الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين لن تنهي شبكات الجيل الخامس الأميركية

التاريخ والوقت : السبت, 17 أكتوبر 2020

هارولد فورتشتجوت روث، وكريك آر آرنر

 

في أثناء الحرب العالمية الأولى كان يسود اعتقاد بأن تلك الحرب هي “الحرب التي ستنهي كل الحروب”. وبينما أسفرت الحرب عن العديد من النتائج، فإن إنهاء كل الحروب لم يكن إحدى نتائجها. إننا نتذكر هذا الفشل ونحن نراجع الحروب التجارية الحالية في جميع أنحاء العالم.

فمن خلال الحروب التجارية، تسعى البلدان إلى تصحيح بعض الأخطاء، مثل انتهاكات حقوق الإنسان، والفشل السياسي، وسرقة الملكية الفكرية، من خلال فرض تعريفات جمركية وحظر سلع معينة مستوردة من دول أجنبية. ومن خلال رفع تكلفة السلع المستوردة، يُفترض أيضًا أن يتم تحديد التعريفات بين الشركات المحلية والشركات الأجنبية المتورطة في ارتكاب مخالفات. وبدورها قد تؤدي التعريفات المرتفعة إلى زيادة الطلب على الصناعة المحلية، مما قد يؤدي إلى توظيف المزيد من العمالة المنزلية.

ويمكن أن تكون تلك التعريفات أداة قيّمة قصيرة المدى لإقناع شركاء التجارة الدولية بتغيير أساليبهم. ويبدو أن هذا هو الحال مع التهديد الأميركي الأخير باستخدام التعريفة الجمركية ضد حلفاء مقربين، مثل: كندا، والمكسيك، والاتحاد الأوروبي. فقد تمَّ تجنب الحروب التجارية مع هذه الدول إلى حد كبير.

لكن التعريفات الجمركية المتصاعدة والتعريفات المضادة مع الصين ليس لها أي مظهر من مظاهر التملق على المدى القصير. فبداية نجد أن المخاوف الأميركية بشأن سلوك الحكومة الصينية ليست قصيرة الأجل ولا يمكن حلها بسهولة. فعلى مدى السنوات القليلة الماضية، استجابت أميركا لانتهاكات الصين لحقوق الملكية الفكرية للأميركيين، وانتهاكات حقوق الإنسان الصينية، وغيرها من الأضرار التي لحقت بالتجارة الدولية في البلاد بطرق متنوعة. لقد تمَّ حظر استيراد بعض السلع والخدمات الصينية، وتمَّ فرض تعريفات جمركية على السلع الأخرى، وحظر شراء المستثمرين الصينيين لبعض الشركات الأميركية.

كما حُدَّت حتى بيع العمليات الأميركية لشركة “تيك توك” TikTok، الصينية للشركات الأميركية.

ومن الناحية السياسية، فإن الحروب التجارية باتت هي المنتصرة في النهاية. فمن هو المسؤول الأميركي المنتخب الذي لا يريد أن “يضع العمال الأميركيين أولاً؟”. وعلاوة على ذلك، فمن المهم أن تتخذ الحكومة الأميركية موقفًا واضحًا ومتسقًا بشأن حقوق الإنسان، والحفاظ على الأسواق التنافسية، وحماية الملكية الفكرية في الداخل ومع الشركاء التجاريين في الخارج.

لكن من الناحية الاقتصادية، غالبًا ما يكون للحروب التجارية، مثل الحروب الأخرى، خسارة أكثر بكثير من الربح. فالأميركيون ليسوا مجرد عمال. إنهم مستهلكون أيضًا. ففي حين أن الحروب التجارية قد تفيد آلاف العمال الأميركيين في الصناعات المتضررة، إلا أنها تضر مئات الملايين من الأميركيين الذين يواجهون خيارات أقل وأكثر تكلفة للسلع والخدمات في السوق. ففي الواقع، غالبًا ما تكون تعريفات الاستيراد مجرد ضرائب على المستهلكين المحليين.

كما أن هناك نطاق واسع من الضرر. إذ تقاس الاقتصادات بقيمة المعاملات التي تحدث بداخلها. فالحروب التجارية تضر بالاقتصادات من خلال تقليص المبلغ الإجمالي لهذه المعاملات، وكذلك من خلال رفع تكاليف إجرائها.

وتتعاظم هذه الأضرار في الاقتصادات المبنية على التغير التكنولوجي السريع. فعلى سبيل المثال، وفي ظل غياب التجارة الدولية، سيكون من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تطوير وتصنيع أجهزة إلكترونية جديدة في أميركا تعتمد على معادن تتطلب أرضية نادرة يتم تعدينها بشكل أساسي في الصين. وبالمثل، فبدون التجارة، يصعب تطوير أجهزة إلكترونية جديدة في الصين تعتمد على الرقائق الدقيقة التي تنتجها الشركات الأميركية. لذلك يجب على قادة الحكومات الموازنة بين الفوائد السياسية المحتملة للحرب التجارية والخسائر الاقتصادية شبه المؤكدة. وربَّما كان أبرز وأحدث مثال على هذا التفاعل بين التكنولوجيا والتجارة، هو حظر الولايات المتحدة لشركة هواوي Huawei الصينية. وهي أكبر مُصَنِّع لمعدات الاتصالات في العالم. وبالتالي، فهي أيضًا رائدة في تطوير تقنيات الجيل الخامس G5 اللاسلكية. إذ جعلت الحكومة الصينية تطوير تقنية الجيل الخامس أولوية وطنية، ومعظم الصين لديها إمكانية الوصول إلى نسخة أولية من هذه التقنية، قبل الولايات المتحدة. كما قد يعتقد المرء أن المستهلكين الأميركيين وشركات الاتصالات السلكية واللاسلكية قد يتضررون من الحظر الأميركي على معدات “هواوي”،  خاصة عندما يفكر المرء في الحاجة إلى تطوير شبكات الجيل الخامس الأميركية القادرة على المنافسة دوليًا.

ولحسن الحظ، فإن “هواوي” ليست المورد الوحيد في العالم لمعدات الجيل الخامس. فقد أعلنت شركة “فيريزون” Verizon، مؤخرًا، عن شراء معدات لشبكات الجيل الخامس بمليارات الدولارات من شركة “سامسونج” Samsung، وهي شركة كورية. كما يبيع مزودو معدات الشبكات الأوروبية مثل نوكيا Nokia وإريكسون Ericsson مجموعات كاملة من معدات الجيل الخامس. وفي الوقت نفسه، تعمل العديد من الشركات، من خلال شبكة الوصول إلى الراديو المفتوح، أو تحالف “وهران”، على تطوير معايير لهندسة شبكات الجيل الخامس القائمة على البرمجيات والمفتوحة لهذه الشبكة، حيث يقل اعتمادها على موردي المعدات أحادية المصدر. لكن من الملاحظ أن الحرب التجارية الأميركية مع الصين لا تضع أي قيود على قدرة الشركات الكبرى فيما يخص شراء معدات الجيل الخامس من سامسونج ونوكيا وإريكسون، أو أي من الشركات المشاركة في تحالف “وهران”.

ولا يعني أيٌّ من كل ذلك أن المستهلكين الأميركيين للشبكات اللاسلكية لن يتضرروا من الحرب التجارية مع الصين، أو أن الجودة والقدرة التنافسية والتنفيذ في الوقت المناسب لشبكات الجيل الخامس الأميركية لن يتم المساس بها نتيجة لذلك. ولكن على الأقل في الوقت الحالي، بفضل التجارة المفتوحة مع البلدان الأخرى، فإن نشر شبكات الجيل الخامس من قبل شركات النقل الأميركية الكبرى يسير على قدم وساق مع المنافسين الدوليين. ومثل الحرب العالمية الأولى، قد لا تكون حرب أميركا التجارية مع الصين هي الحرب التجارية التي ستنهي جميع الحروب التجارية. كما أنه لحسن الحظ، لم تكن هذه نهاية التجارة الدولية أيضًا.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: Hudson Institute

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر