الحزب الديموقراطي والحليف السعودي.. شواهد من التاريخ

التاريخ والوقت : الإثنين, 1 مايو 2017

 مي الشريف

 

نستطيع القول بعد انقضاء 100 يوم  تقريبا على حكم دونالد ترمب بأن العلاقات السعودية الأمريكية تتجه إلى مسارها الصحيح بعد سنوات أوبامية من البرود واختلاف في أولويات كلا البلدين.

    بدأت العلاقات السعودية الأمريكية سنة 1933م عندما  وقعت الحكومة  السعودية مع الشركة الأمريكية California Arabian Standard Oil Company  حقوق امتياز البحث عن النفط واستخراجه. وفي الحقيقة لم يكن للحكومة الأمريكية أي دور في هذ ا الامتياز، لكن على مر السنوات وبعد مكاسب امتيازات الشركات الأمريكية النفطية وحاجة الولايات المتحدة للنفط تغيرت شبكة المصالح السياسية واستوعبت الحكومة الأمريكية حينها الحاجة الملحة لكسب ود السعودية وضمها كحليف استراتيجي. ونستطيع القول أن العلاقات بدأت في التبلور سنة 1945م عندما طلب الرئيس الأمريكي روزفلت لقاء الملك عبدالعزيز على مدمرة ميرفي في البحيرات المرة في قناة السويس حيث دام الحديث لساعات، ليصرح الرئيس الأمريكي بعد عودته في خطاب ألقاه أمام مجلس الشيوخ : ” لقد تعلمت من ابن سعود، عاهل السعودية، عن مشكلة المسلمين بكاملها وعن مشكلة اليهود في خمس دقائق أكثر ما كنت سأتعلمه من خلال تبادل دزينة من الرسائل”. و على مر الثمانين عامًا الماضية بقيت السعودية وأمريكا على تحالف صامد رغم بعض الخلافات التي عصفت بالجانبين. و يعود ذلك بسبب تغير الملوك والرؤساء واختلاف الأجندة بين كل رئيس وآخر .

أما أسباب اختلاف الأجندات بين الرؤساء الأمريكيين فكان لاختلاف الأحزاب المنتمين لها. وينص الدستور الأمريكي على أن تجري الانتخابات الرئاسية كل أربع سنوات لانتخاب حاكم للبلاد, و بعد عدة مراحل يتم اختيار مرشحين من الحزبين الرئيسين وهما الحزبين الأكثر شعبية و تواجد “الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري”، ولكل حزب أجندة مختلفة عن الآخر والتي تؤثر على قرارات سياسية سيادية داخليًا وخارجيًا. فمهما ذكرنا أو سمعنا أن الولايات المتحد بلد مؤسساتي إلا أن للرئيس و حزبه تأثيراً في صناعة قرارات مصيرية.

جون كندي و انقلاب اليمن

    ولقد تبين من المواقف التاريخية العديدة أن مراحل الهبوط التي حدثت بين البلدين هي في الأغلب تحدث مع الرؤساء المنتمين للحزب الديمقراطي. فقد كان أوباما خير مثال ليبين اختلاف توجهات السعودية والديمقراطيين. و إذا رجعنا للخلف فلابد أن نشير إلى فترة الرئيس الأمريكي جون كيندي المنتمي للديمقراطيين وكيفية تعامله مع ملف انقلاب اليمن سنة ١٩٦٢م  والمدعوم من جيش جمال عبدالناصر لدعم الانقلاب على الملكية اليمنية. فقد تعامل جون كندي مع الملف اليمني كما تعامل أوباما مع الحرب السورية فكان يستنكر الانقلاب والهجوم المصري عبر احتجاجات وخطابية واهية دون دعم حقيقي للحليف السعودي.  فاحتد الموقف و توترت العلاقات في عالم ١٩٦٣م ليرسل الملك فيصل خطابًا شديد اللهجة للرئيس الأمريكي عبر فيها عن استنكاره وخيبة الأمل لتنصل الحكومة الأمريكية عن وعودها. واستمرت سياسة كندي “القريبة جدا من سياسة أوباما” طوال فترة رئاسته حتى يوم اغتياله.

كارتر ما بين معاهدة السلام والثورة الإيرانية

    أما في عهد كارتر المنتمي كذلك للحزب الديمقراطي،  أصيب الملك فهد بن عبدالعزيز “حينها كان وليا للعهد” بخيبة أمل عظيمة بسبب تجاهل أمريكا لوعودها التي سعت الحكومة السعودية لسنوات في سبيلها لاسترداد الأراضي العربية  التي احتلتها اسرائيل بعد حرب ٦٧ و في مقدمتها القدس الشريف.  ليعلن لاحقا عن نتائج قمة كامب ديفيد ليس كما اتفق عليه فكانت الحصة الفلسطينية مخيبة لآمال الحكومة السعودية. فحاولت واشنطن استعمال سلاح الاستثمار للضغط على الإسرائيليين لاسترضاء الحكومة السعودية فجرت معاهدة استرجاع الضفة الغربية وغزة. ولكن استمرت حالة الفتور بين الطرفين. وفي يناير من عام ١٩٧٩م خفضت السعودية إنتاجها من النفط كإشارة إلى الامتعاض من السياسات الأمريكية نحو عملية السلام ومن ثم إلغاء رحلة الملك فهد بن عبدالعزيز “حينها كان وليا للعهد” في فبراير من السنة ذاتها كيلا يشارك في الجهود الواهية التي تدعيها أمريكا في سعيها للسلام، و عندما زعمت أمريكا، في تفسير رسمي، أن الإلغاء يرجع  إلى أسباب صحية أصدرت الحكومة السعودية نفيًا رسميًا لذلك. أما، بعد سقوط شاه إيران فقد انزعجت الحكومة السعودية عندما علمت أن أميركا تحاول التعاون مع النظام الإيراني الجديد الذي أثبت للحكومة السعودية أن حكومة كارتر لا تسعى إلا لمصالحها دون أدنى اهتمام بأي حليف استراتيجي لأمريكا. و لكن تلك المساعي الأمريكية توقفت في ٤ نوفمبر ١٩٧٩م عندما هاجم طلاب إيرانيون مؤيدون لثورة الخميني السفارةَ الأمريكية في طهران، واحتجزوا فيها ٥٢ أميركيا ليؤدي هذا العمل الإرهابي إلى انقلاب في السياسة الأمريكية مع إيران.

كلينتون بين النفط و السلام

”     تنويع مصادر النفط” كوسيلة لحماية مصالح الولايات المتحدة. هذا ما صرح به بيل كلينتون بوضوح أثناء حملته الانتخابية للرئاسة التي فاز بها لاحقًا. فسعت الولايات المتحدة إلى استيراد النفط من عدة دول في العالم وذلك للخفض من اعتمادها على نفط الخليج وهذا أثر سلبيا على اقتصاد السعودية حتى وصل استيراد الأمريكي لنفط السعودية ١٧٪ عام ١٩٩٥م . وفي عام ١٩٩٩ أدت نتيجة التذبذب في طلب النفط إلى تقلص الأسعار فكان الأسوأ في الخمسين سنة الماضية. فانشغلت السعودية بأزمتها الاقتصادية حينها دون الاهتمام بتقوية علاقاتها مع الولايات المتحدة.

    أما عملية السلام في الشرق الأوسط فقد رأت إدارة كلينتون أن السعودية ليس لها مكان في عملية السلام بعكس ما كان ريغان ينظر للسعودية على أنها مفتاح السلام بين إسرائيل والدول العربية. ومع سنوات كلينتون تزايد الغضب السعودي بشأن السلام في المنطقة وحتى بعد تولي الرئيس الأمريكي و الجمهوري جورج بوش الابن فقد رفض الملك عبدالله “حينها كان وليا للعهد” سنة ٢٠٠١م دعوة لزيارة الولايات المتحدة ردا على السياسات الأمريكية في عهد كلينتون حتى تدخل جورج بوش الأب في مكالمات لمحاولة تهدئة الموقف السعودي والأمريكي.

إرث أوباما في شرق أوسط ممزق

”     إذا أردت أن تعرف إرث أوباما فانظر إلى ما يحدث في حلب” هذا ما ناقشته كثير من المواقع السياسية والصحف الأمريكية بصيغ مختلفة، منها: ” نيويورك تايمز، واشنطن بوست، بريتبارت”. فهناك عدة مواقف اتخذتها إدارة أوباما سببت توترا حادا بين الحكومتين. فقد كانت سياسة أوباما منذ عام ٢٠١١م  في الشأن السوري سياسة متعثرة بعيدة عن الحزم والجدية وساعدت  على ظهور كثير من الحركات الإرهابية كداعش والنصرة وغيرها. أما المسألة الأخرى فهي تقارب إدارة أوباما والحكومة الإيرانية التي استنكر لها حتى كبار سياسيين أمريكا ومن ثم التوقيع على الاتفاق النووي. فالحكومة الإيرانية هي المتهمة الأولى بدعم انقلاب الحوثيين على الرئيس اليمني والمشاركة في دعم الأسد على قتل شعبه منها مجازر هزت العالم  ولم تستدعي من أوباما إلا إنكارا خاطفا ووهميا. فقد كانت إدارة أوباما تتعامل مع تزايد النفوذ الإيراني في المنطقة بعدم المبالاة والسعي لإتمام الاتفاق النووي التي يعتبرها الكثير خطأ كبيرا.

    هناك أسبابا أخرى أدت لفتور العلاقات كتعطيل عملية السلام بين إسرائيل وفلسطين التي لم تتحرك خطوة إلى الأمام طوال فترة أوباما و كذلك تعامل الإدارة الأوبامية مع الثورات العربية.

    لا أحاول هنا تضخيم مساوئ الحزب الديمقراطي أو اتهامه بالضعف. فهذا غير صحيح فقد حدثت أحداث وحروب عالمية بتوقيع من رؤساء الحزب الديمقراطي منها مشاركة أمريكا في الحرب العالمية الثانية في عهد روزفلت, وفي عهد الرئيس ترومان الذي وقع على قرار استخدام السلاح النووي ضد اليابان النووية. و أخيرا، بيل كلينتون الذي شارك في إنهاء مأساة حرب كوسوفو. و لكن يؤخذ على الديمقراطيين التهاون في اتخاذ القرارات وعدم التمسك بحلفاء الحكومة الأمريكية مقارنة مع الحزب الجمهوري الذين يسعون دومًا إلى إبراز حرصهم على العلاقات مع الحلفاء.

في المقال المقبل سيتم تناول مراحل الصعود الجمهوريين مع الحكومة السعودية.

باحثة سياسية*

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر