العقوبات الجديدة على روسيا: مُبَرَّرةٌ.. لكنها ضعيفة ومربكة

التاريخ والوقت : الجمعة, 9 أغسطس 2019

دانييل فريد، وباريانو تول، وديفيد مورتلوك

 

في الثاني من أغسطس الجاري، وتحت ضغطٍ من الكونغرس الأميركي وبعد سبعة أشهر تقريبًا مما يسمح به القانون، قامت إدارة ترمب بفرض عقوباتٍ إضافيةٍ على روسيا وذلك على خلفية محاولة اغتيال ضابط مخابرات روسي سابق على الأراضي البريطانية في مارس 2018.

وقد أعلنت وزارة الخارجية الأميركية العقوبات، مصحوبة بأمر تنفيذي لمنح وزارة الخزانة سلطة تنفيذ اثنتين من العقوبات الثلاثة والإجراءات التي اتخذتها وزارة التجارة لتنفيذ الثالثة.

كانت العقوبات مستمدة في مجملها من قائمة الإجراءات المحددة في قانون الأسلحة الكيميائية والبيولوجية (CBW)، وقد جاءت على النحو التالي:

– معارضة الولايات المتحدة أية قروض أو مساعدات لروسيا تقدمها المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد أو البنك الدوليين.

– فرض حظر على البنوك الأميركية المشاركة في السوق الأولية للسندات المُقوَّمة بغير الروبل والتي أصدرتها روسيا بعد 26 أغسطس 2019، وكذلك الأموال غير المقومة بالروبل التابعة للسيادة الروسية بعد 26 أغسطس 2019.

– فرض قيود على أية تراخيص إضافية لتصدير السلع والتكنولوجيا الأميركية إلى روسيا علىالقائمة التي تسيطر عليها وزارة التجارة.

لقد استخدمت وزارة الخارجية سلطاتها فيما يخص التنازل المتعلق بقانون الأسلحة البيولوجية والكيميائية بغرض إضعاف العقوبات عن تلك المنصوص عليها في القانون، وبخاصة حظر القروض المصرفية الأميركية لروسيا، والتي لن يتم تطبيقها على المعاملات بالروبل أو على القروض المقدمة للشركات المملوكة للدولة.

نظام الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” يستحق النجاح، حيث تمكن من الإفلات من ملاحقة أعدائه داخليًا وخارجيًا. لذا، فإن محاسبة هذا الأمر ربَّما يكون الشيء المتعين القيام به، وخاصة أن الإدارة الأميركية ينبغي أن تلتزم بالقانون الذي أقره الكونغرس في عام 1991 والذي يفرض عقوبات على روسيا.

ومن المفيد أيضًا أن تثبت إدارة ترمب أن العقوبات المفروضة على روسيا لم تتراجع؛ حيث من المتوقع أن تستمر عواقب الانتهاكات التي يمارسها “بوتين”، سواء ضد أوكرانيا، أو ضد الولايات المتحدة بشكل مباشر من خلال التدخل في انتخاباتها، أو حتى ردًا على استخدام روسيا للعنف ضد من تعتبرهم أعداء. فهذه العقوبات الأخيرة من شأنها، وعلى أقل تقدير، أن تدفع الولايات المتحدة لتجاوز انتهاكات الكريملين، وذلك نتيجة لبعض التفاهمات الخاصة بين الرئيسين بوتين وترامب.

ولكن، واتساقًا مع نمط التنفيذ غير المتكافئ للسياسة بشكل عام، وخاصة فيما يتعلق بروسيا، قامت الإدارة الأميركية بتقويض ما قد يكون خطوة قوية.

فقد أعدت الإدارة الأميركية هذه العقوبات منذ عدة أشهر، (منذ يناير على الأقل)، لكنها ظلت بدون توقيع، حيث بدا أن الإدارة تتصرف فقط تحت ضغط الكونغرس. وقد وجه كلٌّ من رئيس لجنة الشئون الخارجية بمجلس النواب، والمنتمي للحزب الديمقراطي، ومعه أحد أعضاء اللجنة، وينتمي للحزب الجمهوري برسالة مكتوبة إلى إدارة ترمب بتاريخ 29 يوليو، تحثها على فرض بعض العقوبات، بموجب قانون حظر الأسلحة الكيميائية. وهكذا، فإن التحذير الذي وجهه الكرملين كان إلى حد ما بسبب التحيز والضغوط المدفوعة بالكراهية.

وحتى نكون منصفين في رؤيتنا للإدارة، فقد تصرفت الأخيرة بسرعة بعد محاولة الاغتيال باستخدام غاز الأعصاب التي وقعت 2018، حيث تمَّ التنسيق مع المملكة المتحدة والحكومات الأوروبية الأخرى، فقاموا بطرد ضباط المخابرات الروسية من الولايات المتحدة وإغلاق القنصلية الروسية في سان فرانسيسكو، وقد صاحب ذلك الأمر عدد من الخطوات الأخرى في شهر مارس 2018.

ولكن هذا التوجه الضعيف ــ حيث صدر أمر تنفيذي في وقت متأخر من أول أغسطس، وتمَّ إعلان العقوبات في وقت متأخر من اليوم التالي، وقامت وزارة المالية باتخاذ الإجراءات التنفيذية في اليوم التالي لذلك ــ لم يصحبه جهد مناسب لتوفير سياق أكبر للعقوبات، بل إن القوة المحتملة لهذه الخطوة قد تراجعت.

هذه الخطوات في حد ذاتها لا تبدو قوية، فمن بين الإجراءات الثلاثة التي تمَّ الحديث عنها، كان تصويت الولايات المتحدة ضد المساعدات التي تقدمها المؤسسات المالية الدولية لروسيا ليس على قدر من الأهمية، حيث لا يوجد سوى قدر محدود من هذا النشاط، إذ كانت واشنطن ستصوت ضده على أي حال. وبالمثل، فإن الحظر المفروض على القروض الجديدة غير المقومة بالروبل من شأنه أن يؤدي بالكاد إلى التأثير على احتياجات روسيا المالية. وبالتالي لن يؤثر هذا الإجراء على أي من سندات روسيا المقومة بالعملات الأجنبية والتي تبلغ 22.2 مليار دولار، فضلاً عن 40.54 مليار دولار في السندات المقومة بالروبل، في حين ليس هناك سندات أو قروض مقومة بالروبل في المستقبل المنظور، ولا على تمويل الشركات المملوكة للدولة. فقيود الترخيص المفروضة على الصادرات تبدو ضيقة جدًا، إذ تقتصر على بنود انتشار الأسلحة الكيميائية والبيولوجية.

إن القيود الإضافية على نقل التكنولوجيا لروسيا، وخاصة التحركات ضد إصدار الديون السيادية الروسية تعتبر أدوات مهمة، إذ يجب استخدامها لتحقيق أفضل مستوى من الفائدة. لكن هذه الخطوات من العقوبات أضعفت، ومن ثم تركت الباب مفتوحًا دون تفسير، فيما يبدو أنه ليس أكثر من محاولة للانحراف عن الضغوط السياسية التي تجري داخل واشنطن.

لقد كان من الأفضل أن تقوم الإدارة بإعداد قيود إضافية على نقل التكنولوجيا واللجوء لفرض حظر حقيقي على البنوك الأميركية المشاركة في شراء الديون السيادية الروسية (مثل السندات والأدوات الأخرى)، بدون أن تتفكك هذه الخطوة الحالية، وهو ما يفرض ضرورة العمل بالتوازي مع الحكومات الأوروبية. بعد ذلك، يمكن استخدام هذه العقوبات الطارئة والقوية لردع الروس من المزيد من التدخل في الانتخابات الأميركية أو الأوروبية، أو للدفع باتجاه تسويةٍ دبلوماسيةٍ لإخراج القوات الروسية وعملائها من شرق أوكرانيا. تلك هي الأخطاء الفادحة التي ارتكبها نظام “بوتين” والتي تستحق رد فعل قوي من الولايات المتحدة وأوروبا.

ربَّما هذا ما كان يحاول البعض في إدارة ترمب القيام به، وهو رفع الحد الأدنى من العقوبات للوفاء بمتطلبات قانون الأسلحة الكيميائية والبيولوجية مع حجب العقوبات على الديون السيادية الكاملة، بالإضافة إلى القيود الإضافية على نقل التكنولوجيا القابلة للاستخدام في المستقبل والتي يمكن حصرها. لكن هذا يظل مجرد تخمينات. أخيرًا، فإن الإشارات الملتبسة والعقوبات الضعيفة، والمقدمة غير المؤكدة لا تشكل وسيلة للرد على أعمال السيد “بوتين” المستمرة.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: المجلس الأطلنطي

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر