مركز سمت للدراسات الخطوط الخضراء للبنوك المركزية | مركز سمت للدراسات

الخطوط الخضراء للبنوك المركزية

التاريخ والوقت : الإثنين, 23 يناير 2023

هوارد ديفيز

 

أصبح تغيّر المناخ يمثل تحدياً كبيراً للبنوك المركزية، فإلى أي مدى يجب أن تتأثر به سياستها النقدية ونهجها في ما يتعلق بالرقابة المصرفية؟

من جهة، تتزايد الأدلة التي تشير إلى أن الاحتباس الحراري قد يخلق ضغوطاً تضخمية، لا سيما من خلال تأثيره على الزراعة، وهناك دليل أقوى على أن المخاطر المرتبطة بتغير المناخ، المادية منها وتلك الناتجة عن التحول، تؤثر اليوم وستؤثر مستقبلاً إلى حد كبير على قيمة الأصول المالية والشركات المالية، ولا يجوز للمسؤولين عن استقرار النظام المالي تجاهل هذا الأمر.

ومن جهة أخرى، تثير سياسات زيادة تكاليف الطاقة وخفض الانبعاثات جدلاً كبيراً، خاصة في الولايات المتحدة. وقد يقود النهج الاستباقي البنك المركزي إلى منطقة حرب سياسية معرضة للهجوم من كلا الجانبين.

وحتى الآن، تنظر البنوك المركزية إلى هذه المنطقة على أنها منطقة لا يمكن تجنبها. وبذلت مجموعة منها، معظمها من أوروبا، ضغوطاً من أجل تحالف جديد مع الراغبين، ثم أنشِئت شبكة تخضير النظام المالي في نهاية عام 2017. وفي البداية، كانت عضوية الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في الشبكة ضعيفة، لكنها اكتملت بعد انتخاب الرئيس جو بايدن. وانضم بنك الصين الشعبي إلى التحالف منذ البداية، وبدا لبعض الوقت أنه سيكون هناك إجماع بشأن الموقف المناسب للبنوك المركزية،

ولم يعد هذا هو الحال، إذ تم تشكيل معسكرين، ويبدو محتملاً أنهما سيبتعدان أكثر عن بعضهما البعض.

في المعسكر البني، إذا جاز التعبير، نجد رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي «جيروم باول»، ففي مؤتمر عُقد في «ستوكهولم» في وقت سابق من هذا الشهر، عبّر عن رأيه بصراحة، إذ أكد قائلاً: «نحن لسنا ولن نكون صانعي السياسة المناخية». وأضاف أن دمج اعتبارات تغير المناخ في سياسات الرقابة النقدية والمصرفية سيكون له تأثيرات توزيعية كبيرة وتأثيرات أخرى على الشركات، والصناعات، والمناطق، والدول. ويصر «باول»، الذي تأثر بلا شك بحقيقة أن مرشحة من مرشحي «بايدن» لمجلس الاحتياطي الفيدرالي اضطرت إلى الانسحاب بعد أن عارض الكونغرس وجهات نظرها بشأن تغير المناخ، على أن بنك الاحتياطي الفيدرالي لا ينبغي أن ينضم إلى الشبكة.

ومن بين الأشخاص الآخرين في المعسكر البني، هناك مارفين كينغ، محافظ بنك إنجلترا السابق، الذي يجادل بأن تحمل مسؤوليات المناخ «سيعرض استقلال البنك المركزي للخطر». ولا يمكن تخيل أي خطر أكبر من هذا على حياة الإنسان. وكان لأوتمار إيسينغ، أول من تولى منصب كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي، رأيه أيضاً في هذا الموضوع، فهو يصر على أنه لا يمكن أن يكون هناك ما يسمى بسياسة نقدية «خضراء».

لكنّ هناك مقاتلين أقوياء في المعسكر الأخضر أيضاً، إذ يشجع مارك كارني، الذي يؤدي مهمته بحماس منذ أن تولى قيادة بنك إنجلترا، البنوك المركزية على «دراسة كيفية مراجعة عمليات السياسة النقدية الخاصة بها لتكون أكثر اتساقاً مع أهداف المناخ التي تم تشريعها». ووصفت رئيسة البنك المركزي الأوروبي «كريستين لاغارد» التصدي لتغير المناخ بأنه «مهمة حرجة». وصمم فرانك إلدرسون، عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي المسؤول، «تحولاً» في خطط شراء سندات البنك بعيداً عن الشركات التي تطلق كميات كبيرة من الانبعاثات الكربونية، لصالح الشركات والصناعات الأكثر مراعاة للمناخ. ويصف البنك بأنه «واقعي حكيم»، وليس «ناشطاً بيئياً»، على الرغم من أن بعض المصرفيين الذين يشرف عليهم البنك المركزي الأوروبي قد لا يوافقون على ذلك، ويقول: «ستكون البنوك في طليعة التحول في مجال الطاقة والمناخ، سواء أرادت ذلك أم لا»، ويتمثل دور المشرف في تشجيع البنوك على إدارة محافظ قروضها مع وضع ذلك في الاعتبار.

وعلى صعيد السياسة النقدية، وصفت إيزابيل شنابل، ممثلة ألمانيا في مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، أخيراً، كيف ولماذا سيدرج البنك اعتبارات تغير المناخ في نهجه، فإضافة إلى «إزالة التحيز الحالي تجاه الشركات كثيفة الانبعاثات»، يخطط البنك المركزي الأوروبي لجعل «الإفصاحات المتعلقة بالمناخ إلزامية حتى تظل السندات مؤهلة لتُستخدم ضماناً في عمليات إعادة التمويل»، وهذا حب خشن.

ويبدو أن البنك المركزي الأوروبي لا يبالي بحجة «باول» بأن سياسة المناخ ليست للبنك المركزي، وهو يبرر نهجه بالإشارة إلى أن النظام الأساسي للبنك يتطلب منه دعم السياسات الاقتصادية للاتحاد الأوروبي، إضافة إلى الحفاظ على استقرار الأسعار. لكن النقاد يحذرون من أن البنك المركزي الأوروبي قد تُرفع دعاوى ضده قريباً في المحكمة لتجاوزه تفويضه.

وتشكل هذه الاختلافات في وجهات النظر مصدر قلق بالنسبة للبنوك، إذ هناك خطر واضح من أن اعتماد أساليب مختلفة في التصدي لمخاطر المناخ في الولايات القضائية المختلفة سيخلق تشوهات تنافسية، لذا يأمل المصرفيون أن يتطور بعض التقارب في وجهات النظر وفي القريب العاجل. وعادةً ما ينتج عن خلط الطلاء البني والأخضر معاً لون أخضر داكن، باهت؛ لون أشبه بلون الغابات الخضراء. ويمكن أن يكون هذا الحل المناسب. ولكن في الوقت الحالي، يبدو أن بنك الاحتياطي الفيدرالي مصمم على البقاء بعيداً عن الأخطار.

 

المصدر: صحيفة البيان

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر