الصين والولايات المتحدة: دروس من “ثوسيديديس”

التاريخ والوقت : الجمعة, 24 يوليو 2020

ألبير علي رضا

 

تتدهور العلاقات بين الصين والولايات المتحدة بشكل متسارع، فالبلدان يسلكان مسارًا جديدًا فيما يصفه الأستاذ بجامعة هارفارد بـ”فخ ثوسيديديس”.

لقد كان “ثوسيديديس” مؤرخًا فيلسوفًا في اليونان القديمة. إذ كتب تاريخًا لحرب “البلونيز” التي كانت قائمة بين أثينا وإسبرطة، وأرجع سبب الحرب إلى نظرية مفادها أن الحرب تصبح مسألة حتمية كلما هددت قوة صاعدة باستبدال قوة قائمة. وقد كانت أثينا قوة بحرية صاعدة في طور التكوين، إذ رأت فيها إسبرطة تهديدًا لموقفها المهيمن، مما جعلها تهاجم أثينا من أجل الحفاظ على موقعها.وقد أسمى أستاذ هارفارد ذلك الوضع بـ”فخ ثوسيديديس” ليوضح فكرة أن الحرب ليست حتمية دائمًا، وإنما يمكن تجنبها إذا علمت الدول بوجودها واتخذت خطوات لتجنبها.

فعلى سبيل المثال، لم يتسبب صعود أميركا في حرب بين بريطانيا، القوة المهيمنة، وأميركا. فقد نصح السياسي المحافظ “إينوك بأول”، الذي كان يعمل أستاذًا للغة اليونانية القديمة، وزير الخارجية الإنجليزي “أنتوني إيدن” بأن خصمه الرئيس في الشرق الأوسط هو الولايات المتحدة، حينما رفضت واشنطن مساندة فرنسا وبريطانيا في عدوانهما على السويس في مصر عام 1956، وأن الحرب الوحيدة التي خاضتها الولايات المتحدة وبريطانيا من قبل هي حرب الاستقلال الأميركية فيما بين 1775-1776. حتى إن “جورج برنارد شو” وصفهما بأنهما بلدان تتقاسمان لغة واحدة.

وقد خلفت الولايات المتحدة بريطانيا كقوة مهيمنة في العالم بعد عام 1945. لكن صعود روسيا السوفييتية هدد الهيمنة الأميركية في أوروبا، إلا الدمار الذي كان سيخلفه استخدام القوة النووية، حافظ على السلام فيما بينهما حتى انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991، إلى أن عادت روسيا في عهد الرئيس “فلاديمير بوتين”، لكنها ليست لديها النفوذ الاقتصادي الذي تملكه الصين.

وبعد عام 1991 أصبحت أميركا القوة العظمى الوحيدة في العالم، إلى أن بدأ صعود الصين يزعزع توازن القوة الاقتصادية. فقد انضمت الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001، ولم تنظر إلى الوراء منذ ذلك الحين، حتى نشوب أزمة الفيروس التاجي التي انطلقت من مدينة ووهان في ديسمبر 2019.

وقد أدى صعود الصين كاقتصاد رأسمالي ناجح تحت السيطرة السياسية للحزب الشيوعي الصيني، إلى هزَّة للعمود الفقري للولايات المتحدة، والحرب التجارية التي يشنها الرئيس دونالد ترمب ضد الصين، وهو الحالة الصراعية التي سيدركها “ثوسيديديس”.

لقد جاء ترمب إلى السلطة ولديه وعود بتقليل الاختلال في الميزان التجاري بين الولايات المتحدة والصين، وهو أمر جيد إذا لم يكن لسياساته تأثير إقليمي إضافي. ومع ذلك، فكما أظهرت أزمة التكنولوجيا الصينية متعددة الجنسيات، من خلال شركة هواوي، تقوم الولايات المتحدة باستعراض عضلاتها الاقتصادية ضد الصين، وتتوقع من حلفائها أن يحذوا حذوها، وتلجأ لمعاقبتهم إذا لم يفعلوا ذلك.

ففي يناير، حصلت شركة هواوي على حصة في تحديث اتصال الإنترنت في المملكة المتحدة إلى الجيل التالي من التنزيل والتحميل الأسرع للبيانات المعروفة باسم “الجيل الخامس” 5G. ولم يكن يعتقد بعد ذلك أن المشاركة الجزئية للشركة الصينية العملاقة بأعمال في المملكة المتحدة، ستثير مخاوف أمنية لا يمكن التغلب عليها مع اختلاف الولايات المتحدة وبريطانيا التي تتشارك معها العمل الاستخباري.

لقد وقف الوزير المسؤول عن التكنولوجيا الرقمية أمام البرلمان، الأسبوع الماضي، وقال: إن الواقع تغير الآن، وإنه يتعين على الحكومة تغيير سياستها السابقة. فمن بين ما تغير بالواقع أن الولايات المتحدة فرضت في مايو عقوبات تمنع وصول شركة هواوي إلى المكونات والبرامج الأميركية مما يعني أنه يجب حظر هذه الشركة من العمل في بريطانيا.

ومن المؤكد أن ترمب يبدو متفوقًا على الصين فيما يتعلق بالوضع الداخلي، رغم تراجع موقفه في استطلاعات الرأي الجارية بشأن الانتخابات الرئاسية على بُعد أربعة أشهر الأخيرة. لذا، فإن لديه قناعة بأن استخدام ورقة الصين سيعزز موقفه الانتخابي سعيًا لفترة رئاسية أخرى بنتائج أفضل، ما يدفعه لاستخدام خطاب أشد شحنًا ضد الصين.

لكنه ليس الوحيد الذي يرغب في تصحيح الميزان التجاري مع الصين. إذ يُعتقد على نطاق واسع أن الديمقراطيين يرون ضرورة احتواء الصين المنافس القوي للولايات المتحدة، لكنهم ليسوا على نفس الدرجة من الشدة في خطابهم النقدي تجاه الصين.

لقد أدى فشل “بكين” الملحوظ في احتواء أزمة انتشار الفيروس التاجي داخل حدودها، إلى إطلاق الكثير من العدوان المكبوت ضدها في الولايات المتحدة. فالرئيس الأميركي وصف الفيروس بأنه مرض صيني، ليس فقط لكسب الأصوات، ولكن أيضًا لإلقاء اللوم على تعاملها المروع مع الجائحة التي يبدو أنها خرجت عن السيطرة في الولايات المتحدة في ظل عدم وجود نهاية تلوح في الأفق.

لكن من السذاجة أن نقول إن الصين هي المسؤولة عن انتشار المرض الذي يقتل الآلاف في الولايات المتحدة وأماكن أخرى، ويدمر الاقتصاد العالمي، ويغير طريقة حياة العالم كله. فهناك قضايا أخرى، مثل: تايوان، وهونغ كونغ، وأمور أخرى، لكنها كانت تبدو متوارية ولم تظهر إلا في صورة مخاوف رئيسية في الآونة الأخيرة بسبب الحرب التجارية الأميركية مع الصين. صحيح أن تايوان كانت تحت سيطرة الولايات المتحدة منذ أيام “تشانغ كاي شيك” الذي حارب وخسر أمام الشيوعيين في عام 1949، لكن أميركا تراجعت أمام الصين الشيوعية التي اُعترِف بها في عام 1979 لتنقطع العلاقات مع تايوان. أمَّا بالنسبة لهونغ كونغ، فإن بريطانيا لديها مخاوف حقيقية، لكن الأميركيين والأستراليين يهاجمون الصين لأسباب اقتصادية فقط.

أخيرًا، فإن المشكلة التي يواجهها حلفاء الولايات المتحدة مع ترمب، هي أنه متشدد في تعاملاته مع الصين ويصعب مواجهته إلى الحد الذي ينذر بالوقوع في فخ ” ثوسيديديس” بشكل يؤثر على الجميع وليس طرفًا بعينه. فالرئيس الأميركي ينبغي أن يهتم كثيرًا بمعرفة أعماق الشؤون الدولية باعتباره زعيمًا للغرب.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: قبرص ميل

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر