الجغرافيا السياسية لمشكلة التاميل في سريلانكا

التاريخ والوقت : السبت, 17 أكتوبر 2020

إم. بهادراكومار

 

لقد تَبَيَّن أن القمة الافتراضية التي عقدت بين رئيس الوزراء الهندي “ناريندرا مودي” ونظيره السريلانكي “ماهيندا راجاباكسا” كانت سريالية أو غير واقعية إلى حد ما. فقد كانت القمة هي الأولى من نوعها التي يعقدها “مودي” مع زعيم من جنوب آسيا، وكانت التوقعات مرتفعة، لكن التصدعات بدأت تظهر.

ففيما يتعلق بالقضية الأساسية لمشكلة التاميل السريلانكيين، جاء في البيان المشترك الصادر بعد القمة التي عقدت في 26 سبتمبر أنه: “دعا رئيس الوزراء مودي حكومة سريلانكا إلى تحقيق تطلعات شعب التاميل في المساواة والعدالة والسلام والاحترام في إطار سريلانكا موحدة، وذلك عن طريق المضي قدمًا في طريق المصالحة مع تنفيذ التعديل الثالث عشر لدستور سريلانكا. وقد أعرب رئيس الوزراء ماهيندا راجاباكسا عن ثقته في أن سريلانكا ستعمل على تحقيق توقعات جميع الجماعات العرقية بما في ذلك التاميل، من خلال تحقيق المصالحة التي يتم رعايتها وفقًا لتفويض شعب سريلانكا وتنفيذ الأحكام الدستورية”.

ومن الواضح أن “راجاباكسا” قد فشل في إعطاء أي التزام يتعلق بتنفيذ التعديل الثالث عشر الذي سنَّته الحكومة السابقة، التي وصلت إلى السلطة في عام 2015 بعد الإطاحة به. وبدلاً من ذلك، تحدَّث عن “توقعات كافة الجماعات العرقية بما في ذلك التاميل”، وصرح بعزمه على “رعاية” المصالحة الوطنية “وفقًا للتفويض” الذي حصل عليه في انتخابات فبراير الماضي والأحكام الدستورية ذات الصلة.

ومن المثير للاهتمام أن “راجاباكسا” لفت انتباه “مودي” أيضًا إلى “التفويض الهائل” الذي حصل عليه من الناخبين. وقال راجاباكسا: “من مسؤوليتنا العمل من أجل الجميع، ومع الجميع”. وباختصار، فقد نَقَل إلى “مودي” رسالة مفادها أن عملية المصالحة يجب أن تحظى بالقبول بين غالبية المجتمع السنهالي، مما يعني أن دلهي تسير في الطريق الخطأ. ومن المفارقات أن حكومة “مودي” تمارس أيضًا أيديولوجية “الأغلبية” داخل الهند.

فهناك بالفعل طلب من الأغلبية السنهالية بإلغاء التعديل الثالث عشر. ومع ذلك، قرَّر “مودي” المضي في نهجه. وعلى نحو فعال، رفض “راجاباكسا” مطلب “مودي” المؤكد بأن تنفيذ التعديل الثالث عشر “ضروري”.

لقد كان لمشكلة التاميل السريلانكيين بُعدٌ جيوسياسي تاريخي. فقد كانت الهند رائدة في هذا المجال الدبلوماسي. وقد اتخذ التدخل الهندي أشكالاً مختلفة في أوقات مختلفة. فمنذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، استخدمت دلهي مشكلة التاميل لعقد من الزمان من أجل الضغط على القيادة السريلانكية الموالية للغرب برئاسة “جيه آر جايواردين” (1978-1989). لكن كولومبو أظهرت مهارة ممارسة دبلوماسية نموذجية لمواجهة سياسات الهند التدخلية. وبحلول منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، تفوق “جايواردين” ببراعة على دلهي بإغرائها للتخلي عن دورها السابق كزعيم ومرشد لجماعات التاميل المتشددة، وفي هذه العملية تمَّ استنزاف دلهي بشدة لدرجة أنها أخرجت نفسها تمامًا من قضية الجنسية السريلانكية.

وخلال العقدين التاليين، احتلت الجغرافيا السياسية مكانة مهمة في الحسابات الهندية، التي ساعدت كولومبو بشكل كبير على هزيمة الجماعات الانفصالية التاميلية بحلول عام 2008 بعد 26 عامًا من الصراع.

وبين عشية وضحاها عادت الجغرافيا السياسية في عام 2014، بفضل عداء الصين للسياسة الخارجية لحكومة “مودي”. وفي يناير 2015، ولأول مرة في تاريخ سريلانكا، دبَّرت القوى الخارجية محاولة لتغيير النظام في كولومبو للإطاحة بالقيادة القومية القوية لـ”راجاباكسا” الذي كان يُنظر إليه على أنه “مؤيد للصين” في دلهي وواشنطن.

ومن السمات الفريدة لمحاولة تغيير النظام أن التاميل المنظمين في “التحالف الوطني للتاميل” كانوا متحمسين للإطاحة بحكومة راسخة بقيادة الجماعات السنهالية في كولومبو. وسيحمل التحالف الوطني للتاميل هذا الازدراء لفترة طويلة قادمة. ولم يكن من مصلحة التاميل تحديد ما كان يمثل مشروعًا جيوسياسيًا جوهريًا.

ففي الماضي، ورغم عدم جدوى مشروع تغيير النظام في عام 2015، قرَّرت دلهي وواشنطن مضاعفة جهودهما لمحاولة السيطرة على سريلانكا. وهو ما يرجع إلى أن عودة “راجاباكسا” إلى السلطة في كولومبو قد تزامنت مع اندفاع الاستراتيجية الأميركية والهندية تجاه منطقة المحيط الهندي والهادئ الأميركية الهندية لاحتواء الصين.

وتتمثل الأجندة الجديدة في جلب حكومة “راجاباكسا” إلى فلك الرباعي (أي التحالف الذي يجمع الولايات المتحدة واليابان والهند وأستراليا). لكن القوميين السريلانكيين غير مستعدين للانحياز إلى جانب الرباعية وبكين، كما هو الحال بالفعل في معظم البلدان في القارة الآسيوية.

ومن هنا جاء الاستخدام المتجدد لمشكلة التاميل لتكثيف الضغط على كولومبو. لذلك، فإن التدخل الإنساني في سريلانكا يسعى لتحقيق أجندة جيوسياسية. لكن “ماهيندا راجاباكسا” زعيمٌ منتخبٌ وديمقراطيٌ حصل على تفويض هائل بنسبة 71٪ من الأصوات، ولا يدين بشيء لدلهي أو واشنطن لعودته السياسية.

لقد كشفت القمة الافتراضية التي عُقِدَت الأسبوع الماضي أن القومية السريلانكية تواصل الكفاح ضد سياسة دلهي التدخلية. كما استجابت دلهي للمؤسسة الدينية السريلانكية بمنحة قدرها 15 مليون دولار “لتعزيز الروابط البوذية”، لكن كولومبو ستظل يقظة بشأن النوايا الهندية في التعامل مع رجال الدين البوذيين الأقوياء.

لذا، يجب أن يكون العمل على زعزعة استقرار الحكومة الذي جرى خلال الفترة 2014-2015 لا تزال حية في الذاكرة.

وتعتبر كولومبو في وضعٍ أفضل بكثير مقارنة بأي وقت مضى لمواجهة التدخل الأميركي الهندي في الشؤون الداخلية لسريلانكا. وبشكل عام، هناك تناقض واضح، ففي حين أن السياسات الخارجية لسريلانكا باتت مدفوعة باعتبارات جغرافية اقتصادية، نجد أن الأجندة التي تتبعها الهند والولايات المتحدة هي في الأساس جيوسياسية، كما أنها مستمدة من منظور أن الجزيرة تبدو حاليًا أشبه بـ”حاملة طائرات دائمة” وفقًا لمستشار سابق للأمن القومي الهندي.

ويعتبر إدماج مدينة “كواد” في منطقة المحيط الهندي ضرورة ملحة لاستراتيجية الولايات المتحدة تجاه منطقة المحيط الهادئ والهندي. فالوجود العسكري الأميركي في سريلانكا سيُمَكِّن الولايات المتحدة من تطوير ما يسمى “باستراتيجية سلسلة الجزر” من أجل السيطرة على الممرات البحرية للمحيط الهندي، التي تعتبر ذات أهمية حيوية للتجارة الخارجية للصين. فقد هدَّد كبار المسؤولين الأميركيين الحكومة السريلانكية منذ العام الماضي بأنه ما لم تتعاون مع الاستراتيجية الخاصة بمنطقة المحيط الهادئ والهندي، فإن سجلها في مجال حقوق الإنسان في الحرب ضد الانفصاليين التاميل خلال الفترة 2007-2008 سيكون ضدها وسيكون من الصعب مواجهته.

لا شك في أن قبول “راجاباكسا” دعوة “مودي” للقمة الافتراضية قد ارتبط باحتمال طرح مشكلة التاميل السريلانكيين في واجهة المحادثات الثنائية. وقد كان الرد جاهزًا. إذ ينبغي على دلهي أن تفكر مليًا إلى أي مدى ترتبط مصلحة الهند بالترويج لاستراتيجية الولايات المتحدة تجاه المحيط الهندي والهادئ، وجنوب آسيا.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: إنديان بانش لاين Indian Punch line

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر