العالم المتصل بالشبكة: إعادة تصور مخاطر الكوارث

التاريخ والوقت : الجمعة, 10 يناير 2020

أنجيلا باولو

 

يكمن المدخل الرئيس لإدارة المخاطر والكوارث في الفهم الحقيقي لها. وللقيام بذلك، فإننا بحاجة ماسة إلى مناهج تسمح بفهم بيئة المخاطرة المعقدة والمشاهد الطبيعية للكوارث بشكل أفضل حتى ننجح في فهمها بدقة. وهو ما يمكن أن يساعدنا في التوصل لأساليب مرتبطة بعلوم والشبكات تمكننا من التعرف على كيفية ربط المخاطر المختلفة وتطورها إلى كوارث في عالم متزايد الترابط.

لقد قال ألبرت أينشتاين ذات مرة أننا “لا يمكننا حل المشكلات عن طريق استخدام نفس النوع من التفكير الذي استخدمناه عندما أنشأناها.” فغالبًا ما تقع أساليب إدارة مخاطر الكوارث التقليدية (DRM) في هذا الفخ. وبينما نسعى للمزيد من التعرف على الكوارث الطبيعية، يبدو أن الطرق التي نحدد ونحلل من خلالها تلك المخاطر لا تزال متأخرة، حيث أن ذلك يحد من قدرتنا على إدارتها بشكل أكثر فعالية.

هناك وعي متزايد بأن الكوارث أصبحت أكثر منهجية، مما يعزز دورات مفرغة من الظلم والفقر. وهناك اعتراف واسع النطاق بأن آثار تلك الكوارث تعتمد إلى حد كبير على الخيارات التي نتخذها بشأن الكيفية التي نعيش بها حياتنا ونربط من خلالها ببيئتنا، سواء كانت طبيعية أو من صنع الإنسان. ومع ذلك، فإننا لا نزال نبالغ في تركيز جهود إدارة الحقوق الرقمية على التهديدات الخارجية بدلاً من الأخطار الكامنة في الداخل، وبالتالي فإننا نواصل إعداد ردودنا على السيناريوهات الكارثية في المستقبل على أساس الأحداث الماضية.

رؤية الروابط: الكوارث والشبكات

مثل هذه الأساليب تسمح لنا بعمل فروق تحليلية والتعلم من تلك التجارب. ومع ذلك، فإن فائدتها تصبح محدودة في عالم يتسم بالترابط؛ حيث تمكننا أساليب علوم الشبكات من إدراك التعقيد في عالم يبدو أن كل شيء مرتبط بشكل متزايد بما في ذلك محركات مخاطر الكوارث. فقد علمتنا التجارب والبحوث أن الكوارث لا تحدث ببساطة لأن الناس بالفعل يمضون في طريقهم نحو الأذى. كما أن تلك الكوارث تنتج عن تعرض الأشخاص للضعف وعدم القدرة على الصمود والجذب في أعقاب حادث كارثي، وبالتالي فقد جعلتنا معرفة هذا البعد الإنساني للكوارث أكثر وعياً بدور سلوكنا في تشكيل المخاطر.

ومع ذلك ، فإن التركيز على الأخطار الطبيعية فيما سبق كانت تشترط أن ننظر إلى المخاطر القادمة من الخارج بدلاً من تلك الناشئة من الداخل، وهي تلك الأخطار التي تؤثر فيها قراراتنا وأعمالنا. حيث تتمثل الطريقة العملية لفهم مخاطر الكوارث حاليا في إدراكها باعتبارها شبكة مترابطة من الشبكات المختلفة.

فعلم الشبكات يعد مجالاً ناشئاً وميداناً أكاديمياً يهتم بدراسة الشبكات المعقدة خلف الأنظمة التفاعلية التي تعتمد عليها المجتمعات الحديثة، سواء كانت بيئية أو اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو حتى تكنولوجية. ويمكن أن يؤدي استخدام الشبكات إلى تعزيز جهود إدارة الحقوق الرقمية حيث سيوفر ذلك الآلية اللازمة لوصف العالم وتحليله وتفسيره من حيث تشابك العلاقات.

تحديد مواقع مخاطر الكوارث

يمكن أن يساعدنا علم الشبكات أيضا في تحديد موقع تقاطع مخاطر الكوارث والوسائل المختلفة تمهيدا لمعالجتها. فعلى سبيل المثال، فإن فحص عمليات الترابط بين المخاطر يسلط الضوء على كيفية تفاعل الاتجاهات العالمية لاتجاهات الكوارث الطبيعية أو حتى تفاقمها.

توفر لنا دراسة الشبكات إمكانية التعرف على الكيفية التي يمكن أن يتم من خلالها الخلل الاجتماعي والاقتصادي وتدمير النظم الإيكولوجية وسوء استخدام التكنولوجيات الناشئة فيما يجعل الناس أكثر عرضة للكوارث. كما يمكن أن يكون الفهم الأوسع لتلك الروابط مفيدًا في صياغة سياسات شاملة مستنيرة للمخاطر تشمل القطاعات المختلفة. كما يمكن أن تساعدنا تلك الدراسات أيضًا في معرفة الكيفية التي يتم من خلالها هيكلة النظم المعتمدة بشكل تبادلي فيما يسفهم في دمج طرق ارتباطها فيما بين بعضها البعض. فوعلى سبيل المثال، تكشف دراسة حوكمة مشاريع إدارة الحقوق الرقمية عبر الشبكات كيف يمكن للهياكل غير المتوازنة لعلاقات القوة بين الحكومات المانحة والمنظمات المتعاونة معها وكذلك البلدان المتلقية أن تحد من جهود التوطين.

ويمكن اعتبار إدارة الحقوق الرقمية بمثابة نظامًا إيكولوجيًا يحكمه بشكل مشترك مختلف الأطراف الذين يتفاعلون مع بعضهم البعض لتوجيه أنشطة إدارة الحقوق الرقمية وتنسيقها وكذلك تنفيذها، فربما تكون المعرفة الأعمق لطبيعة العلاقات، حيث تتلاقى المصالح وتتباين، مفيدة في تحديد وسائلٍ أكثر فعالية لتحقيق الأهداف المشتركة واستخدام الموارد المتاحة. ومن ثم فإن استخدام الشبكات لدراسة إدارة الحقوق الرقمية ليس بالأمر الجديد، لكنها لم تكتسب المزيد من الانخراط في الممارسة العملية.

تمدد الخيال

الملاحط أنه ثمة تفضيل لمناهج إدارة الحقوق الرقمية التقليدية حتى لو كانت تعمل على مواجهة الكوارث الشديدة وعدم اليقين المتزايد في واقعٍ مناخيٍ جديد وذلك لسببين.

أولاً، عادة ما يكون أفضل وقتاً لاتخاذ إجراءات بشأن مخاطر الكوارث مباشرة بعد وقوع الكوارث، وهو ما يحدث عندما تكون مشاركة المواطنين، والضغط على الحكومة، واهتمام وسائل الإعلام متحققة بدرجة عالية للغاية، ذلك أنها توفر “فرصة سانحة” لتنفيذ التغييرات الطارئة على السياسة والممارسات المرتبطة بها.

ثانياً، أنه غالبًا ما يتم تحليل مخاطر الكوارث بطريقة خطية؛ حيث يتم تحديد الخطر وتقييمه. ثم، يتم بعد ذلك تحليل احتمال تحولها إلى كارثة وكذلك الآثار المحتملة. وأخيرًا ، يتم اتخاذ خطوات للتخفيف والاستعداد والاستجابة والتعافي عند وقوع تلك الكوارث.

لكن كلا السببين يمثل مشكلة لأنه في كلتا الحالتين فإن توقع الكوارث يكون بناءً على المخاطر السابقة والمعروفة  من قبل، وهي تلك التي تتحول مرة تلو الأخرى بشكل مختلف عن المتوقع. وبالتالي يكون علينا أن نمدد خيالنا ونبحث بنشاط عما ينتظرنا ونبدأ في إجراء التغييرات الآن وليس بعد وقوع الكارثة. كما أن إحدى طرق القيام بذلك تكمن في استخدام التحليل القائم على النتائج كما تم الترويج له من قِبل مختبر تحليلات الكوارث للمجتمع الذي يتضمن تخيل وتوقع نتائج كارثية، حيث يتتبع سلسلة الأحداث التي أدت إليها. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا لم يحدث هذا من قبل؟ وببساطة، فإن ذلك يكمن في طريقة التفكير بشكل استباقي حول الطريقة التي يمكن أن تسوء بها الأمور قبل أن تصادف مشاكل إدارة الحقوق الرقمية قبل أن تتحول إلى مشاكل أكبر بدلاً من التعلم منها بعد وقوعها.

التفكير المستقبلي

النقطة الأخرى هي التفكير المستقبلي الذي ينادي به الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من خلال أكاديمية سولفرينو التابعة له. وتنطوي تلك الفكرة على مسح الأفق، وتحديد الاتجاهات، ووضع سيناريوهات لتحدي المفاهيم الخاصة بمدى استجابة إدارة الحقوق الرقمية المناسبة في المستقبل. حيث يعد مشروع التمويل القائم على التنبؤ مثالاً جيدًا على كيفية تطبيق هذا التفكير في العمل.

ويفيد هذا النهج في إعادة النظر في كيفية تطوير استراتيجيات إدارة الحقوق الرقمية  لأنه يثير السؤال الأهم: هل ينبغي لنا وضع خطط من خلال تقييم المخاطر التي نواجهها حاليا وفرض علينا اتخاذ خطوات إلى الحالة المرغوبة، أم يجب أن نبدأ بهدف واضح لإدارة الحقوق الرقمية ونعيد التفكير فيه بخصوص الخطوات اللازمة لإدارة المخاطر المستقبلية؟

هنا يشير تقرير الجنة الاقتصادية والاجتماعية لآسيا والمحيط الهادئ التابعة للأمم المتحدة (UNESCAP) إلى أن “فهم المخاطر يقع في صميم بناء القدرة على مواجهة الكوارث، ذلك أننا بصدد التحسن في هذه المهمة، فعلى الرغم من عدم اكتمال ذلك الأمر، إلا أننا نجمع ببطء أدوات المعرفة اللازمة لفهم عالمنا المترابط.

إلا أن أكبر تحد يوجه إدارة الحقوق الرقمية مستقبلا يكمن في إمكانية استيعاب التعقيدات المصاحبة لها وتوقع ما ينتظرنا. فنحن بحاجة ماسة إلى الاستثمار وعمل اللازم من أجل مواجهة أحداث كارثية غير مؤكدة قد تحدث في المستقبل.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر/ مدرسة سراجان للدراسات الدولية RSIS 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر