“الحزام والطريق” يواجه لحظات حرجة في باكستان

التاريخ والوقت : الإثنين, 26 أغسطس 2019

عبدالخالق بنهير

 

كثيرًا ما كان الموقع الجغرافي لباكستان بجنوب آسيا على الحدود مع الدول الرئيسة في وسط وغرب آسيا، يمثل نقطة عبور رئيسية، كما كان أحد العوامل الرئيسية في تعزيز الأهمية الاستراتيجية لباكستان هو سواحلها الطويلة التي تبلغ حوالي 1046 كيلو مترًا على بحر العرب وخليج عمان.

وباكستان هي سادس أكثر بلدان العالم من حيث السكان الذين يبلغ تعدادهم 210 ملايين نسمة.

ومع ذلك، فإن جارتها الهند، التي حصلت على الاستقلال عام 1947، لم تعترف بعد بباكستان كدولة ذات سيادة. إذ تزعم إسلام أباد أن الهند احتلت كشمير في عام 1947 من خلال نشر جيشها في إقليم جامو وكشمير ضد إرادة معظم السكان الذين يعيشون بها.

في عام 1948، حاولت الأمم المتحدة حل النزاع الإقليمي حول كشمير بين الدولتين الجديدتين من خلال قرار أصدرته ينص على ضرورة إجراء استفتاء في كشمير الواقعة تحت سيطرة الهند، من أجل منح السكان المقيمين في هذه المنطقة حق إبداء الرأي بشأن الدولة التي ينبغي للمنطقة أن تكون عليها. وبعد مرور واحد وسبعين عامًا، لا يزال أهالي جامو وكشمير ينتظرون فرصة لممارسة حقهم في تقرير المصير. فالهند ليست مستعدة لإجراء الاستفتاء، وبدلاً من ذلك كانت تحاول خلسة توسيع المنطقة التي تحتلها في كشمير.

وفي عام 1983، زادت التوترات على الحدود بشكل كبير، حيث استولت القوات الهندية فجأة على مرتفعات سياتشن الجليدية. وردًا على ذلك، نشرت باكستان قوات في نهر سياتشن الجليدي للحيلولة دون حدوث المزيد من التقدم الهندي. ومنذ ذلك الحين يحافظ كلا البلدين على موقفهما في محيط نهر سياتشن.

وفي عام 1998، أجرت الهند تجربة نووية، أسفرت عن مزيد من الضغط على باكستان التي فكرت في الرد بالمثل لردع العدوان الهندي في جنوب آسيا، حيث أجرت إسلام آباد هي الأخرى تجربة نووية، وكان هناك قدر كبير من القلق بشأن اندلاع حرب نووية على كشمير. وفي عام 2002، زادت الهند من حدة التوتر من خلال نشر جيشها على طول حدودها لمدة عام واحد.

وتزعم باكستان أن الهند كانت تقدم أيضًا الدعم المالي والتدريب العسكري للمجموعات المتمردة مثل جيش تحرير البلوش (BLA)، الذي يوجد في معسكرات تدريب عسكرية بأفغانستان بالقرب من الحدود الباكستانية في منطقة بلوشستان.

وحاليًا تتهم باكستان الهند بمحاولة تعطيل بناء الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني (CPEC)، الذي تستخدم فيه أفغانستان كمنصة انطلاق لشن هجمات ضد أهداف مدنية وعسكرية في باكستان.

ويعد ذلك الممر محور البرنامج الرئيسي لـ”مبادرة الحزام والطريق” الصينية في باكستان. وحتى الآن استثمرت بكين أكثر من 46 مليار دولار أميركي في مشاريع على طول ذلك الممر، بهدف تحديث البنية التحتية الباكستانية بسرعة وتعزيز اقتصادها من خلال بناء شبكات النقل الحديثة، ومشاريع الطاقة، وتطوير المناطق الاقتصادية الخاصة في شرق وغرب باكستان.

وتقول مصادر في باكستان إن وكالة الاستخبارات الهندية، فرع  الأبحاث والتحليل (R&AW)، تحاول تعطيل مشروعات ذلك المحور. فقد تمَّ اعتقال “كولبوشان سودهير جادهاف”، قائد البحرية الهندية، من قبل وكالات إنفاذ القانون الباكستانية في مقاطعة بلوشستان المجاورة لإيران. إذ تزعم السلطات الباكستانية أن “جادهاف” شارك في أنشطة تخريبية تهدف إلى تقويض مشاريع الممر في باكستان.

وقد رفعت الهند قضية القائد “جادهاف” إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي بعد أن حكمت عليه محكمة عسكرية في باكستان.

وفي 27 فبراير من هذا العام، تزايد مستوى التوترات عندما شنت الهند غارات جوية على باكستان بعد أن أسقط سلاح الجو الباكستاني طائرتين مقاتلتين تابعتين للقوات الجوية الهندية واستولت على طيار هندي يعمل قائدًا لجناح “أبهي ناندان”.

وفي ضوء اتفاقية فيينا، وكبادرة حسن نية، قامت الحكومة الباكستانية بتسليم “ناندان” إلى المفوضية العليا الهندية في نقطة “واجاه” الحدودية.

وبعد الضربات الجوية في فبراير الماضي، غيرت الهند استراتيجيتها في باكستان، واتجهت نحو تكتيكات حرب الجيل الخامس التي تستهدف الأفراد العسكريين فقط من أجل الحد من الدعم المدني للحكومة الباكستانية.

فالهند ترفض حاليًا استئناف الحوار مع باكستان حول قضية كشمير. وبدلاً من ذلك، تحاول خلق انقسام بين شعب باكستان عن طريق التحريض على شن هجمات ضد الجيش في كشمير وبلوشستان.

كما أن الهند متهمة حاليًا بمحاولة تعطيل الطريق الغربي للمحور الذي يجري إنشاؤه، والذي يمر عبر مقاطعة بلوشستان الإيرانية ومقاطعة خيبر باختونخوا (KP)، من خلال تشجيع الهجمات الإرهابية في بلوشستان وإقليم كي بي.

وفي مدينة غوادار استهدف أخيرًا فندق بير كونتينينتال Pearl Continentalمن أجل تعطيل عمل المحور والضغط على باكستان من خلال فريق العمل المالي، وصندوق النقد الدولي، وغيره من المؤسسات الدولية الأخرى.

وخلال الشهر الماضي تزايدت حدة التوترات، وبخاصة مع وصول حاملة الطائرات الأميركية “أبراهام لنكولن” إلى الخليج العربي لحماية ناقلات النفط الأميركية التي تمر عبر مضيق هرمز، والخليج العربي إلى خليج عمان.

وكذلك تتزايد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران خلال الفترة الأخيرة، حيث تتعرض المزيد من الناقلات للهجوم والاستيلاء عليها من قبل أطراف مجهولة. ففي 12 يونيو، تمَّ استهداف ناقلتين نفطيتين بالقرب من خليج عمان. وألقت الولايات المتحدة باللوم على إيران، وقيامها بنشاط تخريبي في خليج عمان، وأنكرت طهران مسؤوليتها عن هذه الحوادث.

وقال وزير الدفاع الأميركي “باتريك شنهان” أن “الجنرال ماكنزي في القيادة المركزية الأميركية يراقب كافة الأنشطة التي تجري في الخليج العربي”.

وقد أبلغت كل من روسيا والصين الولايات المتحدة الأميركية بضرورة تبني سياسة ضبط النفس في الخليج العربي، لأن السيناريو الحالي في الشرق الأوسط يثير قلق المنطقة بأسرها.

ذلك أن أي تصعيد يحدث من شأنه أن يؤثر بشكل خطير على كافة منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وجنوب آسيا وإفريقيا.

ووفقًا لتقارير أخبارية أخيرة، فقد أسقطت إيران طائرة أميركية بدون طيار بالقرب من مضيق هرمز.

وفي الآونة الأخيرة، قام رئيس وزراء اليابان بزيارة إيران لمحاولة تهدئة الوضع المتدهور في الشرق الأوسط، والذي أصبح خطيرًا على المنطقة بأسرها، ذلك أن أي خفض في إمدادات النفط سيؤثر على المنطقة كاملة.

كما أن باكستان تدرس الخطوات الضرورية في الشرق الأوسط من خلال القنوات الدبلوماسية لتهدئة المأزق الحالي بين الولايات المتحدة وإيران. إذ من مصلحة إسلام آباد أن تبقى محايدة إذا كانت الولايات المتحدة تخطط لتصعيد حدة نزاعها مع إيران.

ثم إن أي تصعيد للنزاع سيضر المنطقة قاطبة، وبخاصة المحور الذي يجري تدشينه حاليًا.

لذلك، فقد حان الوقت الآن لباكستان أن تعيد النظر في جميع الخطط والاستراتيجيات لتوحيد شعب المنطقة المحيطة بمشروعات “الحزام والطريق” وحمايتها من خلال المراقبة الاستخباراتية اليقظة.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: آسيا تايمز

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر