مركز سمت للدراسات القطب الشمالي.. حروب عسكرية ومسارات جغرافية | مركز سمت للدراسات

القطب الشمالي.. حروب عسكرية ومسارات جغرافية

التاريخ والوقت : الخميس, 15 أبريل 2021

إميل أمين

 

 

ما الذي يجري في القطب الشمالي بشكل عام، ومن الجانب الروسي بنوع خاص؟

يبدو أن العالم على شفا حرب في تلك المنطقة المثيرة في أعلى أعالي العالم، حرب بدات تكتيكية منذ فترة، ويمكن أن تتصاعد لتضحى مواجهة استراتيجية عما قريب.

على أن علامة الاستفهام في هذا المقام: “ما أسباب تلك الحرب ولماذا تبدو القوى العظمى متكالبة على تجييش مناطق الثلوج، وحيث لا حياة بشرية حتى الساعة، ثم الأهم بالنسبة لنا في العالم العربي، إلى أي مدى يمكن لمشروعات القطب الشمالي أن تؤثر على بعض المسارات الجغرافية التاريخية والحيوية في عالمنا العربي والشرق الأوسط على وجه التحديد؟

تبدو عسكرة القطب الشمالي واقع حال، لا سيما في ضوء التحشيد العسكري الذي تجري به المقادير هناك، والصراع القائم على أشده بين موسكو وواشنطن، مع الأخذ في عين الاعتبار أن الروس يمتلكون كاسحات جليد بصورة أكبر مما لدى الأمريكيين، وخبرات معرفية متراكمة تفوق ما لدى منافسيهم من الصينيين.

في الأسابيع القليلة الماضية كشفت صور الأقمار الاصطناعية أن روسيا تحشد قوات عسكرية غير مسبوقة في القطب الشمالي وتختبر أسلحتها في منطقة خالية من الجليد.

الصور تظهر تراكما صارخا ومستمرا للقواعد العسكرية الروسية والأجهزة على ساحل القطب الشمالي في البلاد، وبات التساؤل الذي يقض مضاجع الخبراء من العسكريين الأمريكيين في البنتاغون:” ما الذي يسعى إليه القيصر فلاديمير بوتين في منطقة غير آهلة بالسكان؟

يبدو الجواب منطلقا في ثلاثة اتجاهات استراتيجية، تبدأ من عند التوجه الاقتصادي، فالقطب الشمالي قد يكون بالنسبة للروس مغارة علي بابا، تلك التي تحفل بالكنوز الطبيعية، القادرة على تعويضهم عن العقوبات الأمريكية الحالية، والتي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي منذ عام 2014 أي بعد استرجاع روسيا سيادتها على شبه جزيرة القرم ونزعها من سيادة أوكرانيا، واستعدادا للمزيد من تلك العقوبات، سواء بسبب اتهام موسكو بالاختراقات السيبرانية التي جرت في واشنطن أواخر ديسمبر الماضي، أو لتهيئة الأجواء لمواجهة جديدة بين الروس والأوكرانيين، تبدو معالمها ظاهرة في الأفق هذه الأيام.

ولعله من نافلة القول الإشارة إلى أن القطب الشمالي زاخر بموارد غنية لأبعد حد ومد بمخزونات من النفط والغاز يمكنها أن تغير أوضاع روسيا، عطفا على المعدن الأصفر، أي الذهب الرنان، بالإضافة إلى النحاس، والعديد من المواد الأولية القادرة على تغيير وجه روسيا ماليا.

على أن استكشاف تلك الثروات، وحتى لو كانت خارج منطقة الجرف القاري لروسيا، لا يستدعي التراكم إعادة بناء عديد من المرافق العسكرية، وتوسيع غيرها في السنوات الأخيرة من قبل القيصر، وقد شمل ذلك تجديد مدارج الطائرات وإقامة ابراج إضافية للمراقبة وتنظيم الدفاع الجوي، وهو ما يكشف عن جهد حثيث من موسكو لتوسيع نطاق قدراتها في المنطقة القطبية.

يبدو جليا أن هناك سيناريو أخر غير الاقتصادي تسعى إليه موسكو، سيناريو يعود بنا إلى مرحلة أكثر سخونة من زمن الحرب الباردة في النصف الثاني من القرن العشرين.

ضمن الصور التي التقطتها الأقمار الاصطناعية الأمريكية، صورا تكشف عن وجود منشآت تخزين مقامة على أعماق كبيرة جدا تحت سطح القطب الشمالي، ويخشى خبراء الدفاع من الأمريكيين أن تكون معدة لتخزين السلاح الجهنمي المعروف ب ” بوسيدون 2″، المسير والذي يعمل بالطاقة النووية تحت المياه.

هل نحن أمام سلاح مخيف كافٍ لردع الأمريكيين، وجعلهم يفكرون بدل المرة ألف مرة إذا أرادوا الالتحام بالروس في مواجهة حربية؟

يتفق الخبراء على أن هذا النوع من الأسلحة الأمريكية، حقيقي للغاية، ومخيف إلى درجة مرعبة، ففي نوفمبر تشرين الثاني الماضي، قال كريستوفر غيه فورد، مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الأمن الدولي ومنع الانتشار، إن الصاروخ بوسيدون مصمم لإغراق المدن الساحلية الأمريكية بموجات المد المشعة، أي أنه قادر على إحداث موجات تسونامي تغرق مدنا كبيرة بحجم نيويورك.

أما رئيس المخابرات النرويجية، الأدميرال نيلز أندرياس ستينس، فقد أشار إلى أن وكالته قد قيمت صاروخ بوسيدون على أنه جزء من النوع الجديد من أسلحة الردع النووي، وهو في مرحلة الاختبار لكنه نظام استراتيجي… وله تأثير يتجاوز المنطقة التي يختبرونه فيه حاليا.

هل يستعد الروس لمواجهة عسكرية مع الأمريكيين في قادم الأيام، متخذين من القطب الشمالي، قاعدة لأعمالهم الحربية؟

السيناريو وارد وبقوة، غير أن هناك جزئية ثالثة تتقاطع مع عالمنا العربي ومحيطنا الشرق أوسطي..ماذا عن ذلك؟

قبل الجواب ربما ينبغي أن نشير إلى أن التغيرات المناخية في العقد الأخير، قد قدمت لروسيا الاتحادية خدمة غير متوقعة، ذلك أن ظاهرة الاحتباس الحراري لم تكشف فقط عن ما في باطن الأعماق هناك من ثروات على مختلف الأشكال والأنواع فقط، وإنما فتح أمام الروس طريقا لطالما حلموا به لخلق “طريق البحر الشمالي”، وهو ممر ملاحي يمتد من النرويج وألاسكا، على طول الساحل الشمالي لروسيا عبر شمال الأطلسي.

هذا الطريق وباختصار غير مخل، يفكر الروس في تفعيله ليكون بديلا عن قناة السويس المصرية، ومن هنا يمكن للقارئ أن يتفهم لماذا وضع بوتين يديه بقوة على القطب الشمالي، وضاعف أسطول كاسحات الجليد، والأهم من ذلك أنشأ تجمعا عسكريا في أقصى الشمال.

ولعل الربط بين حادثة قناة السوس الأخيرة، وفكرة الطريق الروسي الجديد غير سديدة، ذلك أن الروس يعملون جاهدين لإيجاد منافذ لهم على العالم الخارجي، وبعيدا عن ميناء سيفستابول اليتيم الواقع في منطقة القرم، والمهدد باجتياح من الناتو، في لحظة من الجنون الأوكراني قد تحدث، ما قد يقود إلى حرب عالمية ثالثة مؤكدة وتكاد تكون واردة في الأسابيع الأخيرة.

لدى روسيا حصان طروادة للقطب الشمالي، كاسحات الجليد، رهانها القوي، ومعروف أنه في أكتوبر الماضي تمت إضافة الكاسحة “أركتيكا”، الأقوى في العالم، والتي تعمل بالطاقة النووية.

هل يستدعي ذلك الطريق التفكير عربيا في تعظيم الموقع والموضع الاستراتيجي للدول العربية المشاطئة للبحر الأحمر والمتوسط والواقعة على الخليج العربي، والتفكير في مشروعات جديدة خارج الصندوق، والبحث عن أدوات ذات صلة باقتصاد الابتكار لمواجهة التحديات القائمة والقادمة؟

تساؤل ينبغي التوقف أمامه وتأمله مليا، وبخاصة في ظل التغيرات السياسية، ومعطيات الجغرافية السياسية، المتسارعة في حاضرات أيامنا، إن أردنا اللحاق بالركب العالمي.

الخلاصة ومن جديد.. طرح القضايا المصيرية يبدأ من الذات وليس من الآخرين… فانظر ماذا ترى.

المصدر: العربية.نت

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر