التنافس الأميركي الصيني بعد الجائحة: كيف سيبدو العالم؟

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 23 يونيو 2020

فيكتور آر سافاج

 

خلقت جائحة “كوفيد – 19” متغيرات مهمة في لعبة التنافس على الهيمنة القائمة بين الولايات المتحدة والصين، فقد أدت الجائحة إلى تأثيرات سياسية واقتصادية على تلك المنافسة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: من الذي سينهض بقوة من هذه الجائحة العالمية؟

فصعود الصين السريع كان سببًا للاضطرابات السياسية العالمية، نظرًا للاختلافات الثقافية بينها وبين الغرب ونظامها الاستبدادي وسيطرتها على ما يسميه الأستاذ في جامعة هارفارد “شوشانا زوبوف” (رأسمالية المراقبة) وهو النظام الاقتصادي القائم على المراقبة.

ومما يعكس الخوف من الصين ما يشير إليه أستاذ الصحافة الأميركي “هوارد فرينش” بما يعرف بالمفهوم الصيني بـ”تيان شيا”، أو “كل شيء تحت السماء”. وهو المفهوم الذي احتل مكانة محورية لأكثر من 4000 عام، باعتباره المحور المركزي للصين في العالم، وهو المفهوم نفسه الذي أكد أن قيادتها كانت ذات أهمية قصوى بين الدول الأخرى، كما أنه قدم دعمًا عنصريًا وتمييزًا متعجرفًا لأنانية الصين الثقافية.

صعود الإمبراطورية السماوية

أراد الرئيس “شي جين بينغ”، من خلال التخلص من تحذير “دنغ شياو بينغ” بالتباطؤ في الكشف عن براعة الصين الاقتصادية، أن يعرّف نفسه على أنه الزعيم الوطني والمبادر بـ”الدور الصيني”.

لكن حتى نكون منصفين، ليس ترمب هو الوحيد الذي يلوم الصين على الاستفادة من الولايات المتحدة اقتصاديًا، فقد كان الإدارات الرئاسية الأميركية السابقة تفعل ذلك أيضًا.

فقد انزعج العديد من القادة في الدول الصغيرة من رسائل ترمب على “تويتر”، لكنهم دوما يثنون على جرأته السياسية في مواجهة الصين وغيرها من القوى التي تسعى للهيمنة الإقليمية.

ومن المفارقات أن القوة الأكثر شدة حاليًا هي فيروس غير مرئي، وهو “كوفيد – 19″، في حين أن العديد من الدول، مثل: روسيا والصين والولايات المتحدة وإسرائيل،كانت تجرِّب سرًا حربًا بيولوجية في المختبرات، إلا أن “كوفيد – 19” نسف غطاءها.فلم يتوقع أي بلد هذا الضرر السريع الذي يمكن أن تسببه العدوى الفيروسية التي أصابت ثمانية ملايين شخص حول العالم، وأدت إلى وفاة أكثر من 449 ألف شخصٍ حتى الآن في غضون خمسة أشهر.

“كوفيد – 19” مغير اللغة في العولمة

لقد علمتنا جائحة “كوفيد – 19” المعنى الحقيقي للعولمة، وكيف أصبح عالمنا مترابطًا. فلم يكن هناك أي حدث، ولا حتى الحرب العالمية في القرن العشرين ذات أثر عميق ومدمر على العالم، فقد أدت إلى إغلاق الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، ووقف السفر الجوي، وكذلك تكميم الرأسمالية العالمية.

وترتكز أزمة “كوفيد – 19” على ما قالته صحيفة “الفاينانشيال تايمز” إن السياسات الليبرالية الديمقراطية ماتت على مستوى العالم. فعندما كانت إيطاليا تمر بأصعب أوقاتها مع هذا الوباء واستغاثت بأعضاء الاتحاد الأوروبي، لم يساعدها أحد.

ومن المفارقات أن الصين هي التي قدمت لها دعمًا ليبراليًا في الإمدادات والعاملين الطبيين. فقد أظهر “كوفيد – 19” التضحية النهائية التي ترغب الشركات في تقديمها. فقد عانى الأطباء الإيطاليون من نقص الإمدادات الطبية اللازمة للتعامل مع مرضى “كوفيد – 19” عن طريق حجب المساعدة الطبية للمرضى الذين تزيد أعمارهم عن 60 عامًا.

ومرة أخرى دفعت أزمة “كوفيد – 19” الولايات المتحدة والصين إلى تجديد الاتهامات النارية، التي صاحبها أضرار جانبية طالت منظمة الصحة العالمية.

وبالنظر إلى الوضع الداخلي للولايات المتحدة، مع وجود 40 مليون عاطل عن العمل، وقائمة الإفلاس، والعلاقات العرقية المتأزمة، وأعمال الشغب في أكثر من 350 مدينة، فضلاً عن التدابير الوقائية غير الكفؤة في السيطرة على انتشار الفيروس التاجي الوبائي، كل ذلك يجعل “ستيف بانون” المستشار السابق بالبيت الأبيض، على صواب حينما أكد أن قضية الانتخابات وعلاقتها بالصين بعيدة عن قلب أحداثها. فالأميركيون ينظرون إلى خلاف ترمب مع الصين على أنه “زوبعة في فنجان”.

 كيف سيبدو العالم بعد جائحة “كوفيد – 19″؟

من الناحية الجيوسياسية، سيصبح عالم ما بعد “كوفيد – 19” أكثر تجزئة. فمع ديون تبلغ 25 تريليون دولار أميركي، لم تعد أميركا في وضع يُمَكِّنها من أن تكون داعمًا إنسانيًا عالميًا وشرطيًا عالميًا. فربَّما يتساءل المرء: من سيكون وريث الولايات المتحدة في هذه الهيمنة، فربَّما تكون الإجابة هي: الصين

ففد حاولت الصين، بعد كل ما حدث إظهار جانب أكثر ليونة من نظامها السياسي الدبلوماسي خلال أزمة جائحة “كوفيد – 19” حينما تبرعت بكين بملايين الأقنعة والمستلزمات الطبية الأخرى، بالإضافة إلى الدعم الطبي (بالممرضات والأطباء) لأكثر من 100 دولة.

وردًا على انتقادات ترمب بأن الصين لا تقدم سوى 40 مليون دولار مقابل مساهمة أميركا البالغة 893 مليون دولار (أي ما يعادل 15%) لمنظمة الصحة العالمية سنويًا، قدَّمت إدارة “شي” منحة قدرها مليارا دولار.

وللأسف، تفتح أزمة “كوفيد – 19” المجال حول الخيارات المستقبلية للصراع. ذلك أن خطر وقوع مثل هذه الفيروسات البيولوجية في أيدي الإرهابيين الانتحاريين يمكن أن يتسبب في ضرر على الدول لا يمكن تجاوزه ولا رجعة فيه.

الغرب يعيش كذبة عن النظم الصحية

بينما كانت كوريا الشمالية تبتز القوى الغربية بإمكانيات طاقتها النووية، أظهرت جائحة “كوفيد – 19” للعالم أن تلك البلد التي بدت محصنة، في حقيقتها كانت خائفة من فيروس غير مرئي، لكن “ربما كانت لدى كيم” أفكار جديدة يمكن الاستفادة منها في تعزيز سلطته.

وتوضح أزمة “كوفيد – 19” أن الدول الغربية كانت تدعي كذبًا بأن أنظمتها الصحية الوطنية لا تشوبها شائبة. وبينما يلوم ترمب الصين ومنظمة الصحة العالمية على مشاكل الولايات المتحدة الوبائية، يجب أن توجه تلك الانتقادات له هو بسبب سوء فهم الوضع الخطير وعدم استعداد الخدمات الصحية الأميركية.

وعلى الرغم من العبارات التي سيدخلها “كوفيد – 19” في التغيير الاقتصادي والاجتماعي الجذري، يقول المتشائمون إن الحياة ستستمر بنفس الطريقة في عالم ما بعد “كوفيد – 19”.

إن الكشف عن تغير المناخ، سيكون له – للأسف – تأثير عالمي أكثر تدميرًا. ومثل “كوفيد – 19″، فإن قليلاً من البلدان والقادة فقط هم الذي يستعدون لهذه الكارثة العالمية التي تهدد الحياة. فالمأساة هي أن تغير المناخ يخرج بسرعة عن نطاق السيطرة، وقد تكون الاستجابة أشبه بـ”ثيوسيديدز” عند القفز في الهواء.

من الذي سيهيمن؟

بينما يشير الاقتصادي الفرنسي “توماس بيكيتي”، إلى الحروب والكوارث العالمية الكبرى التي تجلب عدم المساواة، فإن أزمة هذا الفيروس الوبائي قد ولّد إشارات متضاربة. ليتبقى السؤال: من الذي لديه المرونة الوطنية للعودة في صورة أقوى؟ فقد تعجب رئيس وزراء سنغافورة السابق “لي كوان يو” بالقدرة الأميركية على الارتداد من الأزمة.

فهل الأزمة الاقتصادية الحالية للولايات المتحدة، وحربها العنصرية، وانقسامها السياسي بين حزبين سياسيين متحاربين، تتضمن إشارة إلى نهاية وضعها العالمي المهيمن كما يتوقع بعض النقاد السياسيين؟

ومن ناحية أخرى، هل الصين هي القوة المهيمنة التي لم يتم اختبارها بعد؟ فهي دولة ذات رغبات وطنية مكبوتة وطموحات مشتعلة.. فهل تسعى حقًا للإعلان عن أنها باتت القوة المهيمنة عالميًا بالفعل؟ ومن المفارقات أن كلاً من “شي” و”ترمب” يتبنيان بالفعل مبادرات في إطار السياسة الخارجية تجاه بعضهما البعض.

وفيما يدل على حالة الذعر التي سادت بين الدول الصغيرة، وجه رئيس الوزراء السنغافوري “لي هسين لونج” مناشدة حماسية لكلتا القوتين المهيمنتين.

ففي مقاله الصادر في 4 يونيو 2020، بمجلة الشؤون الخارجية، حث القوتين على فهم حقيقة الوضع الجيوسياسي على الأرض، والتخلي عن (لعبة محصلتها صفر). وترك مجال للثقة في المنافسة والتعاون في مختلف المجالات من أجل الانسجام العالمي.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر:  مجلة جنوب آسيا

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر