الفرق بين استجابة الولايات المتحدة والصين لـ”كوفيد ــ 19″

التاريخ والوقت : السبت, 17 أكتوبر 2020

فيجاي براشاد وجون روس

 

يتحدث الكتاب الجديد الذي أصدره مراسل صحيفة الواشنطن بوست “بوبو وودوارد”، الذي يحمل عنوان “الغضب” Rage، عن مقابلات أجراها المؤلف في شهرَي فبراير ومارس مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول فيروس كورونا. لقد اعترف ترمب أن الفيروس كان خبيثًا، لكنه قرَّر التقليل من خطورته. وقال ترمب: “أردت دائمًا التقليل من شأنه، لأنني لا أريد أن أخلق حالة من الذعر”. ورغم شهور من التحذيرات من السلطات الصينية، فشل ترمب ووزير صحته “أليكس عازار” في الاستعداد للوباء العالمي.

فالولايات المتحدة لا تزال لديها أكبر عدد من حالات “كوفيد ــ 19″، ولا تزال الحكومة مستمرة في محاولاتها مع تزايد عدد الحالات، حيث لا توجد دولة واحدة في البلاد محصَّنَة ضد انتشار الوباء.

ففي الصين، في هذه الأثناء، ومنذ انطلاق الفيروس بمدينة ووهان، كان على الحكومة احتواء تفشي المرض على نطاق محدود. بينما في الشهر الماضي، لم يكن لدى الصين أي حالة إصابة بفيروس “كوفيد ــ 19”. وفي 31 مارس، كتب “مارتن وولف” في صحيفة فاينانشيال تايمز، أن الصين نجَحَت في “السيطرة على المرض في مدينة هوبي، وتمَّ وقف انتشاره في جميع أنحاء الصين”. كما لم يتفشَّ المرض في عموم الصين.

القيود على حياة الناس

قال الرئيس الصيني “شي جين بينغ” إن حكومته “تضع الناس في المقام الأول”. لقد أخضعت الصين على عجل أولوياتها الاقتصادية لمهمة إنقاذ الأرواح.

ونتيجة للنهج القائم على العلم، تغلبت الحكومة الصينية على تفشي العدوى بسرعة كبيرة. وبحلول أوائل سبتمبر، كان هذا البلد، الذي يبلغ عدد سكانه 1.4 مليار شخص به 85194 حالة إصابة بـ”كوفيد – 19″، و4634 حالة وفاة (يلاحظ أن الهند ذات العدد المماثل للسكان، بها 4.8 مليون حالة إصابة و80.026 حالة وفاة؛ كما تفقد الهند أرواحًا كل أسبوع أكثر من إجمالي الوفيات في الصين).

وفي غضون ذلك، عانت الولايات المتحدة من 198.680 حالة وفاة، و6.7 مليون حالة. وبالأرقام المجردة، يبلغ عدد الوفيات في الولايات المتحدة حوالي 43 ضعفًا عن الصين، كما أن عدد الحالات أعلى بحوالي 79 ضعفًا.

وعلى عكس الحكومة الصينية، ترددت حكومة الولايات المتحدة، في إجراء إغلاقٍ مناسب واختبار السكان. ولهذا السبب، فعلى مستوى نصيب الفرد، نجد أن الوفيات في الولايات المتحدة أعلى بحوالي 186 مرة من تلك الموجودة في الصين، كما أن عدد الحالات أعلى بنحو 343 مرة.

إن محاولة ترمب إلقاء اللوم على الصين تمثل انحرافًا مجردًا. ففي حين تمكنت الصين من احتواء الفيروس، نجد أن الولايات المتحدة قد فشلت تمامًا في القيام بذلك. وقد كان العدد الهائل للقتلى الأميركيين يحمل علامة “صنع في واشنطن” وليس “صنع في الصين”.

تقييد الاقتصاد

في الربع الأول من عام 2020، انخفض الناتج المحلي الإجمالي الصيني بنسبة 6.8٪ مقارنة بالعام السابق. وبسبب القضاء السريع على انتقال الفيروس محليًا، كان الانتعاش الاقتصادي في الصين سريعًا. وبحلول الربع الثاني، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للصين بنسبة 3.2٪ مقارنة بالفترة نفسها من عام 2019. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن تكون الصين الاقتصاد الرئيسي الوحيد الذي يشهد نموًا إيجابيًا.

كيف انتعش الاقتصاد الصيني بهذه السرعة؟ إن الجواب يبدو واضحًا، حيث يكمن في الطابع الاشتراكي للاقتصاد. فبحلول يوليو، كان الاستثمار الحكومي في الصين أعلى بنسبة 3.8% عن مستواه قبل عام، بينما لا يزال الاستثمار الخاص أقل بنسبة 5.7% مقارنة بعام 2019. وقد استخدمت الصين قطاعها الحكومي القوي لإخراج نفسها من الركود. وهو ما يوضح الكفاءة الكلية لقطاع الدولة.

ففي منتصف شهر أغسطس، نشرت المجلة الصادرة عن الحزب الشيوعي الصيني التي تحمل اسم “كواشي” Qiushi، الذي يعني البحث عن الحقيقة، خطابًا لـ”شي جين بينغ”، قال فيه إنه “لا يمكن أن يكون أساس الاقتصاد السياسي الصيني سوى اقتصاد سياسي ماركسي، ولا يمكن أن يكون قائمًا على النظريات الاقتصادية”. وإن المبادئ الرئيسية لذلك هي “التفكير التنموي المرتكز على الناس”. لقد كان هذا هو الأساس لاستجابة الحكومة الصينية للوباء والاقتصاد في سياقه.

وفي غضون ذلك، أوضح ترمب أن إدارته لن تنفذ أي شيء من قبيل الإغلاق الوطني، حيث كانت أولويته تتمثل في حماية الاقتصاد على حساب حياة الأميركيين. وفي وقت مبكر من شهر مارس، وعندما لم يكن هناك أي مؤشر على إمكانية السيطرة على الوباء في الولايات المتحدة، أعلن ترمب أن أميركا “ستفتح أبوابها للعمل مجددًا وقريبًا جدًا”.

كارثة في الولايات المتحدة

لقد أدت بعض السياسات والإجراءات في الولايات المتحدة إلى ارتفاع معدلات الإصابة بفيروس “كوفيد – 19”. فالبروتوكولات الأساسية، والأقنعة، ومعقم اليدين، لم تؤخذ على محمل الجد. وقد كان التأثير على الاقتصاد الأميركي كارثيًا.

لقد أوضحت الولايات المتحدة أنها لن تتبع أي نهجٍ يركز على الناس. وكان تركيز ترمب كله منصبًا على إبقاء الاقتصاد مفتوحًا، وهو ما يعود إلى حدٍ كبيرٍ إلى كونه لا يزال يرى أن فوزه في الانتخابات سيأتي عن طريق الاقتصاد؛ حيث تمَّ تجاهل التكلفة البشرية لهذه السياسة. وكان لدى الولايات المتحدة إغلاق جزئي، حيث أجري عددًا قليلاً من الاختبارات.

لقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة في الربع الثاني بنسبة 9.5% مقارنة بالعام السابق. كما لا يوجد ما يشير إلى وجود تحسن قوي. ويقدر صندوق النقد الدولي أن الانكماش الاقتصادي الأميركي سيصل لنحو 6.6٪ لهذا العام.

وكتب صندوق النقد الدولي أن “الخطر المقبل يكمن في أن نسبةً كبيرةً من سكان الولايات المتحدة سيتعين عليهم التعامل مع تدهور مهم في مستويات المعيشة ومصاعب اقتصادية كبيرة لعدة سنوات قادمة”. وسيكون لهذا الاضطراب تداعيات طويلة المدى؛ فقد عرض صندوق النقد الدولي هذه المشكلات بشكل واضح ممثلة في “منع تراكم رأس المال البشري، أو تقويض مشاركة القوى العاملة، أو المساهمة في الاضطرابات الاجتماعية”، وهو ما يتناقض تمامًا مع السيناريو الذي اتبعته الصين.

ويبدو الأمر كما لو أننا نعيش على كوكبين: أحدهما يعيش حالة من الغضب حيال النفاق فيما يتصل بما قاله ترمب لـ”وودوارد”، والغضب من انهيار كلٍّ من النظام الصحي والاقتصاد، مع وجود طريق شاق إلى الأمام لإعادة البناء أيضًا. بينما على الكوكب الآخر، تمَّ التغلب على سلسلة العدوى، رغم أن الحكومة الصينية لا تزال يقظة ومستعدة للتضحية بالنمو الاقتصادي قصير الأجل لإنقاذ حياة مواطنيها.

إن هجوم ترمب على الصين، وتهديداته بفصل الولايات المتحدة عن الصين، على خلفية ما عُرِفَ بـ”الفيروس الصيني”، كل هذا كان من قبيل حرب المعلومات المعنية بنزع الشرعية عن الصين. وفي غضون ذلك، ركز “شي جين بينغ” على ما يُعرَف بـ”التداول المزدوج”، الذي يعني التدابير المحلية لرفع مستويات المعيشة والقضاء على الفقر، وعلى “مبادرة الحزام والطريق”، إذ إن كليهما سيقلل من اعتماد الصين على الولايات المتحدة.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: إم آر أونلاين MR online 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر