مركز سمت للدراسات السياسة الأميركية وإسرائيل: هل هناك تغيير؟ | مركز سمت للدراسات

السياسة الأميركية وإسرائيل: هل هناك تغيير؟

التاريخ والوقت : الجمعة, 4 يونيو 2021

شهدت الولايات المتحدة الأميركية خلال الجولة الأخيرة من الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين نقاشاً مُهماً حول التحول الذي شهده جناح اليسار في الحزب الديمقراطي من ناحية زيادة وتيرة التصريحات العلنية التي تنتقد إسرائيل، وتدعم حقوق الفلسطينيين. لكنَّ هذا النقاش لم يتناول سوى جزء من الصورة، غير أن ما هو أهم يَتمثل بحقيقة ظهور مؤشرات في أوساط التيار السائد في الحزب الديمقراطي حول وجود تحول في دعم إسرائيل. وينعكس هذا الأمر أيضاً في تَغيُّر موقف المجتمع الأميركي بشكل عام.

تقوم هذه الورقة أولاً بتحليل الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي، ومن ثم تقييم الديناميات الأوسع في وسط السياسة والمجتمع الأميركي.

جناح اليسار في الحزب الديمقراطي وإسرائيل

لفتت شخصيات سياسية أميركية، مثل النائب في الكونغرس ألكساندرا أوكاسيو-كورتيز، الانتباهَ بعد أن اتهمت إسرائيل بارتكاب انتهاكات جسيمة في مجال حقوق الإنسان بحق الفلسطينيين، وإدارة “دولة فصل عنصري”. كما أحرجت رشيدة طليب، العضو الوحيد في الكونجرس من أصول فلسطينية، الرئيس الأميركي بايدن خلال الزيارة التي أجراها في 18 مايو 2021 إلى الولاية التي تمثلها طليب (مشيجان)، حيث أعربت عن رأيها بضرورة فعل المزيد لمنع إسرائيل من قصف غزة.

كما يمكن إضافة السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز ومقاله في صحيفة “نيويورك تايمز” إلى القائمة نفسها، حيث سلط ساندرز الضوءَ على ملايين الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الحصار والاحتلال، وأنحى باللائمة على غوغاء المتشددين اليهود في القدس بتصعيد التوتر، إضافة إلى محاولات إسرائيل القانونية لإخلاء عائلات فلسطينية مقيمة في حي الشيخ جراح في مدينة القدس بالقوة. وقال ساندزر “لكنَّ أياً من هذا لا يبرر الهجمات من جانب حركة “حماس” والتي مَثَّلَتْ محاولة لاستغلال الاضطرابات في القدس، أو إخفاقات السلطة الفلسطينية الفاسدة وغير الفاعلة والتي عمدت مؤخراً إلى تأجيل الانتخابات التي طال انتظارها”، مضيفاً “لكنَّ حقيقة الأمر تَتَمَثَّل بأن إسرائيل تظل السلطة السيادية الوحيدة في الأراضي الإسرائيلية والفلسطينية، والتي تقوم بدلاً من الاستعداد للسلام والعدالة بإحكام قبضتها غير العادلة وغير الديمقراطية. يجب علينا الاعتراف بأن حقوق وأرواح الفلسطينيين مهمة”.

ويمكن للمرء التقليل من شأن هذه الآراء بحجة أنها تُمَثِّلُ فقط جناح اليسار في الحزب الديمقراطي، لكن الحقيقة التي لم يحظَ بكثير من الاهتمام هي وجود تحول أيضاً في أوساط التيار السائد في الحزب الديمقراطي، والأهم من ذلك كله الرأي العام الأميركي أيضاً. ويبدو أن هناك اتجاهين متضاربين؛ فمن جهة ما زالت الولايات المتحدة مستقطَبة للغاية بين اليسار التقدمي واليمين المتطرف الذي ما زال يعيش في عهد الرئيس السابق ترمب. وتتحرك السياسة الأميركية، وبخاصة التيار السائد في الحزب الديمقراطي، بشكل متزايد نحو اليسار في عهد ما بعد ترمب. ومن جهة أخرى تسير السياسة الإسرائيلية بشكل متزايد نحو اليمين بسبب الديناميات الديمغرافية والدينية على ضوء زيادة عدد اليهود الأرثوذكس “حريديم”. وفي حال تحرك الاتجاهات الراهنة في إسرائيل نحو اليمين أكثر، واستمرار الاستقطاب السياسي في الولايات المتحدة بين الديمقراطيين والجمهوريين فإن الدعم لإسرائيل قد لا يظل بعد الآن قضيةً تحظى باتفاق الحزبين في السياسة الأميركية.

وتُعَدُّ أسباب اليسار واضحة: فبعد أن أصبح الناخبون الديمقراطيون أكثر تنظيماً حول مفاهيم مثل المساواة العرقية والتمييز النظامي، فإن الذي دفعهم باتجاه مواقف سياسات أكثر ليبرالية حول الهجرة وأعمال الشرطة وعنف الأسلحة داخل الولايات المتحدة أدى إلى إعادة تشكيل الطريقة التي ينظر من خلالها الكثيرون إلى الصراع في الشرق الأوسط، والعنف الناجم عن ذلك. وانعكست هذه الديناميات من خلال الانتقادات المتزايدة لإسرائيل في الكونجرس من جانب التيار السائد في الحزب الديمقراطي.

التيار السائد في الحزب الديمقراطي وإسرائيل

يقول عددٌ متزايد من الديمقراطيين في الكونجرس الأميركي بأنهم ليسوا على استعداد بعد الآن لمنح إسرائيل تفويضاً مفتوحاً حول معاملتهم القاسية للفلسطينيين. وعلى سبيل المثال طلب عضو مجلس النواب الأميركي عن الحزب الديمقراطي جريجوري ميكس، والذي يتولى رئاسة لجنة الشؤون الخارجية في المجلس، خلال تصاعد أعمال العنف في غزة في 17 مايو الماضي بتأجيل تسليم إسرائيل صفقة أسلحة ذكية بقيمة 735 مليون دولار.

كما نشر 28 عضواً في مجلس الشيوخ الأميركي عن الحزب الديمقراطي –أي أكثر من نصف أعضاء الحزب في المجلس- في 16 مايو الفائت رسالةً علنية دعوا فيها إلى وقف إطلاق النار بين إسرائيل والفلسطينيين. وقاد هذه الجهود السيناتور جون أوسوف، الذي يُمَثِّلُ وجه الجيل الشاب من اليهود الأميركيين في الكونجرس. وفي الوقت الذي أطلق فيه الجمهوريون تصريحات تُلقي باللائمة تماماً على مسلحي “حماس”، وضعت مناشدة الديمقراطيين اللومَ على الطرفَين، وطالبتهما بوضع السلاح جانباً، داعين بايدن إلى الدفع بهذا الاتجاه. وضمت قائمة الموقعين على رسالة الديمقراطيين أسماء غير الشخصيات البارزة من التقدميين في الحزب، مثل ساندرز وإليزابيث وورين، لتشمل 10 من أعضاء المجلس من اليهود، والأعضاء الأربعة من الأميركيين من أصول أفريقية أو آسيوية، و8 أعضاء من أصل 12 من قيادات الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ. ويُمَثِّلُ هذا الانقسام انعكاساً للانقسام في الرأي في أوساط الناخبين الديمقراطيين حول الطرف الذي يجب دعمه في الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.

وجاء المؤشر الآخر على هذا التطور في الحزب الديمقراطي على يد السيناتور بوب مننديز، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، الذي أصدر بياناً قال فيه بأنه يشعر بـ “انزعاج كبير” نتيجة الضربات الإسرائيلية التي أدت إلى مقتل مدنيين فلسطينيين، وتدمير برج الجلاء الذي يضم مكاتب لوسائل إعلام في غزة، مطالباً الطرفين بـ “احترام قواعد وقوانين الحرب”، والتوصل إلى حل سلمي للقتال. ويُعْرَف مننديز بأنه أحد حلفاء إسرائيل العنيدين في الحزب الديمقراطي، حيث عارض الاتفاق النووي الذي توصل إليه الرئيس باراك أوباما عام 2015 مع إيران، بسبب معارضة إسرائيل لهذا الاتفاق.

وجاء المثال الآخر حول حدوث تحول في الدعم لإسرائيل عندما عمد عضو مجلس النواب الأميركي جيرولد نادلر، الذي يُمثِّل دائرةً انتخابية ذات أغلبية يهودية في نيويورك، إلى تجهيز رسالة وقّع عليها أحد عشر عضواً يهودياً من الديمقراطيين في المجلس دعوا فيها بايدن إلى الضغط باتجاه التوصل إلى وقف “فوري” لإطلاق النار. وإلى جانب شجب الهجمات الصاروخية من جانب “حماس” انتقدت الرسالة أيضاً أعمال “العنف في القدس بما في ذلك العنف على يد الشرطة الإسرائيلية الذي سبق تلك الهجمات”. وقال الموقِّعون على الرسالة “يجب على الفلسطينيين معرفة أن الشعب الأميركي يقدر أرواحهم كما يقدر أرواح الإسرائيليين، ونعترف بأن لهم الحق أيضاً في حياة آمنة خالية من الخوف”.

ويرى الكاتب الصحفي المؤثّر في صحيفة “واشنطن بوست”، إي. جي. ديون، أن ثمة تنامياً في الانتقادات الحادّة لإسرائيل، وأن هذا التحوّل يأتي من قبل أشخاص مُلتزمين بشدة بأمن إسرائيل، ويدافعون بقوة عن وجودها، لكنهم يتّخذون الآن مواقف قويّة بشكل مُتزايد ضد سياساتها. وينعكس هذا التحوّل في التأثير المتزايد لمجموعة “جي ستريت” بين الديمقراطيين، وهي مجموعة ضغط مؤيدة لإسرائيل ذات توجّه سلمي، إلاّ أنها غالباً تُعارض الحكومة الإسرائيلية الحالية، على عكس لجنة الشؤون العامة الأميركية-الإسرائيلية (إيباك) التي لم تختلف مع السلطات الإسرائيلية في أي وقت. لقد سارع الجمهوريون ومنظّمة “إيباك” كذلك إلى التحذير من أي إضعاف مّتصوّر لالتزام الولايات المتحدة تجاه إسرائيل. وعندما ضغط نادلر من أجل دعم رسالته في الكونغرس بخصوص النزاع الفلسطيني-الاسرائيلي، عملت “إيباك” بهدوء خلف الكواليس لثَني المشرِّعين عن التوقيع عليها.

المجتمع الأميركي بشكل عام وإسرائيل

لا يَظهر التغيير في المواقف تجاه إسرائيل داخل الحزب الديمقراطي فقط. فوفقاً لاستطلاع أجْرته مؤسسة جالوب هذا العام، تعتقد أغلبيةٌ بسيطة من الأميركيين الآن أنه يجب على الحكومة الأميركية مُمارسة المزيد من الضغط على إسرائيل. وقد وجد شبلي تلحمي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة مريلاند، الذي أمضى العقود الثلاثة الماضية في استطلاع آراء الأميركيين حول الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، أن غالبية الأميركيين الذين شملهم الاستطلاع يعتقدون بأن مُشرّعيهم يميلون إلى إسرائيل أكثر مما يعتقده الجمهور الأميركي عموماً.

ووفقاً لبحث أعده تلحمي، فإن غالبية الناخبين الديمقراطيين يؤيّدون فرض عقوبات، أو على الأقل شكلاً من أشكال الإجراءات الأكثر صرامة، ضد إسرائيل بسبب توسّعها في بناء المستوطنات. وإذا لم يعد حل الدولتين مُمكناً فإن أغلبية كبيرة من الأميركيين، بما في ذلك غالبية الجمهوريين، يُفضّلون أن تكون إسرائيل دولة ديمقراطية، حتى لو لم تعد دولة يهودية، على أن تكون دولة يهودية من دون مساواة كاملة لجميع مواطنيها.

وثمة أيضاً مؤشرات مُتزايدة على أن الدعم لإسرائيل يتحوّل إلى قضية حزبية في السياسة الأميركية، حيث تسبّبت علاقات نتنياهو الوثيقة بترمب وانحيازه للحزب الجمهوري في إبعاد بعض الديمقراطيين عن إسرائيل. ويمكن إرجاع جزء كبير من هذا التحوّل إلى الجدل حول الاتفاق النووي الإيراني، عندما بذل نتنياهو، زعيم اليمين الإسرائيلي، جهوداً منسّقة للتدخّل في السياسة الداخلية الأميركية لتقويض الاتفاقية التي أبرمها الرئيس أوباما مع إيران. وصوّر دعم الصفقة النووية على أنها خيانة لإسرائيل، وسعى إلى دق إسفين بين الجمهوريين والديمقراطيين بشأن هذه القضية. ولم يؤدِّ تحالف نتنياهو الوثيق مع ترمب إلاّ إلى تعميق هذا الانقسام الحزبي.

تُظهر استطلاعاتُ الرأي أن الديمقراطيين لم يعودوا ينظرون بشكل موحّد إلى الإسرائيليين على أنهم “الأخيار” في الصراع مع الفلسطينيين. وقد وجد استطلاع للرأي أُجري في عام 2019 أن 35% من الديمقراطيين ينظرون إلى الإسرائيليين بشكل سلبي، مُقارنةً بـ 18% من الجمهوريين، بينما كشف الاستطلاع نفسه أن 58% من الديمقراطيين ينظرون إلى الفلسطينيين بشكل إيجابي، مُقابل 32% من الجمهوريين. واعتقد 66% من الديمقراطيين أن ترمب كان يُفضّل الإسرائيليين أكثر من اللازم.

وأكّد استطلاع للرأي أجرته مؤسسة جالوب في مارس 2021 هذا الاتجاه، فقد قال 43% فقط من الديمقراطيين إن تعاطفهم أكثر مع الإسرائيليين، بينما قال 38% منهم إن تعاطفهم أكثر مع الفلسطينيين. وتقول أغلبيةٌ من الديمقراطيين (55%) الآن إنهم يعتقدون بأن الولايات المتحدة يجب أن تُمارس المزيد من الضغط على إسرائيل لتقديم تنازلات للفلسطينيين لإحلال السلام، بعد أن كانت تلك النسبة تبلغ 33% فقط في عام 2008.

أمّا في المعسكر الجمهوري، فإن إسرائيل تحظى عادة بدعم مرتفع لكن الاتجاه الحالي ليس جيداً. وعلى سبيل المثال، لم يعد الشباب في اليمين المسيحي موثوقاً به بهذا الخصوص. ويُشير استطلاعٌ جديد إلى الانقسام المُتزايد بين المسيحيين الإنجيليين الشباب وكبار السن، حيث يوجد انخفاض كبير في الدعم لإسرائيل في أوساط الجيل الجديد. ومنذ عام 2018، انخفض الدعم لإسرائيل من 75% إلى 33%، حيث يقول نصف الإنجيليين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً إنهم يُفضّلون إقامة دولة فلسطينية.

التأثير في السياسة الخارجية الأميركية

تُمثّل إسرائيل اختباراً صعباً لإدارة بايدن التي جعلت من الدفاع عن حقوق الإنسان على المسرح العالمي جزءاً أساسياً من سياستها الخارجية. ويُمكن لدول مثل روسيا والصين أن تُشير إلى المعايير المزدوجة التي تتبنّاها واشنطن، لأنها ترى تناقضاً ونفاقاً بشأن القضية الفلسطينية والدعم الأميركي لإسرائيل. وقد اتهمت الصينُ الولايات المتحدة بالفعل بعدم تحمل مسؤولياتها الواجبة عليها في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة خلال الأزمة الأخيرة. ووفقاً للعديد من المُحلّلين “عندما يتعلق الأمر بمعاملة إسرائيل للفلسطينيين، فإن المشكلة تكشف نقاطَ ضعف لدى الحكومة الأميركية يُمكن أن يستغلها الآخرون بسهولة”؛ فليس من الصعب تخيّل ما قد تقوله بيجين إلى بايدن: “أنت تقول الإيغور، ونحن نقول الفلسطينيين”.

لا يستطيع بايدن تجاهل هذا الانقسام حينما يتعامل مع هذا الصراع، أو قضايا الشرق الأوسط الأوسع عموماً. فصحيح أن الرؤساء الأميركيين يتمتّعون بهامش حرية أكبر في السياسة الخارجية مقارنةً بالسياسة الداخلية، لكن لا يُمكنهم باستمرار اتخاذ مواقف بشأن القضايا البارزة بشكل يتعارض مع آراء ناخبي أحزابهم. وفيما يتعلّق بإسرائيل، فإن الأمر يعني اتخاذ مسار أو حل وسط من قبل بايدن؛ أي محاولة إيجاد طريقة لدفع إسرائيل إلى تبنّي مواقف تتّفق مع تفضيلات الديمقراطيين، مثل تلك التي تؤيّد ابرام صفقة نووية مع إيران وتدعم إقامة دولة فلسطينية مُستقلّة، دون تجاهل علني لمخاوف إسرائيل الأمنية.

ومع ذلك، فإن هذا الموقف الأميركي المُتوازن سيتعارض مع واقع إسرائيل التي تحوّلت بشكل مُتسارع إلى اليمين. فلم تتشكّل حكومة في إسرائيل يقودها يسار الوسط منذ عام 2001. بل إن يسار الوسط في إسرائيل يضم عناصر مُتشدّدة مثل حزب وزير الأمن بيني غانتس، زعيم حزب “أزرق أبيض”، الذي قال إن إسرائيل لن تستمع إلى “المواعظ الأخلاقية” عندما تتعرض حياة مواطنيها للخطر. وكما ذكرنا سابقاً، فإن الديمغرافية الإسرائيلية تتعارض مع اليسار الديمقراطي؛ فالشباب الإسرائيلي يتعاطف إلى حد كبير مع اليمين، وتبلغ نسبة النمو السكاني بين اليهود المُتدينين المُتشدّدين (الحريديم) أكثر من ضعف هذا المُعدّل بين باقي سكّان دولة إسرائيل. وفي نهاية المطاف، سيتعيّن على بايدن استخدام رأسماله السياسي مع قاعدة حزبه ليواصل ببساطة السياسةَ الحالية تجاه إسرائيل.

خلاصة واستنتاجات

أظهرت الجولةُ الأخيرة من الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين مؤشرات على وجود تحوّل في دعم إسرائيل ليس في أوساط اليسار التقدمي ضمن الحزب الديمقراطي، بل أيضاً في أوساط التيار السائد في الحزب، والأهم أنها عكست تغيراً في موقف المجتمع الأميركي، وبخاصة ضمن جيل الشباب، تجاه إسرائيل والقضية الفلسطينية.

بينما تتحرك السياسة الأميركية، وبخاصة في ظل الحزب الديمقراطي، بشكل متزايد نحو اليسار، فإن السياسة الإسرائيلية تسير بشكل متزايد نحو اليمين، وإذا استمر الاستقطاب السياسي في الولايات المتحدة بين الديمقراطيين والجمهوريين وبقيت السياسة الإسرائيلية تميل نحو اليمين، فإن هذا يعني أن الدعم لإسرائيل قد لا يظل بعد الآن قضيةً تحظى باتفاق الحزبين في السياسة الأميركية.

تُمثّل إسرائيل اختباراً صعباً لإدارة بايدن التي جعلت من الدفاع عن حقوق الإنسان على المسرح العالمي جزءاً أساسياً من سياستها الخارجية، وبخاصة في ظل انتقاد روسيا والصين للنفاق الأميركي، كما حصل في انتقاد الصين للموقف الأميركي في مجلس الأمن في الأحداث الأخيرة.

لا يستطيع بايدن تجاهل الانقسام الحاصل في الحزب الديمقراطي، وفي المجتمع الأميركي حول إسرائيل، لذا سيميل إلى اتخاذ مسار وسط، أي محاولة إيجاد طريقة لدفع إسرائيل إلى تبنّي مواقف إزاء القضية الفلسطينية تُرضي الديمقراطيين دون تجاهل علني لمخاوف إسرائيل الأمنية، إلا أن مشكلته الرئيسة تكمُن في أن السياسة الإسرائيلية تتجه نحو المزيد من اليمين.

ستتمحور سياسة بايدن تجاه الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي على تجميد الصراع من خلال العمل على إعادة إعمار غزة (بالشروط التي طرحها أنتوني بلينكن خلال زيارته للمنطقة)، وتقديم مساعدات اقتصادية للفلسطينيين في الضفة الغربية بما يمنع انفجار الوضع فيها، وإعادة التمسك بالمواقف الأميركية التقليدية (السابقة على إدارة ترمب) تجاه القدس والمستوطنات، ولكنْ من دون الانخراط في جهد حقيقي لحل القضية الفلسطينية.

 

المصدر: مركز الإمارات للسياسات

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر