السياسة والأعمال والأفكار: التفاوض في 2020

التاريخ والوقت : الأحد, 12 يناير 2020

غوتام شيكرمان

 

تواجه القوة والعاملون في إطارها تحديات جديدة في 2020، حيث توجد إشكاليات وتحديات تتمثل أهمها في أن أية اضطرابات تطرأ على كافة المجالات في 2010، كانت أشبه بمجرد جلسات للتدريب. فبفضل الطفرة التي طرأت على التقنيات، من المتوقع أن يشهد العقد المقبل تعقيدات أكبر. كما يتوقع أن تضرب هذه التعقيدات كل جانب من جوانب الدولة والمؤسسة والفكرة. وقد يصطدم البعض بالبحث عن مساحات مختلفة، على أن يتم دمج البعض الآخر في عمليات أخرى ذات قيمة.

وفي هذا السياق، يتمكن الكثيرون من تحديد وجهاتهم، لكن ذلك سيكون في إطار السياقات الماضية.

أمَّا على الناحية المادية، فإن قوى الشر هم أولئك الذين يرأسون البلدان والشركات والمؤسسات الدينية. ففي قائمة أفضل 10 أشخاص بمجلة “فوربس” بشأن الأقوى، نجد سبعة منهم قادة عالميين، بينما يوجد قائدان من الشركات ورئيس وزعيم واحد. وفي الهند، وهي البلد أكثر تنوعًا، تقدم مجلة “إنديان إكسبريس” The Indian Express خمسة من السياسيين، وواحدًا من كل من القضاء والشركات والمؤسسات الاجتماعية والبيروقراطية.

ويعدُّ هذا الأمر تطوعيًا بالنسبة للسياسيين وأصحاب الأيديولوجيات والأفكار. ولكن عندما تندمج الفئات الشعبية التابعة لهم في الهياكل الدستورية والمؤسسية، فإن الخطوة التالية تسعى للتعبير عن نفسها، وذلك في حال لم يتسلموا توجيهات من قادتهم.

لقد رأينا خلال العقد الماضي أربعة أنواع من حروب الأيديولوجيات، مثل: ما يسمى بـ(الربيع العربي)، وحروب سياسية (كتوحيد النموذج الصيني الذي يضفي الشرعية على السلطوية في جميع أنحاء العالم)، وحروب اجتماعية (كالاضطرابات في هونغ كونغ)، وكذا الحروب التكنولوجية (مثل الخلافات التنظيمية للشركات، والجيل الخامس للأمن). لقد كان الصراع الكبير الآخر حول أفكار مثل تغير المناخ. كما تمَّ تمكين كل شيء عن طريق التكنولوجيا المتاحة بأيدي الأفراد والجماعات.

من المتوقع أن يشهد العقد المقبل من القرن العشرين ارتفاع حدة هذه التوترات، سواء في نطاقاتها الزمنية أو كثافتها. وفي حين يتوقع أن نشهد جيلاً جديدًا من القادة، حتى لو كان ذلك الأمر مؤقتًا، كمنصات جديدة للمحادثات العالمية، فإنهم سيؤثرون على المواطنين في جميع أنحاء العالم، وهو ما سيتغذى على الأيديولوجيات، وآليات إعادة التغريد على الإنترنت، التي سيتم تشغيلها بواسطة التكنولوجيا، كما ستهاجم تلك التقنية ذاتها، بل ستتوفر الأموال اللازمة لذلك.

ونتيجة لذلك، ستواجه تلك القوى تعقيدات بالغة الصغر تنتمي إلى ذلك النوع الذي لم يتم تدريبهم عليه، ولا الآليات المؤسسية التي ستنحصر فيها. لكن يبقى السؤال: كيف ستتعامل الحكومات مع هذه التعقيدات؟ إنها تبدو كامرأة شابة تبحث عن كوكب أفضل، أو ناشطة تكشف أسرار الدولة عن المصلحة العامة، وهي أشبه بمجموعة صغيرة تحاول الحفاظ على ظهور دولة والسيطرة عليها وتوفير الأمن، دون التأثير في حدودها. حقًا إن ذلك الأمر في حاجة ماسة لمهارات جديدة للمشاركة في السلطة.

لقد ناقشنا على مدار العقد الماضي، كيف تتأثر قوة التماسك الاجتماعي بالتكنولوجيا من خلال منصات الشركات العابرة للحدود، وإمكانية تحول تلك الحدود إلى أن تبدو هشة جدًا. لقد كانت ردود الدول التي تحاول تأكيد وجودها في شكل قيود تنظيمية بالقرن العشرين، من خلال فرض حظر هنا أو غرامات هناك، مع العمل على ضمان الإفصاح الأمني فيما بينهما. إننا سنرى في عام 2020، نضج هذه الجوانب التنظيمية. فمن خلال دعم من أصوات المواطنين المستخدمين، سوف تضطر الديمقراطيات إلى إعادة التفكير في هذه الارتباطات لخدمة تطلعات جديدة للمستهلكين والشركات والبلدان.

في العقد قبل الماضي كان هناك ستة مليارات من البشر في العالم. أمَّا في العقد الذي تلاه زاد هذا العدد إلى سبعة مليارات. وقد أعطت وسائل التواصل الاجتماعي قوة لأصوات ثلثهم، وعبَّر 2.5 مليار منهم عن شعورهم بالمواطنة وثقافة البوب ​​والتوقعات السياسية من خلال هواتفهم المحمولة وأجهزة الكمبيوتر. وانطلاقًا من الراحة التي تحميها المؤسسات نفسها، والتي انطلقت من خلالها أصواتهم، هتف المتظاهرون الذين يواجهون خراطيم المياه والرصاص من عدة شاشات في جميع أنحاء العالم.

وفي العقد المقبل سيكون هناك 8.5 مليار صوت من هذا القبيل، بالإضافة إلى نسبة أكبر من ذلك بكثير، حيث سيكون نصفها تقريبًا متعاملاً بالتكنولوجيا. لقد سمحت هذه الهياكل للأفراد بإنشاء فضاءات تضم حقائق وقيمًا وثقافات وجوانب مالية خاصة بهم. وبالتالي، فإن التحدي الذي يواجه القيادات في عام 2020 سيكون ممثلاً في 4 مليارات نسمة ينتمون لبيئات مختلطة. إننا نعتقد أن الهياكل المؤسسية الموجودة غير قادرة على التعامل مع هذه القوة. والأسوأ أننا نعتقد أن القيادة الموجودة تحلق نحو المستقبل.

وما لم تكن القيادات استبدادية، فإننا نتعاطف مع أولئك الذين سيقودون السلطة في العشرينيات من القرن الماضي في الديمقراطيات. في حين أن الأنظمة الاستبدادية سوف تستمر في الهروب من معسكرات الاعتقال للأقليات، أو إخضاع المعارضة السياسية، فإن قادة الديمقراطيات سوف يتحملون عبئًا غير متناسب من هذا المستقبل المتغير. وبالتالي، كيف يمكن للديمقراطيات أن تؤثر على الخطاب من دولة إلى أخرى حتى في الوقت الذي توفر فيه الأمن والقانون والنظام والازدهار داخل حدودها الجغرافية، يتبقى علينا أن نرى، بل سنراقب ذلك بعناية.

إن خطوةً واحدةً دون قوة حقيقية تتعلق بالسلطة، ستجعل قادة الشركات في حاجة إلى إعادة التفكير في أساسيات عمل البيروقراطية المكتبية. فربَّما لا يزال عمر المدير التنفيذي القوي ضعيفًا، لكن في جوهره لن يقبل فريق من العاملين في مجال المعرفة بالقرن الحادي والعشرين، وهي مغرقة في أساليب القرن العشرين أو القرن التاسع عشر. إن كل عنصر حاسم في المحيط الأكبر من الشركات التي تقود المعرفة، ستعمل على إخضاع فكرة سلطة الشركات للتغيير في العقد المقبل، وذلك من خلال الدعم الذي تقدمه الروافد الفردية من المعرفة.

وبطبيعة الحال، بالنسبة للهياكل البيروقراطية في الحكومة، سيكون للبيروقراطية في الشركات مجال أقل للمناورة في 2020. حيث سيكون تحديد المعرفة ومكافأتها التحدي الأكبر. وسيقف هذا التحدي أمام المنتجات والخدمات باعتبارها أعمالاً تجريدية أو فنية.

قد لا يكون المدير التنفيذي هو صاحب الأعلى أجرًا، بل إن أكبر فريق ليس هو الأكثر تأثيرًا ، وإن أكبر مشروعًا ليس هو الأكثر ربحًا. فالتحدي المتمثل في اجتذاب خبراء فائقين والاحتفاظ بهم وتحويل تلك الخبرة إلى العموم الأكبر دون قمع التطلعات الفردية في ظل سياسات الموارد البشرية العامة، سوف يطارد الكيانات الكبرى.

ومن حيث النمو، ومرة أخرى، فإن نموذج القرن العشرين للحجم سوف يفسح المجال لمقياس الابتكار والملاءمة في القرن الحادي والعشرين. ونظرًا لأن الشركات الناشئة البارزة وذات التكنولوجيا الأكثر حداثة تخلق قيمة ذات سرعات غير مسبوقة، فإن بعض الأفكار مثل توفير الحجم ستقتصر بشكل متزايد على قطاع التصنيع، تاركة مجال الخدمات وأفكار المستقبل المدعومة بالتكنولوجيا لأولئك الذين لديهم القدرة على التعامل والتفاوض على هذه المعرفة. إن مجموعة من خمسين مهندسًا ستكون هي كل احتياجات التشغيل لخدمة مليار مستخدم. وذلك في الوقت الذي نجد فيه كل يومٍ اضطرابًا جديدًا ومتطورًا، إذ ستواجه الشركات المحاصرة في الماضي وقتًا عصيبًا بالتنافس مع هذه الجزر من فائض المعرفة.

ولكن حتى قيادات الشركات الناشئة ستحتاج إلى التزام اليقظة. فقد أظهر لنا عام 2010 أن كل الشركات الناشئة ذات التمويل الجيد سوف تصبح أشبه بوحيدة. ونتيجةً لذلك، سيشهد العقد المقبل دفعًا أكبر للقيادة سيحتاج إلى أن تكون أكثر مرونة، والتكيف مع التغييرات. وإذا اقتضت الضرورة، فإنها ستتخطى الطريق. وداخل تلك الكيانات الصغيرة، لن يتم قيادة كل فكرة بالمليارات عن طريق نفس القائد الذي بدأت من خلاله. فبين القفز من الفكرة إلى الإيرادات والعائدات إلى القيمة السوقية يكمن فراغ، والقيود على القدرات، ما يؤثر على شكل القيادة.

وهنا نتساءل: هل سيشهد العقد المقبل زيادة في القيادة إلى جانب العمل، أم هل سنعود إلى ما كان عليه الوضع خلال العقد الماضي، ونسمح للشركات الكبرى بالسعي لتحقيق ربح من خلال عمليات الاستحواذ؟ إن الجواب في الوقت الحالي يبدو مفتوحًا.

وفي مجال الأفكار، تكمن القوة في القدرة على تقديم تأثير طويل الأجل. لقد رأينا العديد من المؤثرين يبرزون بصورٍ كأفكار كبرى ثم تختفي فيما بعد. وللبقاء على قيد الحياة في مجتمع المعرفة، ستظل السلطة في أيدي جامعي الأفكار على المستوى المؤسسي. وبالتالي، فإن كيفية تسخير رواد الأعمال وتحويلهم إلى مجرى ثابت، وإضفاء الطابع المؤسسي عليهم في محادثات فعالة للتأثير، ستقرر مدى ملاءمتهم خلال العشرينيات.

ومن جانبهم، لن يكون للخبراء المعنيين بقطاع معين وضواغط الصور الكبيرة على حد سواء، وقت للراحة على أمجادهم. وبعد عقدٍ من الزمان، ستكون فكرة الخبرة بحد ذاتها مقياسًا دائم التطور. وسيحتاج العقد المقبل إلى خبرة عميقة وكفاءة متعددة التخصصات. ذلك أن العمل مع فرق متنوعة إنما هو ميراث عام 2010، مما يطلق العنان لتلك الفرق على الأفكار المتنوعة.

وكما في حالة الابتكارات التكنولوجية، فإن عالم الأفكار هو حقًا عالم من صناع المعنى. ذلك أن تحقيق التوازن بين تطلعات هؤلاء الأفراد، وتحويلهم إلى أصول طويلة الأجل ضمن القيود والفرص التي يوفرها الاقتصاد الجزئي، سيحدد مكان وجود القوة والتأثير. ومرة أخرى، قد تكون هذه بمنزلة معركة بين رواد الأعمال وأصحاب الحصاد، والشخص والفريق الجماعي. وبالتالي، سوف تتطلب القيادة في العقد المقبل سد هذه الفجوة المعرفية المتراكمة بالأعمدة وتحويلها إلى قوة. أما أولئك الذين يتجاهلونهم سوف يهلكون في سيل جارف من الأفكار التي ستدخل وتغير جميع أجزاء مجتمعنا، ثم يتغير معها مئات الدول وآلاف الشركات ومليارات الأكوان الفردية.

ولن يحتاج أي شخص إلى التعامل مع هذا العالم من الأفكار بقدر ما تحتاج الحكومات والشركات. وشئنا أم أبينا، فإن المعبر بين الحكومات والشركات وأصحاب المشاريع الفكرية سيكون عملة الخطاب الوطني والعالمي. ولن يكون هناك حدود فاصلة عن السير عبر هذا الطريق. وقبل كل شيء، لن يكون هناك مجال سيتم إعفاؤه. فالحكومات والشركات التي تسمح للقادة الضعفاء بإدارتها ستتعطل على جانب الطريق.

وسنشهد في العقد المقبل أولئك الذين يمكنهم تحويل الأفراد إلى مجموعات موسعة، وكذلك جلب ناقلات المعرفة على منصات الحجم، وخدمة المواطنين ذوي القدرات المتميزة من خلال سلسلة من التوقعات قصيرة الأجل المتغيرة باستمرار مع ثبات وقوة الأمة طويلة الأجل.

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: أوبزرفر ريسيرش فونديشن

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر