الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين: تصعيد بلا نهاية في الأفق

التاريخ والوقت : الأحد, 19 مايو 2019

هونغ تران

 

رفعت الولايات المتحدة في العاشر من مايو الجاري التعريفات الجمركية على وارداتها من الصين من 10%إلى 25% بما يعادل نحو 200 مليار دولار، وهو ما يؤثر على حوالي 5700 فئةٍ من السلع التي تُغطي ثلث السلع الرأسمالية والاستهلاكية. لكن لن يتم تطبيق معدل التعريفة الجمركية الجديد البالغ 25% على البضائع العابرة، التي خرجت من الصين قبل 10 مايو ووصلت إلى الولايات المتحدة قبل 1 يونيو؛ ما يعني تأخر التأثير الاقتصادي لهذا التدبير نحو بضعة أسابيع، وهو ما يعدُّ أمرًا مفيدًا، وذلك  بالنظر إلى الموعد النهائي للولايات المتحدة قبل شهر واحد من فرض تعريفة بنسبة 25% على الواردات الصينية المتبقية والبالغة 300 مليار دولار.

وفي مقابل التعريفات الأميركية، أقدمت الصين على رفع التعريفات إلى 25٪ على واردات بقيمة 60 مليار دولار من الولايات المتحدة. وستدخل هذه التعريفات حيز التنفيذ في الأول من يونيو. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن للصين استخدام وسائل غير جمركية لزيادة خفض الواردات الأميركية، من مثل توجيه الشركات المملوكة للدولة بعدم شراء سلع أميركية، وجعل عمل الشركات الأميركية أكثر صعوبة في الصين. فعلى سبيل المثال، انهارت صادرات الولايات المتحدة من فول الصويا والحبوب إلى الصين منذ سبتمبر 2018، فقامت الصين بالانتقام من الرسوم الجمركية الأميركية. لكن زيادة الحواجز غير الجمركية ستجعل الأمرَ أكثر غموضًا ويصعب تقدير تأثيره.

وقد قالت وزارة التجارة الصينية إنها “تأسف بشدة لقرار الولايات المتحدة، وإنه من المتعين على بكين أن تتخذ التدابير المضادة اللازمة، لكنها تأمل في أن يتمكن الجانبان من حل القضية بالحوار والوصول إلى حل وسط”.

مفاوضات مطولة

على الرغم من هذا التصعيد، وافقت كل من الولايات المتحدة والصين على مواصلة الحوار، مع أنه لم يتم تحديد موعد انعقاد اجتماع المقبل. ويبدو أن هناك مجالاً لحل وسط بشأن العديد من القضايا، مثل: “حماية حقوق الملكية الفكرية” (IP)، والنقل القسري للتكنولوجيا، والالتزامات الصينية بشراء المزيد من السلع الأميركية. وقد عدلت اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني ثلاثة قوانين في أواخر أبريل (قانون العلامات التجارية، وقانون مكافحة المنافسة غير العادلة، وقانون الترخيص الإداري)، وذلك من أجل تعزيز حماية حقوق الملكية الفكرية، على أنه بالإمكان تعديل هذه القوانين مرة أخرى، إذا لزم الأمر. وعلاوة على ذلك، فقد زادت مدفوعات “الأتاوات” الصينية لأصحاب الملكية الفكرية العالمية بشكل كبير من 1.4 مليار دولار في عام 1999 إلى 27.2 مليار دولار في عام 2017، وهي تأتي في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة بأكثر من 40 مليار دولار، إذ يمكن أن تستجيب “بكين” لضغوط الولايات المتحدة بالبدء في الاحترام الكامل لجميع حقوق الملكية الفكرية بزيادة مدفوعات حقوق الملكية.

ومن ثَمَّ، فإن التوصل إلى اتفاق بشأن قضيتين أساسيتين سيكون أكثر صعوبة، أولاهما هي الإعانات التي تقدمها الحكومة الصينية للشركات المملوكة للدولة، وبخاصة في القطاعات الاستراتيجية، كتلك المحددة في خطة تطوير “صنع في الصين 2025″؛ فقد قدَّر مكتب الممثل التجاري الأميركي أن هذه الإعانات تصل إلى 500 مليار دولار، وأنه يتم منح مزايا غير عادلة للشركات الصينية في الولايات المتحدة وغيرها من الجهات الفاعلة في الأسواق المحلية والدولية. ونظرًا لأن هذه الإعانات تقع في قلب النظام الاقتصادي والسياسي الصيني، نجد أنه من الصعب رؤية الصين توافق على أية تغييرات ذات معنى. ربَّما تصل التوقعات إلى أكثر من ذلك وهو الالتزام بتحسين إمكانية الإفصاح، وفقًا لمتطلبات منظمة التجارة العالمية بأن تقوم الدول الأعضاء بإخطار المنظمة بأي دعم للشركات المملوكة للدولة (التي اتهمت واشنطن الصين بعدم احترامها).

أمَّا الأمر الثاني فيتعلق بمسألة التنفيذ، حيث يمكن أن يكون هناك اتفاق حل وسط بشأن آلية متناظرة؛ إذ يمكن لكل من الولايات المتحدة والصين مراقبة مدى الالتزام بالاتفاقية، والتواصل فيما بينهما،واتخاذ تدابير وقائية. ومن ثَمَّ، ينبغي أن يكون هناك نظام إنفاذ أحادي الجانب، وبموجبه يمكن للولايات المتحدة فقط أن تحتفظ بمعظم التعريفات الحالية، إن لم يكن جميعها، إذ يمكن أن تفرض رسومًا إضافية إذا تمَّ الإقرار بأن الصين لا تمتثل لأي اتفاق، دون أن تتمكن “بكين” من اتخاذ رد فعل انتقامي بما يشكل تحديًا لسيادة الصين وسيكون صعبًا جدًا على قيادتها قبوله، خاصة على خلفية المشاعر القومية المتصاعدة. ويبدأ هذا العام سلسلة من الاحتفالات بالذكرى السنوية الهامة للصين والرئيس الصيني “شي جين بينغ” مثل حركة شباب الرابع من مايو عام 1919 التي انطلقت من الكفاح الصيني ضد الاستعمار، وتأسيس الحزب الشيوعي الصيني في عام 1921، وكذلك تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949.

وستظل المفاوضات التجارية بين الولايات المتحدة والصين مطولة مع احتمال حدوث مزيد من التوتر. بالإضافة إلى الرسوم الجمركية، حيث يخطط كل من الكونجرس والإدارة لمجموعة من التدابير الرامية إلى تشديد الرقابة على الصادرات وتقييد الاستثمار الأجنبي من جانب الصين، خاصة في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والتكنولوجيا، ذلك أن تنفيذ هذه التدابير من شأنه أن يزيد التصادم مع الصين.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تندلع العقوبات الأميركية، خاصة على إيران وفنزويلا وكوبا، في إطار المواجهات مع الصين (مثل القضية المثارة ضد كبير المسؤولين الماليين في شركة هواوي “منغ وانزهو” الذي يخضع لإجراءات التسليم في كندا). وباختصار، فمن المتوقع أن يستمر التوتر والاحتكاك بين الولايات المتحدة والصين في المستقبل المنظور.

تأثير الحرب التجارية

كلما طالت مدة التعريفة الجمركية والتوترات التجارية، فمن المتوقع أن يزيد الضرر الذي لحق بالاقتصادات الأميركية والصينية والعالمية. وحتى تلك اللحظة، فقد كان للتعريفات الأميركية تأثير متواضع على النمو الاقتصادي. حيث ارتفعت إيرادات التعريفة الأميركية إلى 75 مليار دولار في الربع الأول من عام 2019 على أساس سنوي. وكان متوسط ​​نطاق إيرادات التعريفة السنوية يتراوح بين 30 و40 مليار دولار بين عامي 2010 و 2018. وكثيرًا ما قال الرئيس الأميركي “دونالد ترمب” إن إيرادات التعريفة الجمركية تعدُّ أمرًا جيدًا، وإنها ساهمت في إثراء الولايات المتحدة. وهذا يمثل نصف الحقيقة؛ فقد تلقت وزارة الخزانة الأميركية المزيد من العائدات، ولكن في الأساس كان ذلك نتيجة للزيادة الضريبية على الشركات والمستهلكين الأميركيين الذين يدفعون جميع الرسوم الجمركية تقريبًا، وليس المنتجين الصينيين (الذين يعانون بسبب انخفاض المبيعات نتيجة لانخفاض المبيعات والقدرة التنافسية لمنتجاتها في سوق الولايات المتحدة). ومن المحتمل أن تعوض زيادة ضريبة المبيعات “الخفية” ما تبقى من التأثير التحفيزي للتخفيضات الضريبية التي قدمتها إدارة “ترمب” في عام 2017. ومن الأمثلة الملموسة على مقارنة “التكلفة – الفائدة”، فقد ارتفع سعر الغسالات في الولايات المتحدة بنسبة 12% منذ تعريفة يناير 2018. ويقدر تأثير ارتفاع الأسعار بأنه تمَّ تكليف المستهلكين الأميركيين 1.5 مليار دولار إضافي، أو ما يقرب من عشرين ضعفًا من إيرادات التعريفة الإضافية على أساس سنوي.

فالتعريفة الجمركية الجديدة البالغة 25% تبلغ قيمتها 200 مليار دولار من الواردات من الصين، إذا تمَّ الإبقاء عليها لمدة عام كامل، وهو ما من شأنه أن يحد من نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بمقدار ربع نقطة مئوية في الولايات المتحدة، وثلاثة أرباع نقطة في الصين؛ فإذا فرض “ترمب” تعريفةً بنسبة 25% على الواردات المتبقية والبالغة 300 مليار دولار من الصين، فإن التأثير السلبي على النمو سيكون ضعيفًا. وعلى الرغم من أن التأثيرات السلبية تستغرق وقتًا طويلا، فإن تباطؤ النمو وتراجع أسواق الأسهم من شأنه أن يخلق حوافز بالنسبة لكلٍّ من “ترمب” و”شي” للسعي إلى حل وسط لتسوية النزاع. وبمعنى آخر، ينبغي أن تزداد الأمور سوءًا قبل أن تتحسن.

التأثير العالمي

ستؤثر الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين على الدول الأخرى بطريقة مختلطة ومعقدة، وهو ما يفيد البعض في إمكانية تحويل التدفقات التجارية والاستثمارية من أي من البلدين. فعلى سبيل المثال، استفادت البرازيل من الصين التي قلَّصَت من شراء فول الصويا والحبوب في الولايات المتحدة. وفي الربع الأول من هذا العام، شهدت فيتنام زيادة بلغت 80% في الاستثمارات الأجنبية المسجلة وزيادة بنسبة 26% في الصادرات إلى الولايات المتحدة (على أساس سنوي) بسبب التعريفات الأميركية على الصين. ووفقًا للأونكتاد، يمكن للشركات الأوروبية أن تتوقع أيضًا تصدير حوالي 70 مليار دولار إضافية إلى كل من الولايات المتحدة والصين، لتحل محل الموردين المتأثرين بالتعريفة الجمركية.

ومن ناحية أخرى، فإن البلدان والشركات المصدرة للسلع الرأسمالية والمدخلات الوسيطة إلى الصين ستعاني بسبب انخفاض الطلب. فعلى سبيل المثال، شهدت كوريا الجنوبية أربعة أشهر متتالية من انخفاض الصادرات، ولا سيَّما الصادرات المرتبطة بالموصلات إلى أكبر سوق لها بالصين. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن للحواجز غير التعريفية أن تلحق الضرر بالشركات الأخرى في البلدان الثالثة قبل وبعد اتفاق التجارة بين الولايات المتحدة والصين. وباختصار، عندما يشارك أكبر اقتصادين يشكلان حوالي 40% من إجمالي الناتج المحلي في العالم في حرب اقتصادية، فإن الاقتصاد العالمي يعاني أزمة.

الاقتصاد العالمي ممزق إلى شطرين

وأهم من كل ذلك، أن جهود الولايات المتحدة لتقييد تدفق المنتجات والتكنولوجيا المُقدَّمة إلى الصين، للحد من استخدام تكنولوجيا “الجيل الخامس” الصينية من خلال مقاطعة شركة الاتصالات العملاقة “هواوي”، وعكس اتجاه سلاسل الإمداد العالمية وإعادة توطينها، يمكن أن تبدأ في تجزئة الاقتصاد العالمي في المجالات التي تقودها الولايات المتحدة والصين، مع تداعيات ضخمة محتملة للنمو والازدهار المستدام للعالم.

وأخيرًا، ينبغي للمجتمع الدولي أن يكون أكثر قلقًا بشأن الوضع الحالي، وأن يكون أكثر نشاطًا في إيجاد طريقة لإشراك الحكومتين، إذ لا يزال لدى واشنطن وبكين الوقت الكافي للتراجع عن حافة الهاوية.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: المجلس الأطلنطي

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر