مركز سمت للدراسات السِّباق العالمي حول “السيادة الصحية”: الأهداف والتحديات | مركز سمت للدراسات

السِّباق العالمي حول “السيادة الصحية”: الأهداف والتحديات

التاريخ والوقت : الأحد, 30 مايو 2021

أحمد نظيف

 

فَرضَت جائحة كورونا، التي يواجهها العالم منذ أكثر من عام، على النظام العالمي إعادة النظر في آليات اشتغال وتنظيم القطاع الصحي، باعتبار الصحة مشتركاً إنسانياً لا يمكن التعاطي معه بمنطق السياسات الوطنية الضيقة، لكن في المقابل سَرَّعت الجائحة من نسق السباق الدولي لتعزيز ما أصبح يعرف بــ ”السيادة الصحية”؛ ليتحول القطاع الصحي من خدمة عامة إلى أحد مكونات الأمن الاستراتيجي، حيث بدا مجالاً للتسابق وحتى الصراع الجيوسياسي الدولي، شأنه شأن بقية السياسات الدفاعية.

تحاول هذه الورقة تحليل هذا الصراع الدولي حول السيادة الصحية، وقبل ذلك إيجاد تعريفات واضحة لمفهوم السيادة الصحية أو الأمن الصحي ومكوناته، وإبراز أهم التحديات المستقبلية التي تواجه الدول والكيانات الدولية لتحقيق هذه السيادة.

السيادة الصحية وجدل التعّريف

دخل مصطلح “الأمن الصحي” أو “السيادة الصحية”، حيز التداول الدولي رسمياً منذ العام 1994، في أعقاب نشر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تقريره للتنمية البشرية، حيث أشار لأول مرة إلى هذا المفهوم، وقدَّم هذا التقرير تعريفاً شاملاً للأمن البشري، يُغطي فئات رئيسة هي: الأمن الاقتصادي، والغذائي، والصحي، والبيئي، والشخصي، والمجتمعي، والسياسي. وكان هذا أول ربط للأمن الصحي بالأمن البشري.

وخلال السنوات الأخيرة أصبح شائعاً استعمال مصطلحات “السيادة الصحية” و”الأمن الصحي” في التقارير الأممية والدولية، ومع ذلك، هناك تعريفات مختلفة وغير متوافقة، وصياغة غير مكتملة لمفهوم الأمن الصحي في المصطلحات التشغيلية للصحة العامة، وعدم تفريق بين مفهوم الأمن الصحي والرعاية الصحية الأولية المجتمعية. لكن الأهم من ذلك، وجود اختلافات كبيرة في فهم المفهوم واستخدامه في بيئات مختلفة. فيما يؤكد صانعو السياسات في البلدان الصناعية الكبرى استعمالهم لهذا المفهوم على حماية سكانها، خاصة من التهديدات الخارجية، مثل الإرهاب والأوبئة؛ فإن العاملين في مجال الصحة وصُنَّاع السياسات في البلدان النامية وداخل منظومة الأمم المتحدة يستعملون المصطلح في سياق الصحة العامة الأوسع.

وعلى الرغم من انتشار هذا المفهوم على نطاق واسع، فإن تعريفه ونطاقه لم يتطورا بشكل جيد، إذ لم يستقر تعريفه بعد، لاختلاف منطلقات الجهات الحكومية أو الدولية التي تضع هذه التعريفات. فإن كانت منظمة الصحة، وهي إحدى الوكالات المتخصصة التابعة لمنظومة الأمم المتحدة، تُعرِّف “الأمن الصحي العالمي” بأنه “الأنشطة المطلوبة، الاستباقية والتفاعلية على حدٍّ سواء، للتقليل إلى أدنى حدّ من التعرُّض لأحداث حادة يمكن أن تُعرِّض الصحة الجماعية للسكان الذين يعيشون عبر المناطق الجغرافية والحدود الدولية، للخطر”، فإن الكيانات الاقتصادية والسياسية الكبرى في العالم كالاتحاد الأوروبي والصين والولايات المتحدة تضع مجالات الدفاع البيولوجي والكيميائي والإرهاب ضمن تعريفها “للسيادة الصحية”، وبذلك يصبح القطاع الصحي في سياسات هذه الدول جزءاً من برنامج الأمن القومي.

ويبدو أن هذا التوجه لدى القوى الدولية الصناعية لربط القطاع الصحي بالمجال الدفاعي لم يأتِ من فراغ، بل فرضه سياق سياسي برز في تسعينيات القرن الماضي. فقد أدى الهجوم بغاز السارين عام 1995 في نظام مترو أنفاق طوكيو من قبل جماعة أوم شينريكيو الإرهابية، وإرسال جراثيم الجمرة الخبيثة في عام 2001 عبر النظام البريدي الأمريكي، إلى توعية صانعي السياسات في البلدان الصناعية بتعرُّض سكانها للأسلحة الكيميائية والبيولوجية. والأهم من ذلك، أدَّى إلى تقارب برامج الدفاع البيولوجي الوطنية مع أنشطة مكافحة الأمراض الخطيرة الناشئة والمعدية، ليصبح القطاع الصحي تالياً رديفاً للأمن الاستراتيجي القومي، حيث شهدنا منذ بداية القرن الحالي طرح سياسات صحية جديدة وغير مألوفة “كالصحة العامة لمحاربة الإرهاب” في الولايات المتحدة عام 2004.

وتُعزز العولمة مسار جنوح هذه القوى الصناعية إلى اعتبار “السيادة الصحية” جزءاً من منظومة الأمن القومي والدولي، حيث تساعد العولمة الأمراض الوبائية على الانتشار السريع، فيما يغطي تأثير هذه التهديدات الوبائية طائفة واسعة من الانقسامات التي تتجاوز قضايا الصحة العامة، بما في ذلك التجارة والسياحة والزراعة والنقل والبيع بالتجزئة. فعلى سبيل المثال، أدى تفشي مرض الالتهاب الرئوي الحاد (سارس) في عام 2003 إلى انخفاض ثقة المستهلك بدرجة هائلة، والذي انعكس من خلال انخفاض واضح في الطلب على الخدمات. لذلك، وعلى مدى العقد الماضي، أدرك واضعو السياسات والعاملون الصحيون بشكل متزايد التأثيرات الضارة للأزمات الصحية على المصالح الوطنية والإقليمية وحتى العالمية.

والجدير بالملاحظة أن الأبحاث الطبية والدوائية كانت إحدى أهم مجالات السباق العلمي الذي ساد لعقود بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي خلال حقبة الحرب الباردة (1947-1990)، وإن لم يكن في ذلك الوقت قد تبلور مفهوم السيادة الصحية، بيد أن المعسكرين الشرقي والغربي كانا يدمجان المصالح الصحية ضمن المصالح الأمنية والعسكرية الاستراتيجية منذ وقت مبكر.

مجالات السيادة الصحية ومكوناتها

على الرغم من اختلاف التعريفات لمفهوم السيادة الصحية، إلا أن هناك توافقاً في تحديد المجالات الرئيسة التي تستهدفها هذه السياسات السيادية الصحية، أي المجالات التي يشملها الأمن الصحي دولياً وإقليمياً ووطنياً، والتي يمكن حصرها في أربعة مجالات رئيسة:

  1. الأمراض المستجدة المُعْدية: وهي الأمراض الناشئة التي تظهر لدى السكان لأول مرة، أو التي ربما كانت موجودة سابقاً لكن وقوعها أو مداها الجغرافي يتزايد بسرعة، مُتسبِّبة بتداعيات اقتصادية تتجاوز تكاليفها الصحية الفورية؛ إذ قد تعيق التجارة والسفر أو تُسبِّب حالة ذعر عامة، ومثالها الأبرز ما نعيشه اليوم من جائحة كورونا، وقبلها فيروس سارس وإنفلونزا الطيور. كما تعتبر الكائنات الدقيقة المقاومة للأدوية، والعدوى اللائية، والملاريا، والتهاب السحايا، والأمراض المنقولة جنسياً شواغل صحية رئيسة اليوم.
  2. الحوادث الكيميائية والمخاطر الإشعاعية: تعتبر التهديدات الكيميائية والإشعاعية أحد أبرز المخاطر التي يواجهها الأمن الصحي العالمي، سواء في مناطق النزاع أو في نطاق الحوادث التي تتعرض لها محطات إنتاج الطاقة النووية، كما حدث في مفاعل تشرنوبيل السوفيتي عام 1986. وكذلك الغازات السامة التي يمكن أن تستعملها منظمات إرهابية أو جيوش نظامية خلال الحروب، ومن بينها: الكلور، وسيانيد الهيدروجين، وغاز الخردل، وغاز الأعصاب. وكذلك إتلاف النفايات البتروكيماوية بشكل عشوائي يمكن أن يؤدي إلى كوارث طبيعية وبشرية.
  3. العنف والنزاعات وحالات الطوارئ الإنسانية: تشكل الحروب والهجمات الإرهابية وكوارث الطبيعة (فيضانات، زلازل، براكين…) والتغيُّر المناخي، إحدى أهم التهديدات للصحة العالمية، وإحدى أهم الروابط بين الأمن الصحي والأمن البشري والأجندات السياسية للدول والكيانات الصناعية الكبرى. فقد أحدثَ زلزالٌ قوته 9 درجات ضرب الساحل الشرقي لليابان في 11 مارس 2011، أمواج تسونامي ألحقت أضراراً بالغة بالمناطق الساحلية، وأسفرت عن مقتل 15891 شخصاً، وفقدان 2579 شخصاً، وتسبَّب في حصول تسرُّب إشعاعي في محطة فوكوشيما داييتشي لتوليد الطاقة النووية، صُنِّف في الدرجة السابعة حسب المقياس الدولي لتصنيف الأحداث النووية.
  4. انعدام الأمن الغذائي: يعتبر انعدام الأمن الغذائي أحد أخطر المشاكل في قطاع الصحة العامة، حيث تواجه الدول منخفضة الدخل مخاطر الجوع وسوء التغذية واضطرابات الأكل والأمراض المزمنة غير المعدية وفقر الدم. وفي الماضي، كانت الشواغل تتعلق في المقام الأول بمشاكل تتعلق بالحصول على الغذاء، ونقص الإمدادات، والجوع، ونوعية خدمات الصرف الصحي، وهي قضايا ترجع أساساً إلى سوء توزيع الأغذية ونقص القوة الشرائية، غير أن التركيز الأساسي للأمن الغذائي ينصب حالياً على عامل الصحة، أي على نوعية الغذاء في حد ذاته. فيما تنصب اهتمامات الدول الغنية الصناعية على مسألة الإستدامة، لذلك نجد سباقاً في السنوات الأخيرة حول قطاع البذور والغذاء والمصارف الجينية، باعتبارها مجالاً استراتيجياً يتعلق بالأمن القومي.

في المقابل، يحتاج صانعو سياسات السيادة الصحية لمجابهة هذه التحديات إلى بناء أربع مكونات رئيسة، وهي:

  1. أنظمة الإنذار المبكر، وذلك للسيطرة على التهديدات الخطيرة للصحة الوطنية والعابرة للحدود، بما في ذلك الأمراض المعدية.
  2. مرونة سلاسل التوريد، إذ يجب أن تكون سلاسل توريد الأجهزة والمواد الطبية والأدوية، وكل ما تحتاجه البنية التحتية الصحية، مرنة ومتدفقة ولها بدائل مستقلة عن تحكم قوى أو كيانات أخرى لضمان الاستقلالية.
  3. البنية التحتية العلمية، من خلال برامج البحث العلمي والتطوير الطبي في مجال الصناعات الصحية والدوائية.
  4. الأمن السيبراني والتكنولوجي عبر برامج وسياسات لحماية البيانات الطبية والصحية والعلمية.

السيادة الصحية والصراع الدولي الراهن

فرضت جائحة كورونا على الحكومات، وخاصة في الدول الصناعية الكبرى، وضع القطاع الصحي على رأس أجندتها للأمن القومي، إذ بدا واضحاً أن العالم لم يكن مستعداً بشكل كافٍ لمواجهة وباء مستجد وواسع النطاق كما حدث في بداية العام 2020 مع كوفيد-19، وبدا أكثر وضوحاً أن غياب السيادة يمكن أن يُعرِّض الاقتصاد العالمي وسلاسل التوريد إلى الشلل التام. والأمن الصحي، حاله حال العديد من المجالات الأخرى في السياسة الدولية، مجالٌ تعاونيٌّ وتنافسيٌّ في الآن نفسه، وفي هذا السياق برز العديد من المبادرات التضامنية لمواجهة الوباء الذي يهدد البشرية دون تمييز، وفي الوقت نفسه برز العديد من المؤشرات على التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى التقليدية (الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، والاتحاد الأوروبي) لتعزيز “سيادتها الصحية” من أجل تحقيق مكاسب استراتيجية. وقد بدا ذلك من خلال:

دخول العالم منذ الأيام الأولى للجائحة في صراع محموم حول الأقنعة ومواد التعقيم وصل حد الاستيلاء عليها بين الدول، وكذلك أجهزة التنفس الصناعي، حيث نجحت الدول التي تمتلك بنية تحتية صناعية في هذا القطاع، وعلى رأسها الصين وألمانيا، في توسيع أسواقها وتحقيق مكاسب مالية، وكذلك مكاسب استراتيجية ناعمة عبر حزم الدعم والمساعدات. لكن هذا التنافس كشف عن ضعف التضامن الدولي في ظل الجائحة، والأهم عن تحول قطاع الصناعات الصحية إلى أحد أدوات السياسة الخارجية.

سباق البحث عن لقاحات وعلاجات لفيروس كورونا، والذي دخلت فيه عشرات الفرق البحثية حول العالم تنتمي أساساً للقوى الأربعة التقليدية المتنافسة من أجل تحقيق سبق علمي لمواجهة الوباء، وبالتالي الظفر بمكاسب استراتيجية ومالية كبيرة. وقد بدا أن سباق البحث عن التلقيح أخذ بُعداً صراعياً، حيث لم يكن هناك أي تنسيق بين المختبرات المتنافسة، كما نزلت الحكومات بثقلها المالي والسياسي لدعم هذه المختبرات، ما يوحي بأن البحث عن التلقيح ليس مجرد مسألة صحية بقدر ما تتعلق بالأمن القومي، حتى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حرص على إعلان أن بلاده أصبحت أول دولة في العالم تُعطي موافقتها للقاح لفيروس كورونا بعد اختباره على بشر أمام وسائل الإعلام في أغسطس 2020. فيما حاولت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب استمالة مختبر ألماني للحصول حصرياً على لقاح ضد الوباء.

حرب السَّرديات العلمية، حيث شهدنا في أعقاب طرح اللقاحات المختلفة نوع من حرب السَّرديات بين روسيا والصين من جهة والقوى الغربية من جهة أخرى، إذ برز العديد من التشكيكات الغربية في مدى نجاعة اللقاحات القادمة من موسكو وبكين، نفتها لاحقاً دراسات علمية رصينة، لكن هذا التشكيك ألقى بضلاله في البداية على انتشار هذه اللقاحات، خاصة في الدولة الأوروبية.

دبلوماسية اللقاحات، والتي نجحت من خلالها الصين وروسيا في توسيع دائرة نفوذهما الاستراتيجي في الدول ذات الدخل المنخفض من خلال صفقات ميسرة ومساعدات، في حين كانت الولايات المتحدة وأوروبا غارقتين في تطويق الأزمة الصحية بشكل انكفائي تسبَّب في خسارتهما الكثير من النفوذ والمصداقية.

وفي سياقٍ جيوسياسي شديد التنافسية تحاول القوى الدولية التقليدية بذل جهود لحماية السيادة الصحية. لقد سلَّطت أزمة الوباء الضوء على الانقسامات القائمة في السياسة العالمية وفاقمتها. وعلى وجه الخصوص، كان الصراع الأبرز خلال الأزمة بين الولايات المتحدة والصين، ويبدو أن أزمة الوباء فاقمت صراعهما التجاري والعسكري بشكل كبير، بينما تعمل روسيا بحدية أقل في مواجهة الولايات المتحدة، حيث تحاول ترميم نفوذها القديم في أوروبا الشرقية والبلقان والقارة الأفريقية، وحتى في بعض دول الاتحاد الأوروبي من خلال إمدادات لقاح سبوتنيك 5 وتعزيز سيادتها الصحية بحزمة برامج بحثية، حيث قدمت لدول إفريقيا الغربية حلاً لمعضلة وباء إيبولا بعد أن طرحت في العام 2019 لقاحاً لعلاج حمى الإيبولا، والذي أظهر فعالية بنسبة 100% خلال الاختبارات.

في مقابل هذا التنافس الثلاثي (الروسي-الصيني-الأمريكي)، يُعاني الاتحاد الأوروبي من مشاكل هيكلية في سيادته الصحية، بدت واضحة خلال الأزمة الصحية الأخيرة، حيث أثر فيروس كورونا على الدول الأعضاء في الاتحاد بطرق مختلفة، وبدرجات متفاوتة بسبب الاختلافات في أنظمة الرعاية الصحية، والنُّهُج المختلفة للاحتواء عبر الدول الأعضاء، الأمر الذي كشف عن ضعفٍ فادحٍ في السياسات الأوروبية الصحية الاتحادية، لكن جميع دول الاتحاد تقريباً وجدت أن صحتها العامة تعتمد، أكثر مما يجب، على سلع أو خدمات قادمة من بلدان ثالثة، وأساساً الصين، من خلال سلاسل التوريد، وقوض هذا الاعتماد قدرة أوروبا على الاستجابة بشكل مستقل وسيادي للجائحة. كما كانت هيئات الاتحاد الأوروبي، التي تنسق الاستجابة وتوفر نظام إنذار مبكر بطيئة في التصرف، حيث ذهبت طلبات المساعدة من الدول الأعضاء أدراج الرياح، مما خلق مشاعر التخلي بين البلدان الأكثر تضرراً، وقد بدا ذلك واضحاً في ايطاليا خلال الموجة الأولى من الجائحة في ربيع العام 2020.

التحديات

تواجه سياسات الدول لبناء سيادة صحية مستدامة العديد من التحديات الذاتية، المتعلقة بأوضاع هذه الدول ومستوى دخلها، وأخرى موضوعية تتعلق أساساً بالصراع بين القوى الدولية التقليدية حول القطاع الصحي، باعتباره جزءاً من السياسات الخارجية والدفاعية. وأبرز هذه التحديات:

  1. التحدي الاقتصادي: تحتاج السيادة الصحية إمكانيات مادية كبيرة لبناء برامج بحثية علمية، ولتطوير بنية تحتية صناعية صحية في مجالات الأجهزة الطبية والصناعات الدوائية والمختبرات والبحث العلمي والمؤسسات الجامعية، ويبدو أن ذلك سيكون مقتصراً في الوقت الراهن على الدول الصناعية ذات الدخل المرتفع، مما سيُعمِّق من فجوة التفاوت بين الدول.
  2. التحدي التكنولوجي: في ظل احتكار التكنولوجيات والتقنيات المتطورة من طرف عدد محدود من القوى الصناعية المكرسة عالمياً، تبدو فرضية بناء سيادة صحية للكثير من دول العالم، ومن بينها الدول العربية، أمر مستبعداً في القوت الحالي بسبب الفجوة التقنية الكبيرة؛ فلابد من التوجه نحو برامج تعاون تقني مع هذه الدول لتأمين الحاجيات الأساسية.
  3. التحدي العلمي: يعتبر أبرز تحدٍ في الوقت الراهن، حيث تبدو الفجوة العلمية بين الدول الصناعية الكبرى وبقية الدول كبيرة جداً، ولا يمكن ردمها بسهولة، إذ يتطلب الأمر عملاً قاعدياً يبدأ من تطوير مناهج البحث وتطوير التعليم العالي.
  4. التحدي السياسي: تحتاج سياسات بناء السيادة الصحية إلى دولة مركزية قوية، لديها رؤية استراتيجية واضحة وتقدمية، حيث تُبرِز التجارب المقارنة التخلف الأوروبي أمام التقدم الصيني والروسي والأمريكي، بسبب غياب السلطة المركزية في الاتحاد الأوروبي، وصعود النزعات الوطنية الضيقة. إذ تساعد مركزية القرار السياسي في تحسين أنظمة الإنذار المبكر، ومرونة سلسلة التوريد، والبحث والتطوير الطبي، والأمن السيبراني والتكنولوجيا، وتُعزز بشكل حاسم إدارة حالات الطوارئ الصحية العامة.

خلاصة واستنتاجات

فَرضَت جائحة كورونا على النظام العالمي إعادة النظر في آليات اشتغال وتنظيم القطاع الصحي، باعتبار الصحة مُشْتركاً إنسانياً لا يمكن التعاطي معه بمنطق السياسات الوطنية الضيقة، لكن في المقابل سرَّعت الجائحة من وتيرة السباق الدولي لتعزيز ما أصبح يُعرَف بــ ”السيادة الصحية”.

خلال السنوات الأخيرة أصبح شائعاً استعمال مصطلحات “السيادة الصحية” و”الأمن الصحي” في التقارير الأممية والدولية، ومع ذلك، هناك اختلافات كبيرة في فهم واستخدام المفهوم في بيئات مختلفة. وعلى الرغم من اختلاف التعريفات، إلا أنه يوجد توافق في تحديد المجالات الرئيسة التي تستهدفها هذه السياسات السيادية، وهي: الأمراض المستجدة المعدية، والحوادث الكيميائية، والمخاطر الإشعاعية، والعنف والنزاعات، وحالات الطوارئ الإنسانية، وانعدام الأمن الغذائي.

يحتاج صانعو سياسات السيادة الصحية لمجابهة هذه التحديات إلى بناء أربع مكونات رئيسة، وهي: أنظمة الإنذار المبكر، وسلاسل التوريد المرنة، والبنية التحتية العلمية اللازمة من خلال برامج البحث العلمي والتطوير الطبي، والأمن السيبراني والتكنولوجي عبر برامج وسياسات لحماية البيانات الطبية والصحية والعلمية.

فَرضَت الجائحة على الحكومات، وضع القطاع الصحي على رأس أجندتها للأمن القومي، حيث بدا واضحاً أن العالم لم يكن مُستعِداً بشكل كافٍ لمواجهة وباء مستجد، وأن غياب السيادة يمكن أن يُعرِّض الاقتصاد العالمي وسلاسل التوريد إلى الشلل التام، فضلاً عن تحفيزه الصراع الجيوسياسي بين القوى الكبرى التقليدية (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، الاتحاد الأوروبي) لتعزيز “سيادتها الصحية” من أجل تحقيق مكاسب استراتيجية.

الصراع الأبرز خلال أزمة الجائحة كان بين الولايات المتحدة والصين، ويبدو أنها فاقمت صراعهما التجاري والعسكري بشكل كبير، بينما تعمل روسيا بأقل حدية في مواجهة الولايات المتحدة، حيث تحاول ترميم نفوذها القديم في أوروبا الشرقية والبلقان والقارة الأفريقية وحتى بعض دول الاتحاد الأوروبي من خلال إمدادات لقاح سبوتنيك 5.

يُعاني الاتحاد الأوروبي من مشاكل هيكلية في سيادته الصحية، حيث أثر الوباء على الدول الأعضاء بطرق مختلفة وبدرجات متفاوتة بسبب الاختلافات في أنظمة الرعاية الصحية، والنُّهُج المختلفة للاحتواء عبر الدول الأعضاء، الأمر الذي كشف عن ضعف فادح في السياسات الأوروبية الصحية الاتحادية، لكن جميع دول الاتحاد تقريباً اكتشفت أن صحتها العامة تعتمد، أكثر مما يجب، على سلع أو خدمات قادمة من بلدان ثالثة، وقوض هذا الاعتماد قدرة أوروبا على الاستجابة بشكل مستقل وسيادي للجائحة.

تُواجه سياسات الدول لبناء سيادة صحية مُستدامة العديد من التحديات الذاتية والموضوعية، أبرزها: الإمكانيات المادية الضخمة، وكسر حلقة احتكار التكنولوجيا من طرف القوى التقليدية الكبرى، وصعوبة ردْم الفجوة العلمية مع الدول الصناعية، وكذلك ضعف سلطة الدولة المركزية في الكثير من المناطق.

 

المصدر: مركز الإمارات للسياسات

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر