الشركات التكنولوجية العملاقة: الرابح الأكبر من فيروس “كوفيد-19”

التاريخ والوقت : الخميس, 30 يوليو 2020

في ظل الاتجاه المتزايد إلى التعليم والعمل عن بعد، يرى “بيل جيتس” أن شركات البرمجة والتكنولوجيا هي الرابح الأكبر في ظل أزمة فيروس كورونا، وهو ما أكدته جملةٌ من المؤشرات، أهمها: تزايد الطلب على منتجات هذه الشركات، وارتفاع قيمتها السوقية، واستحواذها على بعض الشركات الناشئة؛ وهو ما يعني مزيدًا من الممارسات الاحتكارية، وجمع مزيدٍ من بيانات المستخدمين، دون أن يُسفر ذلك بالضرورة عن التحقيق في تلك الممارسات أو تحجيم نفوذها أو حماية خصوصية المستخدمين، بالنظر إلى تزايد الطلب على خدماتها، وتغير عادات الاستهلاك، وتزايد الاعتماد على الإنترنت لأغراض العمل والدراسة والترفيه.

الشركات الرائدة

في ظل الاضطراب الاقتصادي العالمي، وعلى الرغم من توقف عددٍ هائلٍ من سلاسل التوريد من ناحيةٍ، وإغلاق قطاعاتٍ تجاريةٍ كاملةٍ من ناحيةٍ ثانيةٍ، لم يتوقف نشاط الشركات التكنولوجية الكبرى التي نَشط عددٌ كبيرٌ منها بشكلٍ بارزٍ في الأشهر القليلة الماضية. فقد أعلنت شركة “أمازون” -على سبيل المثال- عن توظيف مئات الآلاف من العاملين بدوامٍ كاملٍ لتلبية الطلب المتزايد على خدماتها، خاصةً مع إغلاق المتاجر، والبحث عن قنواتٍ بديلةٍ لتصريف مختلف السلع والمنتجات. كما تزايد استخدام خدمات الرسائل الخاصة ومكالمات الفيديو عبر موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”. كما أكدت شركة “مايكروسوفت” تزايد الإقبال على خدماتها.

ومع تزايد الاعتماد على العمل والدراسة عن بعد، زاد الاعتماد بالتبعية على الخدمات المقدمة من كبرى الشركات التكنولوجية، واعتمد كثيرون على مواقع التجارة الإلكترونية. كما تزايد الاعتماد على “نتفلكس” و”أمازون برايم فيديو” و”يوتيوب” مع إغلاق دور السينما. وتجلت مزايا الحوسبة السحابية التي يُقدمها كلٌ من “جوجل” و”أمازون” و”مايكروسوفت”، لا سيما للشركات التي تعتمد على بنيةٍ تحتيةٍ معلوماتيةٍ داخليةٍ. كما استعادت عشرات المصانع التكنولوجية المغلقة نشاطها مرةً أخرى.

على سبيل المثال، انضم نحو 39.6 مليون مشترك إلى حزمة Office 365 لتطبيقات الإنتاجية، بزيادة بلغت 16% عن عام 2019. ويَضم تطبيق التواصل Teams أكثر من 75 مليون مستخدم نشط. كما جَنت “مايكروسوفت” مزيدًا من الإيرادات نتيجة تفضيل العملاء التجاريين حزمة E5 التي تضمنت ميزات أمانٍ إضافيةٍ. وشهدت المنتجات السحابية مثل Teams وAzure زيادةً في الاستخدام، حيث تحول العملاء إلى العمل والتعلم من المنزل.

وبالتوازي مع ذلك، ازدهرت بعض القطاعات والصناعات، لا سيما تلك التي تتمتع بوجودٍ قويٍّ على شبكة الإنترنت، وتملك قدراتٍ كبيرةً على صعيد التجارة الإلكترونية. فقد شهدت منصات التسوق على الإنترنت من الشركة إلى المستهلك B2C تزايدًا حادًا في نشاطها. وتُعد “أمازون” على المستوى الدولي و”سوق دوت كوم” Souq.com، وغيره على المستوى الإقليمي أبرز الأمثلة على ذلك.

وإجمالًا، انعكس هذا الرواج على أرباح هذه الشركات التي حققت مستويات إغلاقٍ قياسيةٍ؛ ففي مايو الماضي -على سبيل المثال- حققت 10 شركاتٍ عالمية كبرى مُتخصصة في التكنولوجيا والتجارة الإلكترونية والترفيه (ومن بينها: “أمازون”، و”آبل” و”فيسبوك”، و”مايكروسوفت”) أرباحًا هائلةً قُدّرت بنحو 975 مليار دولار، لترتفع قيمتها السوقية من 5.8 تريليونات دولار في نهاية 2019 إلى 6.78 تريليونات دولار بنهاية مايو الماضي. وتصدّرت شركة “أمازون” لتصل قيمتها السوقية إلى 293.7 مليار دولا. كما ارتفعت القيمة السوقية لشركة “إنفيديا” Nvidia (المتخصصة في معالجات الرسومات وبطاقات العرض المرئي) إلى 222.1 مليار دولار.

وجنبًا إلى جنب مع الشركات الكبرى، شهدت بعض الشركات الناشئة المتخصصة في مجال تكنولوجيا الرعاية الصحية إقبالًا متزايدًا (لا سيما تلك التي تقدم خدمات: التشخيص عن بعد، ورعاية المسنين، والكشف عن الأمراض والوقاية منها). وبجانب ذلك، شهدت الشركات التي تُقدم خدمات “الفيديو كونفرنس” والاجتماعات عن بعد، مثل “دينغ توك” Dingtalk، و”زووم” Zoom، تزايدًا مضطردًا في أعداد مستخدميها.

سياسات توسعية

تمتلك الشركات التكنولوجية العملاقة الأدوات والموارد المالية التي تخولها التوسع والاستحواذ على غيرها من الشركات الصغرى، لا سيما تلك التي مُنيت بخسائر متلاحقةٍ في ظل أزمة كورونا، وذلك في اتجاهٍ معاكسٍ للتحذيرات المتكررة من تحول هذه الشركات إلى كياناتٍ محتكرةٍ تُعمّق الفجوة بينها وبين الشركات الصغيرة إلى حد “التهام” الأخيرة. وبعبارةٍ أخرى، بدأت الشركات التكنولوجية الكبرى في “اقتناص” صفقاتٍ تُعَدّ هي الأسرع منذ سنواتٍ عدةٍ، وذلك في إطار أنشطة دمجٍ واستحواذٍ واسعة النطاق.

في هذا السياق، أعلنت شركات “آبل” و”أمازون” و”فيسبوك” و”مايكروسوفت” و”ألفابت” عن حوالي 9-10 صفقات خلال العام الجاري، وذلك في أسرع صفقاتٍ لها منذ عام 2015. وهو ما يُمكن فهمه في ضوء السيولة التي تمتلكها تلك الشركات والتي قُدّرت بما يقرب من 560 مليار دولار في الربع الأول من العام الجاري. في هذا السياق، حذّر عددٌ من المراقبين من تداعيات ذلك -بجانب السندات المتداولة في الأسواق- على الممارسات الاحتكارية، خاصة في صناعاتٍ كالحوسبة السحابية. ففي مايو الماضي، أعلنت “فيسبوك” عن خطتها لشراء حصةٍ بقيمة 5.7 مليارات دولار من “ريليانس جيو” Reliance Jio مشغل الاتصالات الهندية ومقدم الخدمات الرقمية. وفي الشهر نفسه، تكبدت “فيسبوك” نحو 400 مليون دولار للاستحواذ على خدمة “غيفي” للصور المتحركة (المعروفة باسم “جي آي إف” – GIF)، ودمجها مع “إنستغرام” و”واتساب” و”ماسنجر”. ومن الجدير بالذكر أنّ أرباح تلك الخدمة بلغت 19 مليون دولار قبل عملية الاستحواذ. كما دخلت شركة “أمازون” في محادثاتٍ متقدمةٍ لشراء شركة “زوكس” لتكنولوجيا السيارات ذاتية القيادة. إذ تهدف الشركات التكنولوجية العملاقة إلى الاستحواذ على شركاتٍ ناشئةٍ صغيرةٍ في مختلف المجالات، بدءًا من الألعاب وصولًا إلى الحوسبة السحابية، وهي المجالات التي يُتوقع أن تُحقق أرباحًا كبرى لمن يمتلكها في ظل أزمة “كورونا”. ومن الجدير بالذكر أنّ الشركات التكنولوجية الأمريكية الكبرى عزفت -خلال الأزمة المالية العالمية- عن تنفيذ صفقات دمجٍ واستحواذٍ عقب تراجع سوق الأسهم. بيد أنّ الفارق بين تلك الأزمة من ناحيةٍ وأزمة كورونا من ناحيةٍ أخرى يكمن في امتلاك الشركات التكنولوجية سيولةً قُدرت بمئات المليارات من الدولارات في ظل الأزمة الأخيرة.

دلالات مهمة

على الرغم من الانكماش الاقتصادي العالمي، يستفيد عمالقة التكنولوجيا -وحفنة من الشركات متوسطة الحجم- من العادات الاستهلاكية الجديدة التي بدأت خلال عمليات الإغلاق التي يعتقد المحللون أنها ستتحول إلى تحولاتٍ طويلة الأجل في كيفية تسوق الناس وعملهم. ومع استمرار ذلك الانكماش، وتراجع الشركات الناشئة، قد تكون الشركات العملاقة هي الوحيدة القادرة على توظيف مزيدٍ من العمالة على النقيض من بعض الشركات التي اضطرت إلى الاستغناء عن نصف موظفيها.

وبالنظر إلى شركة “فيسبوك” تحديدًا، يمكن القول إنها تشهد طفرةً كبرى وصفها البعض بـ”لحظة الخلاص” بالنظر إلى جهودها في مكافحة فيروس كورونا، والتأكيد على سلامة المستخدمين، ودعم جهود منظمة الصحة العالمية، وتمكين إدارات الصحة من تتبع المرضى والمصابين بالفيروس، لتتمكن بذلك من تجاوز عددٍ من الفضائح التي لحقت بها، مثل كامبريدج أنلاتيكا، وغيرها. كما أطلق المديرون التنفيذيون في “أمازون” حملةً إعلاميةً، روّجوا فيها لدور الشركة في توريد السلع المهمة للمستهلكين، وثورة التوظيف التي تقوم بها بعد أن أعلنت عن أكثر من 175 ألف وظيفة جديدة في المستودعات والتسليم، وإن كان معظمها وظائف منخفضة الأجر. كما تَقوم الشركة علنًا بتوظيف العمال الذين تم تسريحهم من صناعاتٍ أخرى.

ولا يعني ما سبق أن الشركات التكنولوجية العملاقة لم تكن بمنأى عن الآثار السلبية لفيروس كورونا؛ فلا شك في تكبدها ملايين الدولارات، خاصة في بداية الأزمة في ظل اعتمادها على الصين، بجانب تأخر إطلاق عددٍ من هواتفها الذكية بسبب تأثر سلاسل التوريد، وتأخر عددٍ كبيرٍ من الشحنات التجارية. كما تراجعت مبيعات الهواتف الذكية في الصين بنسبةٍ وصلت إلى 50٪ في الربع الأول من العام الجاري بسبب إغلاق متاجر البيع بالتجزئة لفترةٍ طويلةٍ، وتراجع مشروعات شبكات الجيل الخامس. كما فقدت الشركات التكنولوجية الكبرى والصغيرة منذ بدء فيروس كورونا ما يزيد على 40 ألف وظيفة.

وبجانب الآثار السابقة، تُعاني الشركات التكنولوجية من جملةٍ من التحديات جرّاء الارتفاع الحادّ في عدد مستخدمي التطبيقات والمنصات الإلكترونية الذي قد يُسفر بدوره عن تعطّل الخوادم. لذا، ينبغي على الشركات تقييم الأثر الناجم عن الارتفاع المفاجئ في أعداد المستخدمين، بالإضافة إلى تقييم قدراتها على التعامل مع العمليات المتعددة التي تجري على منصاتها، وتحديث وظائف الدعم لتلبية هذا الطلب. ولا بدّ من وضع خططٍ للتعافي من الكوارث من أجل ضمان الاستجابة الفوريّة.

تداعيات محتملة

قد تتمكن الشركات التكنولوجية العملاقة من بسط سيطرتها، وتعزيز قوتها، وتجاوز العقبات الراهنة لتتحول إلى قوةٍ غير محدودةٍ دون رقابةٍ مسبقةٍ أو عواقبٍ فعليةٍ، وهو ما يمكن فهمه بالنظر إلى سيطرتها على البيانات، والأتمتة، والروبوتات، والذكاء الاصطناعي، والإعلان، بل والبيع بالتجزئة. بعبارةٍ أخرى، يمنح الوباء العالمي قوى وادي السليكون فرصةً لن تتكرر لتوسيع سلطاتهم وسحق منافسيهم وتغيير دورهم، بعد أن خاضوا عددًا من التحقيقات الاتحادية، والدعوات المناهضة للاحتكار، والدعوات المناهضة لاتساع نفوذهم، وهي الأمور التي شككت بدورها في عدم كفاية القوانين التي تنطبق عليهم.

وقد تُواجه الشركات التكنولوجية العملاقة دعواتٍ قضائيةً ضد ممارساتها الاحتكارية؛ فقد أشار البعض إلى تعمدها تنفيذ مزيدٍ من صفقات الاستحواذ في ظل تفشي فيروس كورونا. وهو ما دفع “هيئة التجارة الفيدرالية Federal Trade Commission لمراجعة بعض صفقات الاستحواذ التي نفذتها الشركات التكنولوجية الخمس الكبرى منذ عام 2010. كما اقترح مشرعون في الكونجرس الأمريكي فرض قيودٍ على تنفيذ الصفقات الاستحواذية خلال الأزمات، خاصةٍ من جانب الشركات التي تزيد إيراداتها السنوية على 100 مليون دولار. ولا شك في تباطؤ وتيرة تلك الدعوات والتحقيقات ضد هذه الشركات، بعد أن اضطر المشرعون والمحامون إلى العمل من منازلهم.

ويقود ما سبق بدوره إلى تركيز بيانات المستخدمين في حفنةٍ من الشركات التكنولوجية التي يصعب مساءلتها إلى حدٍّ بعيدٍ من قبل مستخدميها، ناهيك عن صعوبة السيطرة عليها من قبل الحكومات المنتخبة. ولذا، يخشى البعض من توحشها في أعقاب انتهاء الأزمة. فقد لاقت الجهود الرامية إلى كبح جماح تلك الشركات زخمًا كبيرًا قبل تفشي الوباء، ولكن يصعب استكمال تلك الجهود عندما تتزايد الحاجة إلى البناء لا الهدم.

فقد أطلقت وزارة العدل ولجنة التجارة الاتحادية تحقيقاتٍ في الممارسات الاحتكارية بحق كلٍّ من “أبل” و”أمازون” و”فيسبوك” و”جوجل”. كما أُجريت تحقيقاتٌ واسعة النطاق في الممارسات التجارية لـ”جوجل” و”فيسبوك”. وفي العام الماضي، فرضت لجنة الممارسات التجارية أكبر غرامةٍ ضد “فيسبوك” لانتهاكها خصوصية المستخدم، لكن على خلفية فيروس كورونا، تتباطأ التحقيقات الفيدرالية كافّةً على المدى القصير بعد تزايد الاعتماد على خدمات الشركات التكنولوجية العملاقة.

ختامًا، يمكن القول إن الشركات العملاقة تحولت إلى مصدرٍ رئيس لعددٍ من الخدمات، واستكملت خططها التوسعية، وقدّمت جملةً من الأدوات ذات القيمة المضافة لتلبية احتياجات عملائها على النحو الأمثل، وهو ما دفع في مجمله عددًا من المحللين إلى الجزم بقدرتها على تحمل الركود الاقتصادي العالمي المحتمل. ومع انهيار عددٍ من الشركات الناشئة، وتخلي أكثر من 250 شركة ناشئة بالفعل عن أكثر من 30 ألف وظيفة منذ 11 مارس الماضي، يتزايد توسع عمالقة التكنولوجيا، لا سيما في ظل قدرتها على التكيف مع زيادة الطلب على منتجاتها، وإن تراجعت في المقابل أرباحها من الإعلانات، خاصةٍ الناتجة عن صناعات السفر، والترفيه، والبيع بالتجزئة.

 

المصدر: المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر