريل 2021

 البرفسور. ماوريسيو متري

 

في الوقت الحاضر، هناك إجماع نسبي على مستوى المحللين الدوليين حول تصاعد الصراعات العسكرية والسياسية والاقتصادية بين القوى العظمى، ولا سيما بين الولايات المتحدة وبين الصين وروسيا، وترجع جذور هذه العملية إلى نهاية الحرب الباردة عندما أعادت الولايات المتحدة تشكيل ستراتيجيتها العالمية وأرست قواعد نهج ضد جميع التهديدات الإقليمية المعرقلة لهيمنتها العالمية.

وبدلاً من تقليص وجودها العسكري الخارجي بعد انتصارها على الإتحاد السوفييتي في هذه الحرب الباردة، فقد زادت الولايات المتحدة قواعدها العسكرية في العالم منذ ذلك الحين. وعلى سبيل المثال، توسعت منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) من خلال ضم اثني عشر عضواً جديداً منذ عام 1999. وتمتلك الولايات المتحدة ثمانمائة قاعدة عسكرية أجنبية في جميع أنحاء العالم في عام 2015، في حين أن بقية القوى العظمى لم تمتلك سوى ثلاثين قاعدة فقط خارج حدودها. علاوة على ذلك ، خاضت الولايات المتحدة وحلف الناتو صراعات وتدخلات وحروب مختلفة منذ عام 1991. أولاً ، يمكن للمرء أن يذكر التدخلات في البلقان خلال التسعينيات، ثم سلسلة الحروب في الشرق الأوسط لاحقًا ضد أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا، على سبيل المثال.

بالمناسبة، كل هذه القوة تتطلب القدرة على دعم النفقات بنسبة تفوق تلك من الدول الأخرى، علاوة على ذلك، ليس المواطنون الأميركيون هم الذين يدفعون ثمن كل هذه الأعمال العسكرية والوجود والهياكل في جميع أنحاء العالم، فهذه النفقات تأتي من مكانة العملة الأميركية في النظام النقدي الدولي: والطريقة التي يعمل بها هذا النظام منذ الثمانينيات.

يتعين على جميع الوكالات الدولية العامة والخاصة العمل على أساس الدولار الأميركي لتنفيذ عملياتهم في الخارج، كما يتوجب عليها أيضاً تكديس موازنة موجبة بهذه العملة، وبهذه الطريقة فقط، يمكن للسلطات العامة التعامل مع التدفقات الرأسمالية غير المستقرة التي تعتبر نموذجية في النظام الاقتصادي العالمي الحالي، وإلا فلن يتمكنوا من العمل للحفاظ على قيمة عملتهم في أسواق الصرف وأيضاً لضمان استقلالية سياستهم الاقتصادية، لهذه الأسباب، فإن أفضل ستراتيجية اقتصادية وسياسية يتبعونها هي تكديس احتياطيات النقد الأجنبي بالدولار الأميركي لتحقيق الاستقرار في سعر الصرف الوطني وأيضاً توفير بعض أنواع ضوابط رأس المال لتجنب الحركات غير المستقرة.

لذلك، وبالإرتباط مع انتشار هذه الستراتيجية الاقتصادية والسياسية بين البلدان، برز طلب قوي على الأصول المالية المقومة بالدولار. وتحاول جميع البلدان في العالم الحصول على احتياطيات متزايدة من الدولار الأميركي، وخاصة سندات الدين الحكومية الأميركية (الكمبيالات والسندات). ويبدو أنه قد جرى طلب لا محدود على هذا النوع من الأصول في النظام الدولي الحالي، هذه الحقيقة سمحت لحكومات الولايات المتحدة بالخروج من قدرات الإنفاق النسبي والاختلالات المزمنة في الاقتصاد الكلي، وبشكل عام، سمح العالم كله للولايات المتحدة أن تتمكن من شن الحروب والتدخلات في جميع قارات العالم.

وإذا ما اعتبرت هذه الذرائع صحيحة، فقد يتساءل المرء، ما هي أسس مكانة الدولار كمعيار نقدي؟ خلال الحرب العالمية الثانية ، تمكنت الولايات المتحدة من فرض عملتها بوسائل مختلفة. بادئ ذي بدء، كانت هناك سياسة الإقراض القائمة على برنامج تزود الولايات المتحدة بموجبه الغذاء والنفط لجيوش الحلفاء، أنهت جميع البلدان الصراع وهي مدينة بالدولار، وحتى الدول المهزومة، وخاصة ألمانيا واليابان، التي تم تحديد ديون إعادة إعمار ما خربته الحرب بالدولار الأميركي حسب معاهدتي يالطا وبوتسدام.

ثانياً ، كانت الولايات المتحدة “مركز ثقل إنتاج النفط العالمي” حتى نهاية الحرب، ومنذ عام 1945 فرضت سيطرتها على المركز الجديد، المملكة العربية السعودية، لضمان تسعير النفط بالدولار الأميركي. ومنذ ذلك الوقت ، كان على كل دولة تحتاج إلى استيراد النفط أن تدفع بالدولار.

ثالثاً ، في فترة ما بعد الحرب، توجب على جميع المؤسسات المتعددة الأطراف الجديدة ، مثل الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، التعامل بالعملة الأميركية كمرجع في اتفاقياتها الأصلية.

وأخيراً ، عززت ستراتيجية إعادة إعمار اليابان وأوروبا الغربية، المعروفة باسم خطة مارشال والمرتبطة بمبدأ ترومان، مكانة الدولار الأميركي كمعيار نقدي دولي. ومن ثم، أصبح الدولار الأميركي هو الوسيلة للوصول لتلقي الدعم المالي وطرق المساعدة الأخرى. ومنذ ذلك الحين، أضحى تسعير النفط والمرجع النقدي في المؤسسات متعددة الأطراف ركيزتين أساسيتين للدبلوماسية الأميركية في الدفاع عن الدولار كمعيار دولي.

لم يكن كل ذلك على الإطلاق خياراً للسوق ولا نتيجة لمفاوضات مكثفة بين الدول المختلفة، لقد كان على الدوام نتاج الخلافات بين القوى العظمى من خلال المزايا المتعلقة بالمعيار النقدي، أولاً ، إن المعيار النقدي يسمح للعملة الدولية بتوسيع قدرة الإنفاق للدولة التي تصدر العملة، جراء زيادة الطلب على الأصول المقومة بها. إلى جانب ذلك، فإنها تخلق مزايا لتدويل بنوكها، والتي يمكن أن تعمل وفقًا للمعايير النقدية الدولية بشكل أسهل من أي طرف آخر، أخيراً ، تصبح العملة أداة للسياسة الخارجية لأن الدولة ، التي تعتبر نقدها هو المعيار الدولي ، يمكن أن توفر السيولة للحلفاء وتضغط على المنافسين.

في هذا السياق، وجهت مبادرتان في الآونة الأخيرة ضربة بشكل مباشر أهم قواعد العملة الأميركية في العالم. الأولى هي المؤسسات المالية المتعددة الأطراف الجديدة القادرة على التنافس مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لإستقرار القروض والتمويل الدولي. فإذا ما تم ترتيب الاحتياطي الطارئ لدول بريكس (BRICS) وبنك التنمية الجديد لدول البريكس ، فسوف يتم تفقد سلطة مؤسسات بريتون وودز من فاعليتها. وفي حالة النجاح والتوجهات العالمية ، ستكتسب مؤسسات البريكس القدرة على الضغط على التسلسل الهرمي النقدي الدولي الحالي من خلال نشر عملة أخرى غير الدولار الأميركي.

أطلقت المبادرة الثانية لإزالة التعامل بالدولار بشكل حقيقي في خضم الخلافات حول عملة تسعير النفط المتداول دولياً. في عام 2018، أطلقت الصين أول “رينمينبي” (بترويوان) لعقود النفط المتداولة في سوق العقود الآجلة في شنغهاي، لتنافس أسواق نيويورك ولندن، حيث يتفاوض المرء على مثل هذه العقود بالدولار. لذلك، أصبح هناك بالفعل سوق نفط عالمي منظم يتعامل خارج إطار الدولار الأمريكي. وزادت روسيا من جانبها ، من الاتفاقيات الثنائية للتجارة بغير الدولار، بما في ذلك بيع نفطها. كما قامت بتجريد جزء كبير من احتياطياتها بالدولار والإعلان عن إصدار سندات الدين السيادية بالعملة الصينية. أعلنت الحكومة الفنزويلية عن نية مماثلة لتقليص عملياتها بالدولار في معاملاتها الدولية، النقطة هنا هي حقيقة أن فنزويلا أصبحت أهم احتياطي نفطي في العالم، حتى متجاوزة المملكة العربية السعودية. كما طبقت دول أخرى، مثل إيران، سياسات مماثلة.

لقد أماط لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الرئيس السابق للبرازيل (2003) في مقابلة في عام 2019 ، اللثام عن المشكلة للصحفي بيبي إسكوبار.

“في اجتماع مجموعة بريكس في فورتاليزا (2014)، تحدثت مع رفيقي في الحزب ديلما (رئيس البرازيل آنذاك، 2011) إن على البرازيل أن تعقد اتفاقًاً شبيهاً إلى حد بما فعلته روسيا مع الصين، ميثاق عظيم، لم يتم إنشاء البريكس كأداة دفاعية ولكن كأداة هجومية، كان عليها سك عملتها حتى لا تعتمد على الدولار في العلاقات التجارية، وكانت الولايات المتحدة خائفة جداً منه. اتصل بي أوباما ذات مرة يسألني عما إذا كنا نتطلع إلى إنشاء عملة جديدة، وقلت لا، أنا فقط أحاول التخلص من الدولار. لا أريد أن أكون تابعاً “.

من المثير للاهتمام أن نتذكر أنه، بالتزامن مع هذا الحدث في عام 2014 ، تم عقد قمة بين بريكس واتحاد دول أمريكا الجنوبية (USAN) ، حضرها قادة من روسيا والصين والهند وجنوب إفريقيا والأرجنتين وبوليفيا وتشيلي وكولومبيا والإكوادور وغيانا وباراغواي وبيرو وسورينام وأوروغواي وفنزويلا والبرازيل، وجدت اتحاد دول أمريكا الجنوبية لأول مرة مساحة للتفاوض بدون الولايات المتحدة، وهي تختلف عن منظمة الدول الأميركية (OAS). في الواقع، من خلال البريكس و(USAN)، أصبحت البرازيل الرابط بين أمريكا الجنوبية والمتحدين الحاليين للولايات المتحدة في النظام الدولي، روسيا والصين.

بعد ذلك بعامين، أوقف تفويض ديلما روسيف، وبعد عامين آخرين، تم القبض على لولا دا سيلفا، السياسي الأكثر شعبية في البلاد، ليس بسبب وجيه جراء التغيير الذي طرأ على السياسة الخارجية البرازيلية منذ عام 2016، ثم أعيدت البرازيل إلى تقليد الاصطفاف التلقائي مع واشنطن، وهو نهج غير مواتٍ لا البريكس ولا لـ USAN.

 

المصدر: صحيفة المدى

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر