الفيدرالية أم الاستقلال؟ البحث عن حل لأزمة أكراد تركيا

التاريخ والوقت : الإثنين, 12 يونيو 2017

عبدالرحمن كمال

 

قبل أيام، اتفق كبار المسؤولين الحكوميين والأحزاب السياسية في إقليم كردستان العراق، الذي يتمتع بالحكم الذاتي، على إجراء استفتاء لاستقلال الإقليم في 25 سبتمبر المقبل. وحدد هذا التاريخ خلال اجتماع في إربيل رأسه مسعود برزاني رئيس الإقليم.

وقال بيان إن التصويت في الاستفتاء سيتم في ثلاث محافظات يتشكل منها الإقليم، و”مناطق الأكراد خارج إدارة الإقليم”.

الاستفتاء يفتح نافذة هامة وخطيرة جدا، حول مصير الأكراد في تركيا، التي أعلنت رفضها لاستفتاء كردستان العراق، ربما خشية من مطالبات باستفتاء مماثل في تركيا.

والحديث عن الأكراد في تركيا يحتم علينا إلقاء نظرة على الوضع الحالي للأكراد في ظل حكم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي انقلب على الهدنة التي عقدها مع الأكراد عقب انتخابات السابع من يونيو الماضي في تركيا، التي كانت منعطفًا كبيرا غيّر من مسار التعامل مع المشكلة الكردية في تركيا، عندما أعلن أردوغان، أن مفاوضات السلام الداخلي التي كانت انطلقت منذ عام 2012، وشهدت تصاعدا كبيرا خلال العامين 2014 و2015، قد جمّدت و”دخلت الثلاجة” وأنه “لا يوجد في تركيا ما يسمى بالمشكلة الكردية”.

وضع متأجج

وعقب التحوّلات في نظرة السلطات التركية للمشكلة الكردية القائمة منذ عشرينيات القرن الماضي، عادت منظمة حزب العمال الكردستاني إلى التصعيد مجددا، وأعلنت في العشرين من يوليو 2015 إنهاء الهدنة التي كانت أعلنتها تزامنا مع مرحلة مفاوضات السلام الداخلي، وصعّدت من عملياتها التي تستهدف الجيش وقوات الأمن التركية. وفي الشهر الماضي قرّرت إدخال تغيير نوعي على عملياتها عبر إعلان القيادي بالمنظمة، جميل باييك، نقل عمليات المنظمة إلى داخل المدن لاستهداف قوات الأمن.

في نهاية عام 2012، تحدثت تقارير إعلامية عن لقاءات مكثفة بين الاستخبارات التركية وبعض قادة منظمة حزب العمال الكردستاني في العاصمة النرويجية أوسلو؛ الأمر الذي نفاه المتحدث باسم الحكومة التركية آنذاك نائب رئيس الوزراء بولنت أرينتش. لكن ما لبث أن عاد رئيس الوزراء التركي – وقتها – رجب طيب أردوغان ليعلن صحة ما سبق تداوله عبر الإعلام. وأقر أردوغان بوجود “محاولات لبسط أرضية سلام توافقية” بين الحكومة وقادة حزب العمال الكردستاني خلال لقاء مع التلفزيون الرسمي التركي “تي آر تي” بتاريخ 28 ديسمبر 2012، وأشار إلى وجود لقاءات مباشرة بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني لطي صفحة النزاع المسلح وبدء صفحة جديدة تحمل عنوان “عملية السلام”.

وفي هذا الوقت أيضا استطاعت الحكومة التركية أن تقرّ عبر البرلمان حزمة إصلاحات ديمقراطية استهدفت منح بعض الحقوق للأكراد، وتضمنت إمكانية تعلّم اللغة الكردية، وحق التحدث باللغة الكردية في المحاكم والمؤسسات الرسمية والمناطق العامة، وحق ممارسة الدعاية السياسية الانتخابية باللغة الكردية، وإقامة عدد من المشروعات لتوفير فرص العمل في المناطق ذات الأغلبية الكردية، كذلك أعيد إطلاق الأسماء الكردية القديمة لبعض القرى في شرق وجنوب شرقي تركيا.

واليوم يثور في الأوساط السياسية الكثير من التساؤلات حول أسباب التراجع، بل الانقلاب المفاجئ في موقف النظام التركي، وبدا من خلال التطورات الأخيرة مدى حالة القلق التي تنتاب صنّاع القرار في تركيا من احتمالات أن تؤدي الامتدادات التي تحظى بها منظمة حزب العمال الكردستاني في العراق وسوريا وإيران، إلى توحيد مناطق الكثافة الكردية في البلدان الثلاثة. إن القواسم الثقافية والعشائرية التي تربط أكراد تركيا والأكراد في الدول الثلاث دفعت بقمة السلطة في تركيا إلى حالة من الارتباك في التعامل مع ملف المسألة الكردية داخليًا. وأطلقت القوات المسلحة وقوات الأمن التركية عملية عسكرية موسعة منذ 17 ديسمبر 2015، للقضاء على عناصر حزب العمال الكردستاني المتحصنة داخل بعض المدن التركية.

الأكراد وسايكس بيكو

وُقّعت اتفاقية سايكس- پيكو في 16 مايو 1916، بين روسيا القيصرية وبريطانيا وفرنسا، لتقاسم النفوذ في الشرق الأوسط، وفرضت على شعوب الشرق الأوسط المُستعمَرة أن تكون ضمن نفوذ دول فاشية، هي وريثة دولة الخلافة العربية، والدولة العثمانية التركية، والدولة الصَّفَوية الفارسية.

وقبل اتفاقية سايكس- پيكو كانت كُردستان الكبرى مقسمة بين الدولتين العثمانية والصَّفوية، وكانتا تتحاربان بين فترة وأخرى على أرض كُردستان، ثم اتفقتا على تقسيم كُردستان بينهما بموجب الاتفاقيات التالية:

1    – معاهدة أَماسيا سنة 1555م.

2    – معاهدة (تنظيم الحدود) سنة 1639م.

3    – معاهدة أَرْضَرُوم الأولى سنة 1823م ـ

4    – معاهدة أَرْضَرُوم الثانية سنة 1847م.

5    – اتفاقية طَهْران سنة 1911م.

6    – اتفاقية (تخطيط الحدود) سنة 1913م.

والجديد الذي أضافته اتفاقية سايكس- پيكو أن كُردستان قُسّمت بين أربع دول (إيران، تركيا، العراق، سوريا)، بعد أن كانت مقسَّمة بين دولتين فقط، وكانت مشكلة الكُرد مع قوميتين (الفُرس، والتُّرك)، فأضيفت إليهما القومية العربية أيضاً، باعتبار أن العراق وسوريا عضوين في (جامعة الدول العربية).

هكذا، تبعاً لاتفاقية سايكس – پيكو، تمّ تقسيم منطقة الشرق الأوسط بشكل قسري وظالم. على ضوء هذه الاتفاقية، تم تأسيس دول على أنقاض الإمبراطورية العثمانية ورُسمت حدودها دون الرجوع الى إرادة شعوب منطقة الشرق الأوسط ودون الأخذ بنظر الاعتبار خصائص شعوب المنطقة والاختلافات الإثنية والثقافية والتاريخية العميقة بين هذه الشعوب، بل فكرت بريطانيا وفرنسا بمصالحهما فقط. هكذا تم رسم حدود الدول المستحدثة والتي تمّ بها تمزيق أوطان الكورد والعرب وحتى أن هذه الحدود المصطنعة شتّتت العائلة الواحدة والقبيلة الواحدة ووزعتها بين عدة دول وحشرت شعوباً متنافرة و متباعدة في لغاتها و ثقافاتها وتأريخها وأهدافها ومصالحها في كيانات جديدة في المنطقة، مهملة التفكير بمستقبل هذه الشعوب والمشاكل والخلافات والنزاعات والحروب المدمرة التي ستنتظرها نتيجة هذا الحشر العشوائي.

إن موقع كُردستان جعلها هدفا لجيرانها الفُرس والتُّرك، وأصبحت كُردستان ساحة لجيوشهم، وكان يهمّهم أن يسيطروا على كُردستان بسبب الموقع الاستراتيجي، والأهمّية الاقتصادية (الموارد، وطرق التجارة)، وما زالت كُردستان إلى الآن مهمّة بالنسبة إليهم، لذلك يصرّون على الاستمرار في إبقائها تابعة لهم، سواء في إيران أو تركيا وسوريا.

الأكراد وتركيا.. مشكلة تاريخية

لا يختلف الخبراء والمتابعون للشأن التركي على أن المشكلة الكردية هي أكبر مشكلات تركيا منذ تأسيسها عام 1924 وحتى اليوم. ولقد رأى مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال “أتاتورك” أن التنوع العرقي والإثني الذي تميّزت به الدولة العثمانية كان أحد أسباب سقوطها، لذلك يجب على الجمهورية التركية الوليدة مواجهة ذلك الأمر لتجنب المصير نفسه. وعلى هذا الأساس، أنكرت تركيا منذ نشأتها تنوّعها العرقي، واعتبرت كل مواطن يعيش داخل حدودها “تركيًّا” بغض النظر عن جذوره ولغته الأم.

واتبع خلفاء “أتاتورك” النهج نفسه وبأساليب أكثر تشددًا وإجحافًا؛ ما أدى إلى التنكر لحقوق الأقليات العرقية في تركيا من عرب وشركس ولاز (قوقازيون) وبوشناق (بوسنيون)، وكذلك الأكراد الذين يشكلون أكبر أقلية؛ كونهم يمثلون 20 في المائة من سكان تركيا.

ولم يتوقف الأمر عند حد إنكار الحقوق الثقافية والاجتماعية لأكراد تركيا، ولا حتى حقوقهم السياسية، بل وصل إلى إهمال وتهميش شبه متعمدَين لمناطق جنوب تركيا وجنوب شرقها، حيث يشكل الأكراد غالبية السكان؛ ولذلك تراكمت مشاعر الغضب بين الأكراد الذين رأوا أنهم يعاملون بصفتهم مواطنين من الدرجة الثانية في البلاد.

سعت تركيا مرتين من قبل خلال حكم تورغوت أوزال في الثمانينات، ثم في فترة رئيس الوزراء الراحل نجم الدين إربكان لحل المشكلة الكردية عبر مفاوضات السلام، لكن لم يكتب للمحاولتين النجاح. واستمر الفشل إلى أن قرر حزب العدالة والتنمية، الذي تولى السلطة في عام 2003 حل المشكلة الكردية داخليًا، باعتراف رئيسه رجب طيب إردوغان عام 2005 بوجود “مشكلة كردية” في تركيا، وباشر سلسلة من الإصلاحات الدستورية والديمقراطية جنبا إلى جنب مع عشرات المشروعات الاقتصادية والتنموية في مناطق الأغلبية الكردية.

وبعد سنوات من المفاوضات السرية مع زعيم حزب العمال المسجون في تركيا عبد الله أوجلان، أطلقت الحكومة ما أسمتها “عملية التسوية” بعد دعوة واضحة من الأخير لأعضاء حزبه بترك السلاح والانخراط في العملية السياسية عام 2013، لكن الهدنة التي استمرت سنتين لم تصمد طويلا على وقع التطورات المتسارعة في الجارة سوريا؛ إذ رأت الحركة الكردية أن ضعف قبضة الدولة المركزية في سوريا فرصة تاريخية قد تتيح للأكراد، للمرة الأولى في تاريخهم، بإنشاء دولة خاصة بهم في الشمال السوري؛ الأمر الذي انعكس على قرار الحركة السياسية الكردية في تركيا.

سنوات من الاضطهاد

من بين الأقليات العرقية التي عانت اضطهاداً عنصرياً بشعاً في أوطانها، يقف الشعب الكردي على قائمة هذه العرقيات. وتبقى تركيا في صدارة الدول التي تمارس اضطهاداً قومياً شرساً ضد الأقلية الكردية التركية، وتخوض حرباً شرسة ضد حزب العمال الكردستاني التركي الذي يطالب بحكم ذاتي وبالحقوق الإنسانية المشروعة للشعب الكردي على غرار ما يتمتع به أشقاؤه في العراق، ومثالاً على ذلك الاضطهاد فإن أنقرة لم تسمح بتدريس اللغة الكردية إلا عام 2009 حين سمح مجلس التعليم العالي بتدريسها، بينما كانت الحكومات التركية ذات النزعة القومية المتشددة ترفض رفضا قاطعا هذه المطالب وتصر دوماً على الحسم العسكري للصراع، وهو ما لم يتحقق حتى الآن رغم وجود اختلالٍ كبير في موازين القوى العسكرية بين الجيش التركي ومقاتلي حزب العمال الكردستاني، الذي يمارس بدوره حرب استنزاف حقيقية ويصعد بين حين وآخر من عملياته ضد الجيش التركي.

فبعد وصول حزب العدالة والتنمية التركي إلى سلم القيادة السياسية في أنقرة، وإعلانه في بداية صعوده السياسي تفهمه لقضية الأكراد الأتراك، كان أكراد تركيا يأملون أن يحدث تغير في موقف الحكومة المركزية التركية من قضيتهم القومية، إلا أن هذا التفهم لم يكن سوى استهلاك سياسي، سرعان ما بددته الممارسات العسكرية والأمنية على الأرض، والتي كان أهمها اعتقال زعيم حزب العمل الكردستاني عبدالله أوجلان فى كينيا ضمن عملية مشتركة بين قوات وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، ووكالة الاستخبارات الوطنية التركية في 15 فبراير عام 1999 في كينيا التي لجأ إليها بعد مطاردة طويلة امتدت من روسيا عبر إيطاليا واليونان وانتهت في كينيا.

فالحكومة المركزية في تركيا أصرت دائماً على اعتبار حزب العمال الكردستاني حزبا إرهابيا، وهي لا تتردد لحظة واحدة عن إرسال جيوشها عبر الحدود العراقية لمطاردة مقاتلي هذا الحزب الذين يتخذون من جبال قنديل في شمال العراق قاعدة رئيسية لهم، فيما لاقت الحملات العسكرية التركية ضد الحزب فشلا كبيراً ولم تحقق أي نجاح استراتيجي يمكن أن يخفف أو يحد من عمليات المقاتلين الأكراد ضد الجيش التركي، بل على العكس من ذلك فإنه في الآونة الأخيرة تصاعدت عمليات مقاتلي الحزب خاصة بعد تفجر الأوضاع في سوريا ودخول تركيا مباشرة على خط الأزمة وتحويل حدودها مع سوريا إلى ممر لعبور المقاتلين والأسلحة إلى الداخل السوري.

الفيدرالية أم الاستقلال.. أيهما الحل؟

بنظرة أكثر واقعية، نستنبط أنه لا يمكن نجاح النظام الفيدرالي في دول منطقة الشرق الأوسط التي تجتمع فيها شعوب وطوائف مختلفة، حيث أنها لم تنجح في إيجاد ثقافة موحدة وتكوين أهداف مشتركة لها طوال عيشها المشترك، ولم تتوفر ظروف ملائمة لهذه الشعوب في يوم ما، عبر تاريخها الطويل، ليكون كل شعب وطائفة وقومية وأقلية ومذهب ودين، حراً في اختيار حياته وطبيعة ونوعية علاقاته مع الآخرين ولم تتوفر العدالة والمساواة بين هذه الشعوب ولم تُتح الفرصة لها أن يشترك الجميع في الحكم ويمتلكون السلطة بشكلٍ متساوٍ وبشفافية، بل خلال تاريخها، تسلطَ فريق واحد على مقدرات البلاد واستأثر بالحكم وأخضع الآخرين بالحديد والنار. لذلك فشلت هذه الشعوب والقوميات والمذاهب والأديان في التلاقي والتفاعل والانسجام.

يغضّ الطرف الكثير من السياسيين والمثقفين والكُتّاب عن واقع التنافر الذي يطغى على علاقات الشعوب التي تعيش ضمن الكيانات السياسية للدول الحاكمة لكوردستان والتي لم تعش معاً في يوم من الأيام بإرادتها وحريتها، وإنما فُرض عليها العيش المشترك بالقوة من قِبل الأجانب، ابتداءً من اتفاقية سايكس – پيكو ومعاهدة سيفر ومروراً بِمعاهدة لوزان والاستفتاء الصوري الذي أُجري وتمّ بموجبه إلحاق إقليم جنوب كوردستان بدولة العراق، واللجوء الى تتريك وتفريس وتعريب كوردستان، بشراً وأرضاً، في محاولة للاستمرار في إبقاء كوردستان تحت سيطرة تركيا أو إيران أو سوريا والعراق.

إذاً يبقى السؤال الأبرز، كيف يمكن إخراج تركيا من حالة الصدام المستمر مع حزب العمال المدعوم من أبناء الشعب الكردي في جميع المناطق التي يوجدون فيها، بما في ذلك خارج تركيا، والحكومة التركية أصرت ومازالت تصر على التعاطي مع المطالب الكردية المشروعة على أنها قضية تمس الأمن القومي التركي، وأن نضال أكراد تركيا يستهدف تقسيم الدولة التركية؟ بالطبع مثل هذا الموقف وهذه العقلية لن يقودا إلى أي حل بين الطرفين. وبالتالي، هل ستتفجر الأوضاع في تركيا في ظل ما تشهده المنطقة من تغيرات؟ سؤالٌ تجيب عليه الأيام المقبلة.

 كاتب وصحافي مصري*

@A_RaHMaN_14

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر