مركز سمت للدراسات القمح الروسي.. نفط الكرملين الجديد | مركز سمت للدراسات

القمح الروسي.. نفط الكرملين الجديد

التاريخ والوقت : الأحد, 12 سبتمبر 2021

 ناستاسيا أستراشيوسكايا 

 

يقول مستشار للأسواق في موسكو، طلب أن تبقى هويته مجهولة، “أول ما تولى فلاديمير بوتين الرئاسة أخبروه في اجتماع أن روسيا تستورد أكثر من 50 في المائة من غذائها. فشحب وجهه”.

يضيف الشخص الذي حضر الاجتماع عام 2000، “أصبح هدف بوتين منذ ذلك الحين ضمان وجود أمن غذائي أفضل في البلاد. إنه يخشى الاتكالية. روسيا الآن تحتل المرتبة الأولى في إنتاج القمح، ويعتمد عليها الآخرون”.

كونه من مخلفات حقبة الاتحاد السوفياتي، عندما كانت البلاد مستوردا صافيا للحبوب، ظل القطاع مهملا حتى عام 2000، مع عدم تقديم إعانات للمنتجين والاعتماد بشكل كبير على الواردات.

في 2004 أطلق بوتين برنامجا تقوده الدولة لتطوير الزراعة عبر مشاريع وطنية تهدف إلى تحفيز الاستثمار وتطوير الإنتاج. تضمن البرنامج أهدافا لضمان 80 – 95 في المائة من الاكتفاء الذاتي في المنتجات الرئيسة، بما في ذلك الحبوب. وبعد عقد تم إدخال ميثاق الحبوب لتعزيز الشفافية في السوق. تقول داريا سنيتكو، وهي محللة في مصرف جازبروم بانك، “اتفق اللاعبون الكبار والدولة على جعل هذه السوق أقل غموضا لمصلحة الجميع. كان التأثير إيجابيا جدا. وقد ساعد هذا الصادرات بالتأكيد”.

كذلك كان الانخفاض الحاد في قيمة الروبل – ما جعل الصادرات رخيصة – الذي أعقب فرض الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على موسكو بعد ضم شبه جزيرة القرم في 2014 والمواجهة مع جارتها أوكرانيا.

العقوبات المضادة التي فرضها الكرملين، التي تحظر معظم واردات الغذاء من الغرب، دعمت أيضا المنتجين المحليين.

بعد ذلك بفترة وجيزة، أصبح البلد الأكبر من حيث المساحة، المصدر الأول للقمح في العالم، متجاوزا الولايات المتحدة وكندا لأول مرة في 2017. أعلن بوتين في مؤتمر صحافي لاحقا، “نحن رقم واحد. لقد هزمنا الولايات المتحدة وكندا”.

أصبح القمح مصدرا مهما لرأس المال الأجنبي في اقتصاد متضرر من العقوبات. وتشق روسيا طريقها الآن ببطء عبر أوراسيا، إفريقيا، وأمريكا اللاتينية بحسبانها قوة تصدير زراعي بينما تتطلع لتقليل اعتمادها على النفط، وتحديد أسواق جديدة، وتوسيع دائرة حضورها الدبلوماسي العالمي. ويتوقع بعضهم حتى أن تصبح الحبوب الروسية نفط الكرملين الجديد – سلعة يمكن من خلالها إبقاء بعض الدول معتمدة على الموارد الروسية – أو على الأقل تفتح لموسكو الأبواب على آخرين.

بعد استمالة روسيا الناجحة لعدد من الأسواق الجديدة، ولا سيما في آسيا، أصبحت الصين وفيتنام عميلتين كبيرتين. ضاعفت روسيا صادراتها من لحوم البقر في 2020 ثلاث مرات، وضاعفت كذلك صادراتها من لحم الخنزير. نصف اللحم البقري صدر إلى الصين، بعد أن فتحت سوقها لمنتجي الماشية الروس العام الماضي.

وأصبحت فيتنام، التي بدأت باستيراد لحم الخنزير الروسي في أواخر 2019، ثاني أكبر مستوردة للحوم من هذا البلد.

يقول خبراء الصناعة، إن صادرات الحبوب واللحوم زادت من عمق الوجود الروسي في الدول النامية، ولا سيما الدول المجاورة أو القريبة بما يكفي حتى لا تكون الخدمات اللوجستية مشكلة. وفقا لحسابات الأمم المتحدة، العالم يحتاج إلى زيادة إنتاج الغذاء 40 في المائة بحلول 2050 لمواكبة عدد السكان الذي من المتوقع أن يرتفع بواقع ملياري شخص على مدار الـ30 عاما المقبلة.

يقول أولج روجاتشيف، وهو عضو في مجلس إدارة شركة السكك الحديدية الروسية “روساجروترانس”، “إننا نتجه لنسبة من النجاح والنمو في صناعة الغذاء. إنه أمر مربح بسبب الموقع الجيوسياسي”.

يضيف، “معظم مستهلكينا، الذين يعانون نقصا في الغذاء، موجودون عمليا في الدول الواقعة بالقرب منا. إنهم قريبون جدا – جميعهم من إفريقيا، والشرق الأوسط، ودول آسيا الواقعة على المحيط الهادئ، والشرق الأقصى. والطريقة الأقصر والأسهل لتلبية حاجتهم هي من خلال الإمدادات من روسيا”.

ليس فقط نفطا وكلاشينكوف

لم تكن الحال هكذا دائما. تنتج روسيا كميات كافية من النفط الخام لتلبية 10 في المائة من طلب العالم.

وفي التسعينيات – بعد انهيار الاتحاد السوفياتي – استخدمت أموالها من النفط لاستيراد معظم غذائها.
لكن الآن، روسيا تقريبا مكتفية ذاتيا في كل شيء من الحبوب إلى الجبن. وفقا لبيانات “روساجروترانس” التي تم تجميعها ضمن إحصاءات وزارة الزراعة الأمريكية، تشكل الصادرات الروسية ثلث واردات القمح في الشرق الأوسط وإفريقيا، و10 في المائة من واردات آسيا، ونحو خمس إجمالي الطلب على القمح على كوكب الأرض.

الإنتاج الزراعي في البلاد نما 50 في المائة تقريبا منذ 1991. وفي الوقت نفسه تضاعفت الصادرات أكثر من ثلاث مرات لتصل قيمتها إلى أكثر من 30 مليار دولار العام الماضي، بعدما قفزت قيمتها 20 في المائة عام 2019. ومن بين جميع الصادرات الزراعية كانت الحبوب هي المصدر الرئيس للنقد الأجنبي، مع كون مصر وتركيا أكبر المشترين.

والآن تم تكليف دميتري باتروشيف، وزير الزراعة ونجل حليف بوتين المقرب، نيكولاي باتروشيف، أمين مجلس الأمن الروسي، بإضافة 50 في المائة أخرى إلى قيمة الصادرات الزراعية بحلول 2024. وهو أيضا يتعرض لضغوط لزيادة إنتاج الحبوب إلى 140 مليون طن بحلول 2025 لتعزيز أسواق التصدير.

من المتوقع أن تؤدي حصص التصدير المؤقتة للحبوب – بسبب نقص العمالة وسوء الأحوال الجوية التي تضر بالمحاصيل – إلى خفض مستويات الإنتاج إلى 127 مليون طن في 2021، ما يبرز مدى صعوبة الوصول إلى هدف 2025.

كان الغذاء أداة دبلوماسية في علاقات روسيا مع جيرانها. حظرت موسكو بعض الصادرات الزراعية إلى تركيا في إطار حزمة إجراءات عقب إسقاط القوات التركية طائرة مقاتلة روسية في 2015. واستؤنفت الصادرات بعد عامين وأصبحت تركيا أكبر مستورد للقمح الروسي في 2019 بعد أن وافقت على نقل الغاز الروسي إلى أوروبا عقب رفض بلغاريا. وفي مقابل مبيعات القمح لإيران، وافقت روسيا على أخذ النفط الإيراني وبيعه ضمن ما يعرف بمبادلة النفط مقابل السلع قبل إعادة فرض العقوبات الأمريكية على طهران في أواخر 2018.

يقول محللون إن ما تغير منذ تلك الأحداث الفريدة هو حجم الصناعة وطموحها. الصين، التي تحولت إليها موسكو عقب تدهور علاقاتها مع الغرب وبنت خط أنابيب غاز رئيس يصل إلى الأراضي الصينية، تنظر إليها روسيا بحسبانها سوقا غذائية كبيرة في المستقبل، نظرا لعدد سكانها وقربها الجغرافي وتوسع وجود بنيتها التحتية، بما في ذلك السكك الحديدية المتجهة شرقا. لكن، إلى الآن، تظل حصة روسيا من السوق الصينية صغيرة نسبيا بسبب معايير الصين للحبوب وانخفاض واردات القمح فعليا في 2020.

تقول سنيتكو، من مصرف جازبروم بانك، “نحن نعتمد دائما على الصين. إنها جارتنا والشريكة التجارية الرئيسة إجمالا، بما في ذلك الزراعة. إنها السوق الأكثر إثارة للاهتمام التي نريد كسبها. يتنافس جميع المنتجين الكبار هناك”، مضيفة أن أستراليا وأوكرانيا منافستان شرستان على السوق الصينية.

مع اكتساب روسيا للريادة في سوق القمح العالمية، تحاول إيجاد توازن بين تأمين الأسواق المستقبلية وقيادة السياسة الخارجية. وإلى الآن، حسبما تقول مادينا كروستاليفا، وهي محللة في شركة تي. إس لومبارد لأبحاث الاستثمار، تأمين الأسواق يتفوق على قيادة السياسة الخارجية، “بالنسبة لروسيا في خضم الوضع الاقتصادي الحالي، من المهم الوصول إلى الأسواق الخارجية بدلا من محاولة تحقيق شيء ما في السياسة الدولية، أو السياسة الخارجية بتوريد القمح”.

يرى بعض مراقبي الصناعة أن عائدات الحبوب تعوض نسبة من الخسائر الناجمة عن انخفاض إنتاج النفط. مع ذلك، تمثل الزراعة 4 في المائة فقط من الناتج المحلي الإجمالي لروسيا في الوقت الحالي، مقابل 15 في المائة للنفط والغاز، وفقا للإحصاءات الروسية الرسمية.

ولا تزال عائدات النفط والغاز تشكل ما يقارب ثلث ميزانية الدولة، لكن التقلبات الأخيرة في الأسعار جعلت روسيا مكشوفة. أجبرت الحروب التجارية العالمية وظهور التحول إلى مجال الطاقة النظيفة موسكو على النظر في خياراتها لتقليص اعتمادها على الوقود الأحفوري. وفي هذا السياق أصبح الغذاء أداة جديدة مفيدة لدبلوماسيتها.

تضع موسكو عينها على الإمدادات الغذائية للمناطق ذات النمو السكاني الأسرع، مثل إفريقيا وجنوب شرق آسيا، حيث ستعيش أغلبية الأشخاص الإضافيين البالغ عددهم ملياري شخص على كوكب الأرض بحلول 2050.

يقول أندريه جورييف، الرئيس التنفيذي لشركة فوساجرو – أحد أكبر منتجي الأسمدة في روسيا وأوروبا – إن روسيا في وضع جيد لتلبية هذا الطلب، “تملك روسيا الأرض والمياه والموانئ والسكك الحديدية. لا يوجد بلد آخر لديه مثل هذه الإمكانات الكبيرة”.

يضيف، “حتى لو لم نفز ببعض المنافسات بصواريخنا وأقمارنا الصناعية، منتجاتنا الزراعية ستشهد طلبا عالميا. لا يطلب العالم النفط وبنادق الكلاشينكوف فقط من روسيا، لكن أيضا الأرض الخضراء والمياه الزرقاء والغذاء النظيف”.

شيء ما حدث في الكرملين

المستثمرون الذين جذبتهم الإمكانات طويلة الأجل لاحظوا ذلك أيضا. استثمر جيم روجرز، الذي شارك في تأسيس صندوق كوانتوم مع جورج سوروس وهو الآن مستثمر مشهور في روسيا والصين، في الأسمدة والزراعة الروسية من خلال “فوساجرو” ويعتقد أن نجاح هذا القطاع قد بدأ للتو.

يقول، “استثماراتي هنا مربحة، لكنها ليست مربحة مثلما ستكون في النهاية. إذا نظرت إلى الخريطة، سترى أن الزراعة الروسية يمكن أن تهيمن على العالم بأسره. روسيا لديها كل ما يلزم لتكون الدولة الزراعية العظمى مرة أخرى أو بالتأكيد واحدة من هذه الدول”.

يشير روجرز إلى أن التغيير في موقف القيادة جعله يستثمر. “إنها ليست فرصة تحدث مرة واحدة. لقد حدث شيء في الكرملين في العقد الماضي، وكان الأمر يتجاوز مجرد شخص واحد، إنه تغيير كبير جدا”.

اكتسبت روسيا ميزة لأن الظروف الاقتصادية والمناخية جعلت حياة بعض منافسيها الرئيسين أكثر صعوبة.

شهد منتجو الحبوب في الولايات المتحدة أحد أسوأ مواسمهم في 2019 بسبب انخفاض هوامش الربح والحرب التجارية مع الصين، مع إفلاس عدد من الشركات التي كانت تعتمد في السابق على دعم الدولة الذي تمت إزالته وتراجعت الأسعار. أيضا انخفض إنتاج القمح، وفقا لوزارة الزراعة الأمريكية. ودمرت حرائق الغابات في أستراليا المحاصيل وتتوقع وزارة الزراعة الأمريكية أن تنخفض صادراتها من القمح 17 في المائة على أساس سنوي في موسم 2021 – 2022.

في الوقت نفسه، يفتح تغير المناخ في روسيا آفاقا جديدة لمزيد من الاستخدام الزراعي للأراضي في الشمال مع ذوبان الطبقة المتجمدة. وإلى حد ما، يعوض هذا الجفاف في الجنوب.

يقول روجاتشيف، من شركة روساجروترانس، “روسيا تتمتع بمناطق مناخية مختلفة، وإذا احترقت منطقة الفولجا، سيبيريا ستنمو، أو إذا حدث شيء ما في الجنوب، منطقة الفولجا والمناطق الوسطى ستعوض ذلك. من المستحيل أن تتعرض جميع المناطق لفيضانات أو (تعاني) الجفاف في الوقت نفسه”.

تركز روسيا أيضا على إنتاج الغذاء الصحي، واستخدام الأسمدة الخالية من المعادن أو ذات المعادن المنخفضة، بينما يتوخى المشترون الغذاء الصحي.

وتأتي الأسمدة في روسيا من بعض أنقى الصخور التي لا تشتمل على كمية ثقيلة من الكادميوم، ما يوفر لها ميزة تنافسية إضافية، على حد قول المنتجين والمحللين.

المستثمرون مثل روجرز، وكذلك رجال الأعمال المحليين، ينجذبون إلى آفاق الزراعة الروسية، نظرا لحجمها، ومناطق المناخ المختلفة، والبنية التحتية الحالية، وإمكانية زيادة العائد من خلال التطوير التكنولوجي وزيادة استخدام الأسمدة.

يقول روجرز، “تتمتع روسيا بأكبر قدر من الإمكانات. روسيا لديها الفرصة”. يضيف، “لا يمكن لأمريكا أن تبتكر مزيدا من الأراضي، والمزارعون الأمريكيون يستخدمون أسمدة تفيض لديهم، وأمريكا آلية أصلا ومن غير المرجح أن تصبح أكثر آلية من ذلك. وكندا تعرف عن الزراعة بقدر ما يمكنها على الأرجح أن تعرفه في أي وقت. والأرجنتين ليست بهذا الحجم”. بالتالي، “هناك مجال أكبر بكثير لتحسين الزراعة الروسية”.

لم تمر آفاق الاستثمار دون أن تتم ملاحظتها من قبل أصحاب المليارات الروس الآخرين، الذين يمتلك عدد منهم الآن أراضي ويشتركون في الصادرات الزراعية. يمتلك فلاديمير يفتوشينكوف، المساهم الرئيس في تكتل سيستيما، حصة في شركة ستيبي أجروهولدينج، وهي أحد أكبر مصدري الحبوب في البلاد، وتمتلك حصة سوقية تبلغ 3 في المائة تقريبا.

ويمتلك أوليج ديريباسكا، الذي كان أغنى رجل في روسيا، أحد أكبر الأراضي الزراعية في روسيا، وهي كوبان. وقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات على ديريباسكا فاضطر للتخلي عن السيطرة على شركته الرئيسة “روسال”، وهي أكبر منتج للألمونيوم في البلاد. ويفتوشينكوف مدرج في قائمة المراقبة الأمريكية لرجال الأعمال المقربين من بوتين، وقد يواجه عقوبات أيضا.

لكن حتى ديريباسكا – الذي يعد حليفا لبوتين – كان ينتقد القطاع الزراعي أخيرا، ولا سيما بسبب ارتفاع أسعار الفائدة على المزارعين. ولا تزال روسيا بحاجة إلى تحسين كفاءتها الإنتاجية والبنية التحتية والأدوات المالية لتحفيز استثمارات أكبر، حسبما يقول الخبراء، إذا أرادت تحقيق طموحاتها.

بصفته ثاني أكبر مقرض في البلاد، تولى مصرف “في تي بي” مهمة إصلاح الصناعة وأصبح أكبر لاعب في سوق الحبوب. واستثمر المصرف أكثر من ملياري دولار في تجارة الحبوب عبر سلسلة من عمليات الاستحواذ الشهيرة في الأعوام القليلة الماضية، قبل بيع نصف هذه الأصول للمستثمرين الروس.

“نحن في قاع سلسلة الكفاءة”، حسبما يقول أتاناس جومالييف، رئيس السلع العالمية في “في تي بي كابيتال”، مضيفا، “حجم سوق المشتقات الزراعية في الولايات المتحدة يبلغ نحو تريليون دولار ولديها مزيد من اللاعبين، بما في ذلك مستثمرون ماليون. وقد سمح ذلك للصناعة والتكنولوجيا بالتطور. أما في روسيا، فسيستغرق بناء هذه السوق أعواما”.

 

المصدر: صحيفة الاقتصادية – خدمة فايننشال تايمز

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر