مركز سمت للدراسات الصين في المعادلة الروسية الأطلسية | مركز سمت للدراسات

الصين في المعادلة الروسية الأطلسية

التاريخ والوقت : الأحد, 19 يونيو 2022

عبدالحميد توفيق

 

اهتمام الدوائر السياسية والإعلامية على مستوى العالم بالصين هذه المرة، ليس لأنها صاحبة أعلى معدل في سلّم النمو.. ولا لكونها تمكنت من انتشال مئات الملايين من مواطنيها من تحت خط الفقر.

ولا بصفتها رائدة الاقتصاد المنافس عالميا للولايات المتحدة الأميركية وعمالقة الاقتصاد من اليابان إلى أوروبا مجتمعة، ولكن ببساطة لأنها في معايير التحولات الدولية الحاصلة اليوم تُشكّل بما هي عليه عنصرًا ترجيحيًّا لكفة موازين القوى الدولية لهذا الطرف أو ذاك، بفعل مقومات ذاتية تؤهلها للتفرد كقطب هائل الإمكانات البشرية والجغرافية والاقتصادية، وهي حوامل لقوتَيْها السياسية والعسكرية معًا.

منذ اندلاع النزاع الروسي-الأوكراني، سياسيًّا ثم ميدانيًّا، اتجهت الأنظار إلى الصين تلمُّسًا لأمرين استراتيجيَّيْن مؤثرَين على مجمل المسرح الدولي، الأمر الأول متعلق بماهية الموقف الصيني وتموضعه في النزاع الروسي-الأوكراني، والأمر الثاني مرتبط عضويًّا بقضية تايوان وعلاقاتها المستقبلية مع بكين وواقعها الراهن في ضوء الاستراتيجية الأمريكية المعلنة تجاه الصين، بوصفها “التحدي الاستراتيجي الأكبر لهيمنة الولايات المتحدة اقتصاديا وسياسيا”.

والحديث عن احتمال استغلال الإدارة الأمريكية مستقبلا لهذه القضية في “مقايضات كبرى” مع الصين، رغم الاتفاقات بين واشنطن وبكين منذ سبعينيات القرن الماضي على أن تايوان قضية صينية داخلية وحلها يتم عبر التفاوض الثنائي بينهما حصرًا.

القراءة المتأنية للراهن القائم على المستويين الثنائي الروسي الأطلسي، والثنائي الصيني الروسي، يُفصح عن رؤية صينية راسخة لمعادلة التوازنات الدولية عموما، ولعلاقاتها الخاصة مع العالم الخارجي، خصمًا كان أم صديقًا بشكل خاص.

وتدرك القيادة الصينية تبعاتِ الانحياز لطرف على حساب آخر في الساحة الأوكرانية وما يترتب على ذلك.. يبدو اليوم أن قراءتها للنزاع انطلقت من رؤيتها له كساحة اشتباك أوسعَ من إقليمي وأضيقَ من عالمي.

ركائز سياستها تتطلب المرور الآمن والعبور المتقن لمطبات ومنعرجات هذا التحدي.. ترجمت ذلك بالامتناع عن إدانة الطرفين المتنازعين.. امتنعت عن ركوب مسار الحصار والعقوبات ضد روسيا، لكنها لم تعلن تأييدها القاطع لخِيار موسكو في معالجة النزاع.. بلورت معادلة حافظت فيها على توازن دورها مع الأطراف جميعها.. برهنت في مسالك نهجها وسياستها على أنها أضافت لموقفها ولموقعها قيمة استراتيجية مؤثرة في اتجاهات متعددة، فإنْ هي أرادت مستقبلا خوض دور الوسيط بين كييف وموسكو فستكون مقبولة، وإنْ هي سعت إلى التأثير الدبلوماسي على الأطراف -بما فيها الغرب- فستجد مساحة لمسعاها، وإنْ عزمت على ترسيخ تحالفها مع موسكو، استنادًا إلى المقاربات المشتركة السابقة بينهما قبل اندلاع النزاع الروسي-الأوكراني فلن يكون لأي طرف خارجي حجةُ مناهضته.

أدارت بكين الأزمات، التي تكون طرفا فيها دون أن تفرّط في هيبتها ومكانتها ومصالحها وسيادتها. أيّا تكن مآلات النزاع الروسي-الأوكراني، فلا بد من أن تتجلى إفرازاته على الصعيد الدولي ببزوغ تحالفات جديدة وتراجع أخرى، وتنامي نزعات ذاتية وأخرى أبعد من ذاتية، وسترسم خطوط تماسٍ مستحدثة على المستويين الأوروبي والدولي، حتى لو كانت في مسرَحَين منفصلين.

الثابت في المعادلة أن خطَّيها الأمريكي والصيني سيبقيان متوازيين إلى أمد بعيد بسبب التباينات، التي تحكم سياسة وتوجهات كل منهما، خصوصا ما تعلق منها بالمصالح الحيوية الاستراتيجية.

العلاقات الصينية مع حلفاء واشنطن الغربيين تؤكد أن الخيوط، التي نسجتها المصالح التجارية والاقتصادية بينهما، تستمد متانتها من الحاجة المتبادلة إلى بعضهما، وأن الغايات السياسية التي تسعى الولايات المتحدة لتحقيقها في استراتيجيتها المزمعة مع الصين -وإنْ ظلت حتى الآن تحت السطح- لن تصب في مصلحة الأوروبيين، الذين لن يجدوا سببًا أو مبررًا للتخندُق في مواجهة بكين، حيث تستحوذ الصناعات الصينية على مجمل أسواقهم، وتتغلغل سلعُها التجارية في شرايين غالبية الجسد الأوروبي.

التجربة الأوروبية مع النزاع الروسي-الأوكراني مختلفة عما هي عليه الحال مع الصين، وقد انطوت على بُعدين:

الأول أن الأوروبيين لم يجدوا بُدًّا من اللحاق بركب الأمريكيين، كونهم ركيزة حلف شمال الأطلسي وساحته المجاورة لمسرح النزاع.

والثاني استحضار الإرث التاريخي النفسي بينهم وبين روسيا وتغذية الشعور بالقلق من تطورات النزاع وانعكاساته السلبية على دولهم وشعوبهم، وهم جزء من رقعته الجيوسياسية.

على العكس تمامًا.. ستكون خطوط التقاطع بين موسكو وبكين مؤهلةً للتقارب أيًّا تكون مخرجات النزاع الروسي-الأوكراني، فحين تهدأ الجبهات وتصمت المدافع ستنجلي بوضوح خيارات بناء العلاقات بينهما أكثر، ذلك أن موسكو ستكون بحاجة إلى توطيد علاقاتها المتنوعة مع بكين لتعويض خسائرها وترميم اقتصادها ومواجهة تحديات المواجهة مع الأطلسيين على المدى البعيد، في حين ستجد الصين في توسيع التعاون مع روسيا فرصةً استراتيجية لتمكين وتمتين ركائز قوتها والاستعداد للمواجهة المحتملة مع واشنطن حال حدوثها.

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر