الصين تتجنب اللوم من خلال التصيد للعالم

التاريخ والوقت : السبت, 21 مارس 2020

شادي حميد

 

إن الدليل على التستر المتعمد الذي قامت به الصين لمواجهة تفشي فيروس كورونا في “ووهان” بات واضحًا للجميع. فمن خلال إخفاء المعلومات حول الفيروس الوبائي، وضعف فرص احتوائه، والسماح له بالانتشار دون رادع في الأيام والأسابيع الأولى الحاسمة، عرَّض النظام للخطر ليس فقط على مستوى الدولة أو المواطنين، ولكن أيضًا أكثر من 100 دولة تواجه الفيروس الذي يتفشى بشكلٍ مدمرٍ في الوقت الراهن.

وبشكلٍ أكثرَ دهاءً، قامت الحكومة الصينية بمراقبة واحتجاز الأطباء الشجعان والمبلّغين الذين حاولوا دق نواقيس الخطر وتحذير مواطنيهم حينما أدركوا خطورة ما سيحدث. فبعض المعلقين الأميركيين والسياسيين الديمقراطيين يشعرون بالذعر من دونالد ترمب والجمهوريين لإشارتهم إلى الوباء باعتبار أنه “فيروس ووهان” ويشيرون بشكل متكرر إلى الصين كمصدرٍ للوباء. كما أنه عند تسمية المرض بـ”كوفيد – 19″ COVID-19، تجنبت منظمة الصحة العالمية، على وجه التحديد، ذكر اسم مدينة “ووهان”.

ومع ذلك، فإن التهوين من التركيز على المكان الذي انطلق منه الوباء (وهو أمر تسعى الصين إليه بقوة)، يعني أننا نجازف بالتغاضي عن دور بكين في السماح للمرض بالانتشار خارج حدودها. فالصين لديها تاريخٌ من سوء التعامل مع تفشي المرض، بما في ذلك مرض “السارس” الذي ظهر عامي 2002 و 2003.

لكن إهمال القادة الصينيين في شهرَي ديسمبر ويناير، لأكثر من شهرٍ بعد ظهور المرض أول مرة في “ووها”ن، يفوق بكثير تلك الردود الفاشلة. لقد كانت نهاية العام الماضي هي الوقت المناسب للسلطات لأن تعمل، وكما لاحظ “نيكولاس كريستوف” من صحيفة نيويورك تايمز، “فإنهم تصرفوا بشكل حاسم، ليس ضد الفيروس، ولكن ضد المخبرين الذين كانوا يحاولون لفت الانتباه لتهديد الصحة العامة”؛ وهو ما سمح للفيروس بالانتشار في جميع أنحاء العالم. ولأن “الحزب الشيوعي الصيني” كان يدعي أنه لم يكن هناك ما يدعو للقلق، فقد كانت “ووهان” مكانًا يسهل اختراقه للفيروس، حتى قامت الحكومة بإغلاق مدينة “ووهان” فقط في 23 يناير، أي بعد سبعة أسابيع من ظهور الفيروس أول مرة. وكما كشفت الأحداث في إيطاليا والولايات المتحدة وإسبانيا وفرنسا، يمكن أن يحدث الكثير في غضون أسبوع، ناهيك عن سبعة أسابيع. وبحلول ذلك الوقت، اعترف العمدة “تشو شيانوانغ” بأن أكثر من 5 ملايين شخص غادروا “ووهان” بالفعل.

وإذا لم يكن ذلك كافيًا، يمكننا مراجعة التاريخ الحديث للحصول على رؤية أكثر دقة. ففي مقال عام 2019، حذَّر خبراء صينيون من أنه “من المحتمل جدًا أن تنشأ حالات لتفشي فيروسات تاجية شبيهة بالسارس أو متلازمة الشرق الأوسط التنفسية التي تتسبب فيها الخفافيش، وهناك احتمال متزايد بأن يحدث هذا في الصين”. وفي مقالٍ بإحدى الدوريات عام 2007، نشر المتخصصون في الأمراض المعدية دراسة تقول إن وجود خزان كبير من الفيروسات الشبيهة بـ”السارس” في الخفافيش على شكل “حدوة الحصان”، إلى جانب ثقافة تناول الثدييات الغريبة في جنوب الصين، إنما هو بمثابة القنبلة الموقوتة. إذ لا ينبغي تجاهل إمكانية عودة ظهور “السارس” والفيروسات الجديدة الأخرى من الحيوانات أو المختبرات، وبالتالي كانت هناك حاجة للاستعداد، إلا أنه تمَّ تجاهل ذلك.

لقد أثار العالم السياسي “أندرو ميتشتا” جدلاً واتهامات بالعنصرية بقوله الذي توضحه أي نظرة عامة إلى الأدلة. وكُتِبَ في مجلة “ذي أميركان إنترست”، “أن السؤال عن اللوم إنما هو أمرٌ واضح جدًا ما يعني أن الدولة الصينية مذنبة”.

لكن: هل هذا وقت اللوم؟ نعم، إنه كذلك. إن المحاسبة عن المسؤولية عند وقوع كارثة، ولا سيَّما كارثة من المحتمل أن تدمر دولاً كاملة، وترك آلاف القتلى، تحرك المسؤولين الصينيين للاستفادة من الأزمة وشن حملة تضليل مدعية بأن الجيش الأميركي أدخل الفيروس.فقبل وقتٍ طويلٍ من انتشار فيروس كورونا المستجد بين المدن الأميركية، كان النظام الصيني بالفعل يفند المنشورات الأميركية بشكل إبداعي، ويطرد الصحفيين الأميركيين، ويرد على أي شيء يعتبره منتقدًا لدور الصين في سوء التعامل مع الوباء. ذلك أنه من النادر أن نسمع الصينيين يتحدثون بلهجة عنصرية، وذلك مع الأخذ في الاعتبار أن هذا النظام قد وضع أكثر من مليون مسلم وأقليات عرقية أخرى في معسكرات “إعادة التأهيل”. وبالطبع، سيتعين على الأميركان توخي الحذر من ناحية الآسيويين بشكل عام، أو الشعب الصيني على وجه الخصوص. وكبلدٍ ذي معدل أعلى من حيث الإصابة والوفيات، فقد عانى المواطنون الصينيون بما فيه الكفاية. لكن القيادة الصينية تعتبر مسألة أخرى. فالحكومة ليست كالجماعات العرقية، بل إنها واحدة من أسوأ وأكثر النظم وحشية في العالم.

إن نقد الأنظمة الاستبدادية لما تفعله خارج حدودها ولشعبها يعتبر ــ ببساطة ــ وصف الأشياء كما هي عليه. بل إن القيام بخلاف ذلك لهو أمر بعيد تمامًا عن الموضوعية ولا يستحق أن نعطيه أي اعتبار؛فهؤلاء النقاد الأميركيون الذين يتبنون خطاب العنصرية ينهارون عن غير قصد، وهو ما يعكس الفرق بين نظام استبدادي وأولئك الذين يعيشون في ظله. فالكثيرون يبدون أكثر ارتياحًا تجاه رسم الأطر الأخلاقية بين النظام الصيني ودونالد ترمب.

بالطبع من الصعب أخذ هذا الموقف بجدية، فالرئيس الأميركي لم يمنع وسائل الإعلام من الإبلاغ عن منتقديه، كما لم يختفِ أحد من منهم. ما نعنيه أن طبيعة النظام أمر على قدرٍ من الأهمية. ولهذا السبب، يمكنني أن أقدم مثالاً جديرًا بالاعتبار، حيث أعيش في بلد ديمقراطي، مهما كانت عيوبه، في هذا الوقت الذي يشهد أزمات غير مسبوقة. وعلى أي حال، لا يمكن ولا يجب أن تعود العلاقات مع الصين إلى طبيعتها كما سبق. إذ لن يعود شيء إلى طبيعته بعد أن يتضح الحجم الهائل للدمار. وبالطبع، سيتعين على بقية العالم أن يتعايش مع القيادة الصينية ما دامت في السلطة.لكن هذا الوباء يجب في نهاية المطاف، أن لا يوهمنا بأ أمل في أن يصبح النظام الصيني فاعلاً عالميًا ومسؤولاً. إنه ليس كذلك، ولن يصبح كذلك.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: The Atlantic

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر