التيارات الإسلامية ونظرية “الطوبة”

التاريخ والوقت : الأربعاء, 3 مايو 2017

هاني ياسين

 

ثمة نظرية تعرف في الأوساط الخاصة بالتيارات الإسلامية تسمى بـ” نظرية الطوبة”، يحتكم إليها قادة التنظيمات في أوقات كثيرة، للتدليل على ضرورة وحتمية السمع والطاعة بشكل عملي بعد إثبات وجوبه بالطرق النظرية.

فعندما تتفتح عين المريد الجديد في واحدة من هذه التنظيمات، يكون من أول ما يتلقاه من علم هو التأكيد على وجوب السمع والطاعة، وقد أعدت الكتب و المصنفات والأبحاث التي تدرسها لأعضائها وتحفظ لدى البعض الآخر منهم عن ظهر قلب، مستعينين بذلك بالعديد من آيات القرآن والأحاديث النبوية المطهرة، وأقوال وأفعال الصحابة والتابعين وغيرهم للتأكيد على ما يذهبون إليه من وجوب السمع والطاعة.

قصة رمزية تتردد بين الحين والحين في أوساط هذه التيارات والجماعات، هي الجزء العملي الذي يأتي بعد الدراسة النظرية في مبدأ السمع والطاعة الذي تقوم عليه هذه الكيانات، تقول القصة: أن اثنين من البنائين، يشيد كل منهما جداراً، الأول يمسك لبنة من “الطوب” فيضعها في مكانها، ويمسك الأخرى فيضعها بجوار أختها، والثالثة يضعها فوقهما، وهكذا يكمل بناءه، في الوقت الذي يقوم صاحبه بالإمساك بلبنة ” الطوب” ليضعها بجوارأختها فترفض، ويمسك غيرها فتقول المكان لا يناسبني فضعني في مكان أخر، ويمسك بالثالثة فتسأله لماذا وضعتني هنا ولم تضعني في المكان الآخر، وفي الوقت الذي ينشغل فيه البناء الثاني بالرد والإجابة على كل سؤال ورفض واستفسار، يكمل البناء الأول مهمته بشكل سريع ومتقن، لأن لبناته لم تتكلم و لم تشترط ولم ترفض ما طلب منها.

المغزى الذي تحاول أن ترسله الجماعات من خلال هذه القصة الرمزية، هى أن يتحول العضو، فيها إلى لبنة من “الطوب” في يد البناء الذي يمثل هنا القائد والأمير، فلا يسأل عن أي شئ ويترك أميره يضعه في المكان الذي يراه مناسباً له- بحسب فهم ورؤية الأمير-، ولا يسأل عن لماذا وكيف تم وضعي في هذا المكان، وإلا فإن النتيجة المرتقبة، هي عدم تقدم الكيان ووقوفه في مكانه دون أن يقدم  شيئاً أو يحرز نصراً أو يحقق هدفاً.

بهذه النظرية يتحول العضو في هذه التنظيمات، إلى لبنة من ” الطوب” في يد البناء أو الأمير يحركها كيفما شاء، في الوقت الذي شاء، وبالكيفية التى يراها، دون نقاش أو تعقيب أو ملاحظة قد يراها هذا العضو، لكن عليه السمع والطاعة.

وتكمن خطورة هذه المسالة في تنزيل الحكم الذي هو من المفترض أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم، والذي لا ينطق عن الهوى، أوللصحابة والخفاء من بعده، وللحاكم الممكن، والأمير الذي يقوم على أمر المسلمين جميعاً ، وليس على أمر جماعة أو تنظيم من هذه التنظيمات، ومن ثم تأخذ هذه الجماعات ما للدولة المسلمة من أحكام لنفسها وتنزله على حالتها، و كأنها هي الدولة، وكأن أميرها هو حاكم البلاد الشرعي الذي يتوجب في حقه السمع و الطاعة.

الأمر الآخر، هو إلغاء العقلية التفاعلية والابتكارية لدى الأعضاء، ويتوقف معه عمل عقلهم الذي منحهم الله إياه ليفكر و يعمل، ويترك الأمر لآخرين هم المسؤولون أو الأمراء والقاده ليفكروا نيابة عنه وما عليه إلا التنفيذ والسمع و الطاعة، وهو بدوره ما يعيق عملية النقد للفكر وبيان الصواب والخطأ فيه نتيجة لإهمال دور العقل، وعند مراجعة القرارات وبيان صحيحها من سقيمها، ويجعل الإنسان يعيش واقعاً معيناُ، لا يفكر إذا كان صواباً هو أم خطأً.

باحث في ملف الإسلام السياسي*

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر