العمليات الانتحارية في أرخبيل “سولو”

التاريخ والوقت : الإثنين, 23 ديسمبر 2019

كينيث يو

 

قُتل شخصان مصريان وآخر فلبيني في هجمات انتحارية في منطقة “سولو” بالفلبين. وكانت هذه المحاولة الأولى لهجوم انتحاري من قبل مجموعات تنظيم “داعش” في الفلبين بعد وفاة زعيمه أبو بكر البغدادي. إن مثل هذا التكتيك لا يزال يمثل ظاهرة أجنبية إلى حدِّ بعيدٍ؛ إذ قُتل مصريان وفلبيني في 5 نوفمبر 2019 في حي “أندانان”، بمدينة “سولو”. وتمَّ الحصول على اثنتين من سترات الانتحار المحملة بالمواد المتفجرة، ومسدس محمول، بالإضافة إلى قنبلة يدوية كانت بحوزة المهاجمين؛ وهو ما يشير إلى أن اثنين فقط من الجناة الثلاثة كانوا على استعداد لتفجير أنفسهم، لكن تبقى علامة استفهام حول ما إذا كانت الفلبينية هي الوحيدة من بين الضحايا. فقد ذهب المصريان بأسماء مستعارة لعبدالرحيم ويعقوب. ولوحظ أيضًا أن زوجة عبدالرحيم، رضا محمد محمود محمد، كانت قد نفذت عملية انتحارية عند نقطة تفتيش عسكرية في الثامن من سبتمبر 2019 لكنها لم تتسبب في أي وفيات. وقد جاء هذا الهجوم بعد وقتٍ قصيرٍ من مقتل أبو بكر البغدادي، الذي نصب نفسه خليفة على تنظيم “داعش” الإرهابي في 31 أكتوبر 2019.

بالنظر إلى هذه التفجيرات نجد أن موت البغدادي يمثل حدثًا رمزيًا للدلالة على أمر مهم، فالانتحاري الذي يفجر نفسه، إنما هو نفسه يمثل دعاية للتنظيم، إذ يحتمل أن يشجع المتعاطفين على ما يعتبرونه “استشهادًا” كما فعل المنتحر نفسه. وإلى جانب “الخلافة” الفاشلة في سوريا بعد أن فقد تنظيم “داعش” معقله الأخير فيها في 23 مارس 2019 ، ساد اعتقاد أنه من المتوقع أن ينتقل المقاتلون الأجانب إلى مسرح نزاع آخر، مثل الفلبين. فقد خرجت نظريتان حول توطين الانتحاريين في الفلبين، الأولى عن طريق التجنيد النشط للانتحاريين الأجانب، والتبني المحلي للتكتيك. وفي الوقت الحالي، تمَّ التأكيد على التقييم السابق بشكل أكبر مع استمرار السكان المحليين في مقاومة تبني التفجير الانتحاري، الذي يتأثر بالأوضاع الإقليمية ويرد على تنشيط الأعمال الإرهابية في البلاد. وحتى الآن، فإن هناك خمس محاولات  انتحارية في الفلبين بدءًا من الهجوم غير المقصود بعبوة ناسفة على إحدى الحافلات في “باسيلان”  بتاريخ 31 ديسمبر 2018 ، مما أسفر عن مقتل 10 وجرح 7. وكان بطل ذلك الحادث هو “هجان ساوادجان”، زعيم تنظيم “داعش” في “سولو” بالفلبين، حيث  قام بتجنيد عضوين من جماعة “أنشاروت دولاه” المتمركزة في إندونيسيا بعد فترة وجيزة لهجوم انتحاري أسفر عن مقتل 22 شخصًا وإصابة أكثر من 100 في كاتدرائية سيدة جبل الكرمل.

واستنادًا إلى المتورطين في الهجمات الانتحارية التي شهدتها الفلبين، يبدو أن التفجيرات الانتحارية لا تزال تعتمد بشكل كبير على المقاتلين الأجانب. واليوم، وبينما كان هناك ثمانية أفراد قاموا أو حاولوا القيام بعمليات انتحارية في الفلبين، فقد تمَّ التعرف على فلبيني واحد فقط من بينهم. وربَّما تكون ثقافة التمسك بشرف المحارب، والموت أثناء القتال المنتشرة بين قبائل “مورو” الأصلية في “مينداناو”، قد أدت حاليًا إلى انتشار ثقافة مجد “الاستشهاد” الانتحاري.

إضافة إلى ذلك، فإن الهجمات الانتحارية الخمس أظهرت أن تبني هذا التكتيك موجود بالفعل في منطقة “سولو”؛ إذ تمَّ تنفيذ أربعة هجمات على جزيرة جولو. وتتم متابعة هذه التكتيكات بنشاط من قبل تنظيم “داعش” في “سولو” الذي يعمل في هذا الأرخبيل؛ وليس داخل منطقة “مينداناو” المهمة فقط. وبخلاف ذلك، فإن فصيل “بانجسامورو” الإسلامي الذي شن الهجمات الأخيرة، والذي يلقب نفسه بـ”المقاتل من أجل الحرية” (BIFF) ويتخذ من “ماجيداناو” مقرًا له، فإنه لا يزال يفضل القنابل المتفجرة عن بعد.

مسار التفجيرات الانتحارية

يمكننا أن نتوقع المزيد من محاولات القيام بعمليات انتحارية في محيط أرخبيل “سولو”. ومع ذلك، فإذا استمرت المقاومة المحلية لتبني التفجيرات الانتحارية، فإن “داعش” في “سولو” ربَّما يزيد من جهود تجنيد المقاتلين الأجانب في “مينداناو”، حيث تسعى لجعل التفجيرات الانتحارية عنصرًا رئيسيًا في ترسانتها. وهذا من شأنه ــ بالطبع ــ أن يسمح لهم بشن هجمات كبيرة عن طريق الانتحاريين الأجانب مع الحفاظ على قوتهم المحلية المدربة للدفاع عن ملاذاتهم الإقليمية.

فطريق “سولو” يمثل أحد المسارات التي يستخدمها المقاتلون الأجانب للسفر إلى “مينداناو”؛ إذ لا يكون التهريب عبر هذا الطريق صعبًا نسبيًا. فالحدود التي يسهل اختراقها والمستنقعات القريبة من جزيرة “سولو” الفلبينية، كل ذلك يوفر فرصًا لتهريب البشر إلى “مينداناو”. وبالتالي، فإن وجود تنظيم “داعش” في تلك المنطقة يميزه عن الجماعات المسلحة الأخرى في جنوب شرق آسيا، حيث تتوفر لديه القدرة على تهريب المقاتلين الأجانب بشكل أفضل.

وقد لوحظ ذلك عندما تمَّ تهريب المسلحين الإندونيسيين “رولي ريان زيكي” و”ألفة هانداياني صالح” اللذين نفذا الهجوم الانتحاري في كنيسة “جولو” من الشرق، وقد تبناها “داعش” في حينها. ويستخدم هذا الطريق أيضًا من قبل المقاتلين الأجانب الذين يرون ماليزيا تمثل جسرًا بين الشرق الأوسط وجنوب الفلبين.

وإلى جانب الانتقال المحتمل للمقاتلين الأجانب من سوريا بعد أن فقد “داعش” أراضيه وزعيمه، يمكن أن تصبح ولاية شرق آسيا التي تشمل كلاً من الفلبين وإندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وتايلاند وميانمار واليابان، ملاذًا للمقاتلين من سوريا. ذلك أن إمكانية تجنيد المرحلين الذين حاولوا القتال في سوريا والعائدين، من شأنها أن تشكل تهديدًا خطيرًا لأمن أرخبيل “سولو”.

وبالنظر لهذا الاتجاه، فإنه من الأهمية بمكان أن تتبنى الحكومة الفلبينية مجموعة شاملة من السياسات لتشديد الرقابة على حدودها. وهو ما يمكن أن يشمل آليات تبادل المعلومات الاستخبارية التي تعزز الترتيبات العابرة للحدود من أجل منع دخول المقاتلين الأجانب.

وبالتالي، ينبغي النظر في مقترحات لتوسيع نطاق التعاون الثلاثي، من خلال دوريات مشتركة بين الفلبين وإندونيسيا وماليزيا في محيط بحر “سولو”، وذلك من أجل تحسين إمكانية التنسيق بين القوات وتبادل المعلومات الاستخباراتية. لكن النقطة الأساسية تتركز في مراقبة تحركات المقاتلين الأجانب الذين قاتلوا في سوريا ويتطلعون حاليًا إلى ساحة قتالهم القادمة.

كما يمكن أيضًا النظر في مبادرات التنسيق مع بقية الدول الإقليمية ومنصات استخباراتية أخرى لرصد وردع أية إمكانية لنقل المقاتلين الأجانب إلى الفلبين.

وفي نهاية المطاف، فإن الإرهاب يمثل تهديدًا عالميًا، ما يجعله يتطلب ترتيبات عابرة للحدود الوطنية. ومن ثَمَّ، يجب على الحكومات إنشاء المزيد من المنصات للتعاون وتبادل المعلومات الاستخباراتية لمواجهة شبكاتها عبر الوطنية بشكل فعال. ومن شأن ذلك أن يتيح للحكومات المعنية إدارة فعالة لتلك التهديدات واحتواءها محليًا.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: معهد ساراجان للدراسات الدولية

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر