السوفييت الجدد.. قراءة استشرافية لمستقبل الدب الأحمر

التاريخ والوقت : الخميس, 4 يناير 2018

تجمَّع الرفاق حول أيديولوجية واحدة، بدت لهم تلك النظرية بتطبيقاتها هي المخلِّص لما تمر به البلدان من حالات التردي والفقر والبطالة، وبخاصة الهزيمة، هزيمة الدولة الروسية أمام الخصم الياباني. وخرج أنبياء النظرية الماركسية، يبشرون بالنتاج الفكري مع بواكير الثورة البلشفية الأولى، فكان أبرز المنظرين هو الفيلسوف الناقد جورج لوكاش[1] الذي انصبّت معظم أبحاثه النقدية حول التاريخ والوعي الطبقي وربطهما بالنظرية النقدية وتطبيقاتها في الأدب الروائي تحديدًا. ولمَّا كانت من أهم دعائم الثورة البلشفية التي دشنت لقيام الجمهوريات السوفييتية، فلسفة الديالكتيك “الجدل والصراع”، فإن مفهوم الجدل نفسه أو الديالكتيك، هو ما سيقودنا عبر هذا المبحث. الجدل من الزاوية التاريخية، بما أننا استشهدنا بأحد كبار فلاسفة التاريخ الماركسي جورج لوكاش الذي يرى أن :”البروليتاريا كطبقة لا تستطيع أن تحتل وتحتفظ بوعيها الطبقي وترتقي إلى مستوى وظيفتها التاريخية – المعطاة موضوعيًا – إلا في الصراع والعمل. وفي وضع تاريخي معطى، حيث تصبح المعرفة الصحيحة للمجتمع لإحدى الطبقات الشرط المباشر لفرض ذاتها في الصراع”[2].

من هنا يكون المفتتح.. حيث سيكون المثير الشرطي هو المعرفة القائمة على اجترار التاريخ والتوقف على محطاته لمحاولة استشراف أو الوصول لرؤية تنبؤية لهذه الرقعة التي شغلت مساحة شاسعة على حيز الكرة الأرضية وحملت شعار “الخبز للجائعين”.. الاتحاد السوفييتي.

الشرارة الأولى:”إيسكرا”

لم يكن قرار المشاركة في الحرب العالمية الأولى، قرارًا حكيمًا من قبل القيصر الروسي الذي أدخل بلاده في مزيد من حالات الصرع والفوضى والفقر، ناهيك عن تنامي الصراع بين القوميات الروسية المتعددة التي تعتبر فسيفساء المجتمع الروسي نتيجة وجود العديد من الاختلافات في الهوية الثقافية والعرقية، وأيضًا السلالة البشرية، وكلها كانت أسبابًا ودوافع جلية لإطلاق الشرارة الأولى لثورة فبراير 1917م وسقوط نظام القيصر.

وبدأت الثورة باندلاع تظاهرات شعبية في العاصمة بتروغراد Petrograd في الثاني من آذار 1917، مطالبة بالإصلاحات الداخلية وتأمين الغذاء وإصلاح الأوضاع السياسية، لكن الحكومة الروسية واجهت التظاهرات الشعبية بكل قسوة، وسرعان ما تحولت إلى مواجهات بين الطرفين، واستطاع المتظاهرون إطلاق سراح السجناء السياسيين في حصن القديس بولس St. Paul الذي يقع في قلب العاصمة، فأصدرت الحكومة في التاسع من آذار من العام نفسه، أوامر إلى الحامية العسكرية بإطلاق النار على المتظاهرين، إلا أن الجنود رفضوا ذلك مما اضطر الحكومة إلى تقديم استقالتها. وفي الرابع عشر من آذار من العام نفسه، شكلت حكومة مؤقتة برئاسة الأمير جورج لفوف، تألفت مــــــن أربعـة عشر وزيرًا أغلبهم من البرجوازيين، وحاول القيصر نقولا الثاني 1894-1917، استخدام الجيش للقضاء على الثورة، إلا أن قادة الجيش رفضوا ذلك مما جعله يتنازل عن العرش لأخيه الدوق ميخائيلGrand Duk Michael في الخامس عشر من آذار من العام نفسه، لكن سرعان ما اتسعت الاضطرابات مما أدى إلى تنازل الأخير عن العرش في اليوم التالي لتنتهي أسرة رومانوف وذلك لعزم زعماء الثورة على إقامة النظام الجمهوري[3]، ثم في التاسع عشر من آذار 1917، أعلنت الحكومة المؤقتة عن برنامجها الإصلاحي المتضمن ضمان الحريات السياسية وتسوية مشكلات البلاد بالطرق التي ترضي جميع الأطراف المختلفة، ومنح الحكم الذاتي لبولندا، الذي أثار جدلاً كبيرًا بين الأوساط السياسية، كما أعلنت عزمها على الاستمرار في المشاركة في الحرب العالمية الأولى حتى تحقيق النصر؛ مما جعلها تحظى باعتراف دول الوفاق (بريطانيا، فرنسا) بصورة سريعة[4].

فرار الزعيم “لينين” إلى فنلندا بدعم ألمانيا

ويبدو أن إصرار الحكومة على مواصلة الحرب، دفع ألمانيا إلى التوجه إلى المفاوضات مع البلاشفة Bolshaviks[5]، الذين كانوا يضغطون على إيقاف الحرب، بل إنهم قاموا بمحاولتين انقلابيتين في أيار وحزيران من العام نفسه؛ للاستيلاء على السلطة باءتا بالفشل، مما اضطر زعيمهم فلاديمير لينين Vladimir Lenin إلى الفرار إلى فلندا بدعم من ألمانيا. في الوقت الذي بلغت فيه الفوضى ذروتها، حاولت حكومة كيرنسكي لفت الانتباه إلى الأوضاع الداخلية بعد فشل هجوم قواتها في تموز 1917 على ألمانيا، فدعت إلى إجراء انتخابات في كانون الأول من العام نفسه، لتشكيل مجلس تأسيسي مهمته وضع دستور للبلاد على أساس جمهوري، مما دفع لينين بالعودة إلى روسيا، وبوصوله بدأ العمل للمرحلة الثانية من الثورة الروسية[6].

الشرارة الثانية: “ثورة أكتوبر 1917م”

دعا لينين فور وصوله إلى العاصمة الروسية في السابع والعشرين من أيلول 1917، كوادر الحزب البلشفي، إلى عقد اجتماع في الأول من تشرين الأول من العام نفسه، إذ قرر المجتمعون إعلان الثورة في الثالث منه، الأمر الذي لاقى استحسان جماهير الشعب من السوفييتيين وتأييد بعض الصحف، وقد كان رد الحكومة المؤقتة على ذلك تعطيل الصحف والقيام باعتقالات ضد كوادر الحزب البلشفي، وأصدرت أوامر للقوات الأمنية للتصدي للتظاهرات، وبدأت التظاهرات تتسع يومًا بعد يوم. وفي السادس من تشرين الثاني من العام نفسه، تمكن الثوار من الاستيلاء على الأماكن المهمة في العاصمة، وقد حاصروا قصر الشتاء مقر الحكومة المؤقتة، وحصلوا على دعم الحامية العسكرية. وفي الثامن من تشرين الثاني1917 شكلت حكومة جديدة برئاسة لينين، بعد فرار رئيس الحكومة المؤقتة كيرنسكي ولجوئه إلى سفارة الولايات المتحدة الأميركية. بعد اندلاع الثورة وسيطرة الثوار على العاصمة بتروغراد والمدن الرئيسية الأخرى، ولا سيّما موسكو، استطاع زعماء الثورة التوصل إلى حلول سريعة في أخطر مسألتين تواجهان البلاد، كانتا سببًا رئيسًا في فشل ثورة آذار 1917، هما: الأولى مسألة الحرب والسلام، والثانية مسألة الأراضي. وفي السادس من آذار 1918 عقد الحزب البلشفي مؤتمره السابع، وجرى فيه إصدار مجموعة قرارات من أهمها: الموافقة على مقررات معاهدة برست – ليتوفسك، وتغيير اسم الحزب البلشفي إلى الحزب الشيوعي الروسي، ونقل العاصمة من بتروغراد إلى موسكو.[7]

الأحداث السياسية الداخلية في الاتحاد السوفييتي 1918-1923: الصدمة الأولى للرفاق

أولاً: دستور عام 1918 وترسيخ أسس السلطتين التشريعية والتنفيذية

   قبل أن يتسلم الشيوعيون السلطة وقيام ثورة أكتوبر 1917، كان رئيس الوزراء السابق كيرنسكي، قد تعهد بإجراء انتخابات عامة لاختيار مجلس تأسيسي يتولى سن دستور للبلاد؛ لذلك قرّر زعماء الثورة إجراء انتخابات في الخامس والعشرين من تشرين الأول عام 1917. جرت الانتخابات وشكلت نتائجها صدمة للشيوعيين، أفضت إلى حصولهم على نسبة 25% من أصوات الناخبين، أي ما مجموعه 170 مقعدًا من مجموع مقاعد المجلس التأسيسي البالغة 707، وحصلت الأحزاب الاشتراكية الأخرى بما فيها الحزب الاشتراكي الشيوعي على 62% من الأصوات والأحزاب المحافظة على 13%، مما دفع لينين إلى أن يصف المجلس التأسيسي بأنه ثورة مضادة ودعا علنًا إلى حله. وفعلاً عقد المجلس التأسيسي اجتماعه الأول في السادس عشر من كانون الثاني عام 1918، وكان أول وآخر اجتماع له بعد أن حلّ في اليوم التالي من لـدن لينين، ليتم القضاء على أول تجربة ديمقراطية في روسيا[8].

   على إثر ذلك، اضطلع الزعماء الروس في تموز 1918 بوضع دستور الاتحاد السوفييتي الذي نص على أن تكون روسيا دولة اشتراكية فدرالية سوفييتية جمهورية ويرمز لها بـ RSFSR، وقد أكد الدستور على التركيبة الهرمية للنظام الدستوري الذي يبدأ من القاعدة (الناحية، المناطق، المقاطعات، الولايات) التي انقسمت عليها روسيا السوفييتية، وفي قمة الهرم نجد المجلس السوفييتي الأعلى الذي يحكم الاتحاد السوفييتي كله، ويجتمع مرتين في السنة وينتخب لجنة تنفيذية مركزية للإشراف على إدارة الاتحاد. وقد منح الدستور الحق لكل مواطن تجاوز الثامنة عشر من عمره، الترشيح والانتخاب، ومجلس الوزراء ينتخب اللجنة المركزية، ويكون مسؤولاً أمام مجلس السوفييت الأعلى.[9]

إعدام القيصر وتحالف الدول الخمس لإسقاط السوفييت[10]

كان الشيوعيون يحتجزون القيصر نقولا الثاني، في مدينة كوتنبرغ Katzenberg القريبة من مدينة أركانجل، وعندما أدركوا أن القوات المضادة للثورة سوف تسيطر عليها، أصدروا الأوامر بإعدام القيصر وعائلته، وجرى ذلك في السابع عشر من تموز عام 1918؛ مما أدى إلى انقسام المعارضة على قسمين: الأول تكون من الأقليات القومية القاطنة في روسيا، والثاني من المعارضة الروسية التي أطلق عليها “الروس البيض” المتمثلة في القوات المضادة للثورة لتمييزهم من الروس الحمر الشيوعيين. استمر الصراع طيلة سنوات 1918-1921وتمركزت قيادة القوات المضادة للثورة في أوكرانيا Ukraine جنوب روسيا، لكنهم لم يكونوا منظمين ويفتقدون الروح الحربية. أمَّا موقف دول الوفاق، فقد قرّرت التدخل بشكل كبير ومؤثر لإسقاط الدولة السوفييتية، ففي الثالث من كانون الأول 1918، عقدت الدول الخمس الكبار (الولايات المتحدة الأميركية، بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، اليابان) مؤتمرًا في باريس واتفقت كلٌّ من فرنسا والولايات المتحدة الأميركية اتفاقًا ثنائيًا تعهدتا فيه بالتصدي للثورة الروسية والقضاء عليها، وتوزيع مناطق النفوذ الغنية بالنفط بينهما؛ مما أدى إلى سقوط 3/4 الأراضي الروسية بيد القوات المضادة للثورة المدعومة من قوات الوفاق، وبدأت كلٌّ من بريطانيا وفرنسا بإرسال المساعدات المالية إلى حكومة كولجاك التي أسسها في سيبيرياSiberia ، وقد سمحت دول الوفاق لها بإرسال ممثل عنها لحضور مؤتمر السلام في باريس. على أية حال، باءت جهود الدول الأجنبية بالفشل، ففي آذار 1921 تمكن الشيوعيون من استرجاع الأراضي التي فقدت منهم, لكنهم فقدوا الأمل في تصدير ثورتهم بسبب الحرب. ومما لا شك فيه، أن هناك جملة من العوامل والأسباب أدت إلى انتصار الشيوعيين وتثبيت ثورتهم، منها: قوة التماسك، والاتحاد، والتفوق الفردي. وهكذا خرجت الحكومة السوفييتية من الحرب الأهلية ظافرة، حتى إنها نجحت في تكتل البلاد الخاضعة لسلطتها في نهاية عام 1921 في اتحاد فدرالي للجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، لكنها سرعان ما دخلت في براثن أزمة جديدة، تمثلت في الأزمة الاقتصادية. ضع في الاعتبار اعتراف الحكومة المؤقتة، وفق مقررات صلح برست – ليتوفسك، بالحكم الذاتي لجمهوريات بحر البلطيق (إستونيا، ليتوانيا، ولاتفيا)، كما اعترفت باستقلال بولندا وفنلندا، وأعلنت الحكومة السوفييتية أنها مع حق الشعوب في تقرير المصير، لكنها أكدت في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني موافقتهم على الانفصال، بل إنها تريد تكوين دول قومية مرتبطة بالسلطة المركزية للحزب الشيوعي عن طريق اتحاد فدرالي وليس استقلالاً تامًا.

وفاة لينين.. وستالين يستولي على الحكم: “صراع الرفاق”

واجه الاتحاد السوفييتي أزمة سياسية بعد وفاة لينين المفاجئ في الحادي والعشرين من كانون الثاني 1924، إذ توفي ولم يُعَيِّنْ له خلفًا، وتنازع الخمسة الكبار على خلافته، وهم: جوزيف ستالين الأمين العام للحزب الشيوعي، وليون تروتسكي قائد الجيش الأحمر، وزينوفيف رئيس الدولة الشيوعية، وليون كامينيف رئيس سوفييت موسكو، وريكوف مفوض الداخلية، إلا أن الصراع الأكبر كان بين ستالين وتروتسكي[11].

قامت الجماهير السوفييتية بزيارة زعيمها الراحل للمرة الأخيرة، وقد ذهب تروتسكي إلى القوقاز ALcaucasas، نتيجة إصابته بمرض بعد أن نصحه الأطباء أن عليه تغيير المناخ في موسكو والذهاب إلى هناك، دون أن يعلم أن لينين قد مات، وقد أخبره ستالين بتاريخ مغلوط لوفاة لينين، بحسب رواية تروتسكي نفسه، إلا أن ستالين قام بمهمة توديع الزعيم الراحل، وقد بنى له ضريحًا في الساحة الحمراء وحنط جثته على الرغم من احتجاج أرملته.[12]

الاتحاد السوفييتي في عهد ستالين: اقطع إصبعك الخامس

اعتاد ستالين عند حديثه، دعم كلامه بحجج من أقوال لينين، تمامًا بالطريقة نفسها، التي كان يدعم بها مفكرو القرون الوسطى تخميناتهم بشواهد من الكتاب المقدس، بعد أن سبقه لينين بدعم حججه بإشارات متعددة لكارل ماركس Karl Marx. وقد جاء موت لينين في مرحلة عصيبة ليجعل الحزب ينقسم في اختياره لطرق بناء الاشتراكية، حتى وقع اختيار أغلب أعضاء الحزب على ستالين؛ مما أدى إلى تحول دكتاتورية البوليتاريا إلى نظام استبدادي، في حين أصبح العنف – عمليًا – إحدى الوسائل الحاسمة لتحقيق الخطط والبرامج الاجتماعية والاقتصادية. استطاع ستالين أن يحشد أعضاء الحزب الشيوعي ضد تروتسكي وأثبت أنه تجاوز كل حدود اللياقة الحزبية والانضباط، ولا سيّما ترويجه شائعة استعداد تروتسكي للقيام بانقلاب من أجل السيطرة على الحكم، واستطاع أن يكف يد تروتسكي عن الجيش الأحمر ووزارة الدفاع، ومن ثم فرض الإقامة الجبرية عليه ونفيه خارج البلاد.

وهكذا تمكن ستالين، في مطلع عام 1928، من السيطرة بصورة كاملة على مقاليد الحكم في الاتحاد السوفييتي بعد أن قضى على خصومه؛ إذ قضى على كل خصومه ومنافسيه، ولم يعد أحد من أعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي، قادرًا على تحدي سلطة ستالين، ومضى الدعاة يصيحون بملء أفواههم “ستالين هو لينين اليوم”.

 ازداد عدد الجمهوريات الاتحادية، ففي آسيا الوسطى كانت هناك جمهورية تركمانيا الاشتراكية السوفييتية ذات الحكم الذاتي التي كانت تدخل في قوام جمهورية روسيا الفدرالية، وجمهوريتا بخارى وخوارزم الشعبيتان، ثم تأسست منهما جمهوريتا أوزباكستان وتركمانيا الاشتراكيتان السوفييتيتان، وجمهورية طاجاكستان ذات الحكم الذاتي ضمن إطار أوزبكستان.

الثقل الدولي للاتحاد السوفييتي

أصبح الاتحاد السوفييتي قوة دولية كبيرة بعد نجاح ستالين بتصفية خصومه السياسيين وانفراده بالسلطة. وعلى الرغم من ذلك، رأى ستالين أنه من الأصح تطبيق بعض وجهات نظر خصومه، ولا سيّما الصحيحة منها، وما يتعلق بالحياة الاقتصادية وفق المبادئ الاشتراكية. ولعل أهم خطوة اتخذتها الحكومة السوفييتية في سياستها الاقتصادية الجديدة، الخطة الخمسية التي ابتدأ العمل بها في عام 1928 بهدف تحويل الاتحاد السوفييتي من بلد زراعي ضعيف إلى بلد صناعي قوي مستقل عن الأطماع الرأسمالية، وخلق مجتمع اشتراكي قادر على مواجهة أي تدخل أجنبي في البلاد.

استبداد الرفيق وشمولية الحكم: “التوسع في بناء المعتقلات ”

تمثلت الدكتاتورية الشيوعية في تحكم الحكومة السوفييتية في حرية العمل وحرية الصناعة وحرية البحث، فهي التي تعرض على المصانع أنواع المصنوعات المطلوبة، وعلى الفنانين ألوانًا خاصة من الفنون، وعلى المربين نوع التربية التي يستخدمونها في التربية وأنواع الكتب المدرسية، بحسب توجيه التربية في الاتحاد السوفييتي إلى الفكر الشيوعي؛ لأن الماركسية هي الفلسفة الرسمية المعترف بها، في جميع نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والحكومة هي المالك المسيطر على الصحف والمؤلفات والمسارح والإذاعة والسينما والهواتف والبرق والمعامل والمناجم والأرض والسكك الحديدية والمصارف وغيرها. مارس ستالين سلطة مطلقة في الاتحاد السوفييتي، كان يقرر السياسة الداخلية والخارجية، ووضع لتلك السياسة الخطط والبرامج التي أطلق عليها برنامج الخطة الخمسية، وعمل على تعديل النظرية اللينينية في الاشتراكية، إذ أكد إمكانية نجاحها في بلد واحد من غير الحاجة إلى اندلاع ثورة عالمية، كما كان يذهب إليه الشيوعيون، ومن أبرزهم تروتسكي.

أقدم ستالين على بناء السجون والمعتقلات، ثم توسعت إلى الأديرة والفنادق والإسطبلات في أنحاء البلاد كافة، وأحكم الحدود وجعل من الاتحاد السوفييتي عبارة عن سجن رهيب لكل معارض، أو مجرد الشك بالولاء للقائد ستالين. وقد كانت شخصية ستالين تميل إلى العزلة، وأصبحت أقواله مقدسة وواجبة الطاعة وأنها لا تقبل الشك والرفض، وأصبح يشكل مدرسة جديدة إلى جانب الماركسية واللينينية، وقد أظهر نفسه بوصفه قائدًا وطنيًا. وكان الإعلام السوفييتي يرفع من مكانته وشأنه إلى حد التقديس، فمثلاً: قال الشاعر السوفييتي مايكوفيتيسكي Majkovitesca أيها الرفيق ستالين: “اسمك هو خبز الحياة لنا .. اسمك الذي يعطي الحياة ويساعد على الموت”. وهناك صور كثيرة كانت تعطي لستالين صفات تقترب من الألوهية، وقد مُجِّد وعُظِّم في أثناء حياته، على عكس الزعيم لينين الذي مُجِّد بعد وفاته.

مساحة الاتحاد السوفييتي

امتدت مساحة الاتحاد السوفييتي لِتصل إلى اثنين وعشرين مليونًا ومئتين وستة وسبعين ألفًا وستين كيلومترًا مربّعًا، وتُعتبر هذه المساحة سُدس المساحة الكلية للكرة الأرضية. وأمّا فيما يتعلق بالجزء الأوروبي، فقد كان يحتل رُبع مساحة الاتحاد السوفييتي، ويُعتبر الجزء الأوروبي من هذا الاتحاد هو العنصر الأساسي في نمو اقتصاده ومركز الثقل به، كما يلعب دورًا مهمًا في المجال الثقافي. بلغ طول حدود الاتحاد السوفييتي حوالي ستين ألف كيلومتر مربع، وتعتبر أطول حدود في العالم، كما يضم ضمن حدوده بحيرة “بايكال” وهي أكبر بحيرة من المياه العذبة، وتقع حاليًا ضمن حدود روسيا.[13]

وفاة ستالين

بحسب ما قاله خروتشوف، ففي 28 من شهر شباط/ فبراير لعام 1953 استدعى ستالين الدائرة المقربة منه إلى الكرملين لمشاهدة فيلم جديد، ثم تناولوا طعام العشاء في وقت متأخر من الليل، وبعد ذلك غادر الأعوان في الساعة الخامسة صباحًا. ويزعم أن ستالين أمر حراسه بالذهاب إلى النوم بإشارة منه أنه سيستيقظ في وقت متأخر، ولهذا لم يكلِّف أحد من حراسه نفسه عناء معرفة حال الزعيم حتى مساء الأول من آذار/ مارس للعام نفسه. 

وفي هذه الأثناء شعر الحراس بالقلق إزاء الصمت المخيم في غرفة ستالين، فدخلوا الغرفة وقاموا على الفور باستدعاء الأطباء الذين وصلوا في صباح الثاني من آذار/ مارس، حيث كان التشخيص أن الزعيم مصاب بالشلل في الجزء الأيمن من جسمه وغير قادر على النطق وفاقد للوعي. ولهذا تمَّ استدعاء مجلس استشاري طبي من نخبة الأطباء الذين هم – أيضًا – شخصوا أن ستالين مصاب بجلطة دماغية. وفي الرابع من شهر آذار/ مارس من عام 1953 أبلغت القيادة السوفييتية، الشعب بأن زعيمهم مريض. وفي الخامس من شهر آذار/ مارس في الساعة 9.50 مساء، توفي ستالين بعد إصابته بنزيف حاد في الدماغ؛ حيث تمَّ تشريح الجثة في أقل من يوم واحد بحضور مجلس طبي استشاري رفيع المستوى، مع العلم أن النخبة الحاكمة قررت في عجل من أمرها، تحنيط الجثة ووضع ستالين في الضريح بالقرب من لينين.[14]

انهيار أسطورة السوفييت[15]

وفي ميثاقه لعام 1922، أكد الحزب الشيوعي الروسي أنَّ “الاتحاد المعلن يمثل خطوة حاسمة على طريق اتحاد الكادحين في العالم في جمهورية اشتراكية عالمية”، وشرعت روسيا الاشتراكية في استقطاب الحلفاء الجدد إلى الاتحاد السوفييتي الذي نص دستوره على حق أي جمهورية فيه بالانسحاب منه، وضمَّ حتى تفككه 15 جمهورية. البوادر الأولى لتفكك الاتحاد السوفييتي بدأت تلوح في الأفق منذ شتاء عام 1988، الذي شهد ما سمي بحركة “استقلال البلطيق” التي أرغمت مجلس السوفييت الأعلى على تبني وثيقة منح السيادة لجمهوريات البلطيق الثلاث، وهي: إستونيا، ولاتفيا، ولتوانيا، بما أتاح لها إعلاء التشريعات المحلية على السوفييتية. وفي ربيع العام التالي، حذت أذربيجان حذو جمهوريات البلطيق وتبنى مجلس السوفييت فيها، أي البرلمان، قانون السيادة على أراضيها، لتمثل وثيقة أذربيجان سابقة فتحت الباب على مصراعيه أمام باقي جمهوريات الاتحاد السوفييتي، لتعلن جميعها الواحدة تلو الأخرى، خلال عام 1990، سيادتها على أراضيها وضمن حدودها الإدارية داخل نطاق الاتحاد السوفييتي.

تبنَّى الحزب الشيوعي السوفييتي، بمبادرة من الرئيس الأول والأخير للاتحاد السوفييتي، ميخائيل غورباتشوف في الـ3 من ديسمبر/ كانون الأول 1990، مشروع وثيقة إعلان اتحاد جديد يحل محل الاتحاد السوفييتي ويمنح الجمهورية العضو فيه صفة دولة مستقلة ضمن نطاق الاتحاد السوفييتي، على أن تبقى بيد عاصمة الاتحاد، شؤون الأمن والدفاع، وتحديد نهج السياسة الخارجية واستراتيجية التنمية الاقتصادية. وفي أعقاب أحداث أغسطس/ آب 1991 ومحاولة الانقلاب الفاشلة على رئيس الاتحاد السوفييتي، ميخائيل غورباتشوف، لثنيه عن جميع الاتفاقات التي أبرمها مع زعماء الجمهوريات الـ9، أخذت الجمهوريات التي وقعت على اتفاق اتحاد الدول المستقلة، تعلن استقلالها عن الاتحاد السوفييتي الواحدة تلو الأخرى.

جميع المحاولات لقيام اتحاد جديد يحل مكان السابق باءت بالفشل، ولم يتوصل غورباتشوف وزعماء الدول الجديدة المنبثقة عن الاتحاد السوفييتي، إلى اتفاق يبقي على الاتحاد السوفييتي بشكل أو بآخر، حتى اتفق قادة روسيا “بوريس يلتسن”، وأوكرانيا “ليونيد كرافتشوك”، وبيلاروس “ستانيسلاف شوشكيفيتش”، في الـ21 من ديسمبر/ كانون الأول 1991 على قيام رابطة الدول المستقلة وفك الاتحاد السوفييتي.

هل يمكن للدب الأحمر أن يتصدر المشهد الدولي مرة أخرى؟

“استشراف مستقبل العلاقات الدولية حال عودة السوفييت للمشهد الدولي”

يُعدُّ “هيرمان كاهان” هو الأب الروحي لهذا الفرع من العلوم – علوم الاستشراف السياسي والاستراتيجي – وقد وضع الإطار النظري له منذ الأربعينيات، وارتبط عمله بالمجال العسكري، ثم التحق بمؤسسة RAND، المؤسسة الأولى في العالم في مجال البحث العلمي وطرق استشراف المستقبل. وتوجد طرق عدة يمكن استخدامها لاستكشاف ما يخبئه المستقبل، ومن ثَمَّ القدرة على وضع حلول وسن سياسات وتشريعات تتماشى مع المستقبل. ومن الطرق التي ثبتت فاعليتها في استشراف المستقبل، طريقتان هما: تخطيط السيناريوهات البديلة أو Scenario Planning، وطريقة “دلفي” Delphi. وقد اشتهر “أري دي جيوس”، أحد رواد التعلم المؤسسي باستخدام أسلوب السيناريوهات البديلة بكثرة في شركة “شل” للبترول. كما يشيع استخدام طريقة “دلفي” في مختلف دول العالم التي قطعت شوطًا كبيرًا في التخطيط المستقبلي، ولا يخلو برنامج تدريبي في هذا المجال من شرح طريقة “دلفي”. كما يعد الاعتماد على الباحثين والخبراء اعتمادًا مباشرًا، إحدى طرق الاستشراف، وقد بدأت فئة من العلماء والمنظرين في الظهور تحت اسم “مستقبليون”[16].

 وعودة مرة أخرى إلى ربط الاستشراف السياسي بطرح تساؤل مفاده: “هل يمكن التنبؤ بعودة الاتحاد السوفييتي مرة أخرى بنفس شكله القديم وقوته وتأثيره؟! مما لا شك فيه، أن الستينيات من القرن الماضي، وتحديدًا في أعقاب نكسة حزيران 1967، كان للمجتمع السوفييتي قوة وتأثير جعل له العديد من الحلفاء والمريدين داخل الوطن العربي. ولعل الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، قد مثَّل بنموذجه الفكري أحد روافد التيار الاشتراكي داخل المنطقة العربية. وقد كان جليًا لكل متابعي المشهد السياسي، تحالف ناصر مع السوفييت، ضد الأميركان والقوى الدولية التي أيدت وجود إسرائيل في المنطقة.

وبمزيد من الموضوعية، فإن المتأمل للمشهد الدولي الحالي وطبيعة السياسة الدولية وتقلباتها، يرى أن قيام فكرة الاتحاد الأوروبي، مع كونها فكرة قائمة على تعدد العرقيات والقوميات واللغات والأفكار، ضرب مثلاً لفكرة الشراكة السياسية والتجارية الناجحة، كما استطاع أن يقدم نموذجًا فريدًا في تقديم اتفاقية الدفاع المشترك.

غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بعمق يتمحور في إحصاء الكيانات التي لا تزال متمسكة بهويتها الاشتراكية.. فهل نعتبر التجربة الماوية في الصين هي نتاج للفكرة السوفييتية، أم أن تجربة الصين، وبخاصة في السنوات العشر الأخيرة، أخذت تنتهج فلسفة تقترب من فلسفة انفتاح السوق وحرية رأس المال؟

من المؤكد، أن هناك دولاً لا تزال ترفع لافتة التوجه الاشتراكي عبر شقيه السياسي والاقتصادي، وإن كانت تجارب أوروبا الشرقية لا تزال تتبنى النهج الاشتراكي بمزيد من المرونة.

البديل لفكرة الاتحاد السوفييتي

ما يقرب من ربع قرن زمني، استطاعت الولايات المتحدة الأميركية، تغيير موازين القوى الدولية، عبر وجود قطب قوي واحد، يسيطر على الكفاءة العسكرية والاقتصادية عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، وما تلاه من سنوات الحرب الباردة بين القوتين العالميتين، أميركا في تبنيها لفكر الرأسمالية، والاتحاد السوفييتي وتبنيه لفكر الاشتراكية بمختلف تجلياتها.

فإذا كان القطب الشرقي في الكرة الأرضية، ونقصد به الصين وكوريا الشمالية، يتبنى داخل هويته الفكرية العقيدة الماركسية، فهل يمكن أن يتم اتحاد بين دول الأيديولوجية الواحدة “روسيا والصين وكوريا الشمالية” وتدشين رابطة دولية، أو قوى دولية حمراء، تتبنى التيار الماركسي؟

الظرف الزمني والسياسي الحالي، لا يبدو مناسبًا لقيام مثل هذا التحالف المشترك بين أبناء الهوية الفكرية الواحدة، وذلك للعديد من الأسباب، أهمها: وجود المعسكر الرأسمالي القوي الذي سيسعى بكل جهده لإفشال ولادة هذا الكيان، وثانيها هي الطفرة التكنولوجية العملاقة التي تعادي المعسكرات الشمولية وتجنح لنشر أفكارها داخل المجتمع، وهو أمر عصي على سيطرة قادة هذه المجتمعات.

 

وحدة الدراسات السياسية *

المراجع 

[1] – جورج لوكاش (1885ـ1971) “Georg Lukács”، يعتبر من المنظرين الأوائل والمهمين للجيل اللاحق لسنة 1920، كما أنه كان قائدًا سياسيًا مهيمنًا داخل الحزب الشيوعي الهنغاري.

[2] – لوكاش، التاريخ والوعي الطبقي، ترجمة: حسن الشاعر، لبنان، دار الأندلس، 1979 – ص 33.

[3] – عمر عبدالعزيز عمر، ومحمد علي القوزي، دراسات في تاريخ أوروبا الحديث والمعاصر 1815_ 1950، دار النهضة، بيروت، 1998، ص304.

[4] – المرجع السابق.

[5] – البلاشفة: أو البلشفيك، ومعناها الأكثرية، كانوا في الأساس أعضاء في حزب العمل الاشتراكي الديمقراطي الروسي، انفصلوا عنه عام 1903 بعد اختلافات داخل الحزب. ينظر: حمدي حافظ، المشكلات العالمية المعاصرة، القاهرة، 1966، ص187.

[6] – فلاديمير لينين: ولد في الثاني والعشرين من نيسان عام 1870، أنهى دراسته الأولية في مدينة أوليافسك، ثم دخل كلية الحقوق في جامعة قازان، لكنه فصل منها بسبب مشاركته في مظاهرات الطلاب. انضم إلى إحدى الجمعيات الماركسية في مدينة قازان بعد أن أعدم أخوه السكندر بسبب مشاركته في محاولة اغتيال القيصر إسكندر الثالث. وفي عام 1893 انتقل إلى العاصمة سانت بطرسبورغ، وبسبب كتاباته عن علم الاقتصاد الماركسي تمَّ نفيه إلى سيبيريا، ثم في عام 1900 سافر إلى سويسرا، وفي عام 1905 تمَّ اختياره لزعامة حزب العمل الاشتراكي الديمقراطي الروسي. وفي عام 1916 شهد الحزب انقسامًا، فترأس لينين الحزب البلشفي، وفي تشرين الأول عام 1917 قاد لينين ثورة أدت إلى تولي الحزب البلشفي السلطة في روسيا. وفي عام 1918 تعرض لمحاولة اغتيال ونجا منها. أدركته الوفاة في كانون الأول 1924. فليب برايسي، موجز تاريخ الاتحاد السوفييتي، ترجمة: جليل قطو، القاهرة، 1960، ص293.

[7] – البيرت د. وليام، في الثورة الروسية، ترجمة: كمال عبدالحليم، دار الثقافة الجديدة، القاهرة، 1970، ص211.

[8] –  المرجع السابق.

[9] –  أدور دكار: ثورة البلاشفة 1917_ 1923، ترجمة: سمير شمخي، بيروت، 1983، ص143.

[10]  – The interior developments of the soviet union 1918-1939, Assist.Prof.Dr. Qahatan H.Kadhim  Assist.instr. Ahmed M. Jassim Abd.

[11] – المرجع السابق.

[12] – المرجع السابق.

[13] – ويكيبديا، شبكة المعلومات الدولية.

[14] – إذاعة صوت روسيا، ثلاثة أسرار موت جوزيف ستالين.

[15] – أخبار روسيا، 25 عامًا على زوال الاتحاد السوفييتي.

[16] – استشراف المستقبل، د.علاء جراد، الإمارات اليوم.

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر