مركز سمت للدراسات التكنولوجيا وحفظ السلام: هل يمكن للهند أن تصبح دولة مساهمة في التكنولوجيا؟ | مركز سمت للدراسات

التكنولوجيا وحفظ السلام: هل يمكن للهند أن تصبح دولة مساهمة في التكنولوجيا؟

التاريخ والوقت : الإثنين, 11 أكتوبر 2021

راجيش كومار

في أغسطس 2021، تحت رئاسة الهند، اعتمد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بيانًا يعترف بأهمية تسخير التكنولوجيا في حفظ السلام.

وخلال الجلسة المفتوحة رفيعة المستوى لمجلس الأمن حول “التكنولوجيا وحفظ السلام”، صرح وزير الشؤون الخارجية الهندي الدكتور “أس. جايشانكار” أن “عمليات حفظ السلام في القرن الحادي والعشرين يجب أن ترتكز على نظام بيئي قوي من التكنولوجيا والابتكار”. وفي الاجتماع، حدد الأمين العام “أنطونيو غوتيريش” عناصر استراتيجية التحول الرقمي لحفظ السلام. ومن التطورات المهمة الأخرى في ذلك اليوم إطلاق منصة “UNITE AWARE”، وهي منصة تكنولوجية طورتها الهند بالتعاون مع الأمم المتحدة، بهدف توفير المعلومات المتعلقة بالتضاريس لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة لضمان سلامتهم وأمنهم. وتشير هذه التطورات إلى أن عمليات حفظ السلام في المستقبل ستكون مزودة بالتكنولوجيا. وتظهر الهند حماسًا واهتمامًا بهذا التحول المتصور. وتُعدُّ الهند واحدة من أكبر الدول المساهمة بقوات في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، ومع ذلك، فإن السؤال هو: هل يمكن أن تصبح دولة مساهمة في التكنولوجيا أيضًا؟

التكنولوجيا وحفظ السلام

إن الدعوات لاستخدام التكنولوجيا في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة ليست جديدة. ففي عام 2000، اقترح تقرير الفريق المعني بعمليات الأمم المتحدة للسلام، المعروف باسم “تقرير الإبراهيمي”، إدخال حفظ السلام في عصر المعلومات. وحدد التقرير الثغرات في الاستراتيجية والسياسة والممارسة التي أعاقت الاستخدام الفعال للتكنولوجيا في عمليات حفظ السلام وقدَّم توصيات لسد هذه الثغرات.

وفي وقت لاحق، في عام 2014، ناقش فريق الخبراء المعني بالتكنولوجيا والابتكار في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة هذه المسألة باستفاضة واقترح نشرًا واسعًا للتكنولوجيا والممارسات المبتكرة لتعزيز عمليات حفظ السلام. وفي فبراير 2015، قدَّمت لجنة الخبراء تقريرها، الذي تضمن هدف تمكين الأمم المتحدة من نشر “تكنولوجيا السلام”. كما تناول التقرير المخاوف السائدة لدى الدول الأعضاء من أن استخدام التكنولوجيا في عمليات حفظ السلام سيؤدي إلى انتهاكات للمبادئ الأساسية لحفظ السلام وحياد وسيادة الدولة. وفي السنوات الأولى من المشاورات، أعربت العديد من الدول الأعضاء عن مخاوفها من إساءة استخدام التكنولوجيا لأغراض سياسية ضيقة، ولا سيما المنظومات الجوية الذاتية التشغيل أو المركبات الجوية بدون طيار.

ركز التقرير على استخدام التقنيات المتقدمة في المقام الأول في مجالين من عمليات حفظ السلام: توفير الأساسيات للبعثات وضرورات التشغيل. وفي حين أن الأساسيات تشمل توفير السلامة والأمن والمأوى والمياه والطاقة والصحة والتنقل، فإن الضرورات التشغيلية تشمل القيادة والتحكم والرصد والاستطلاع والإبلاغ وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات. ولتعزيز أمن الأفراد والمعسكرات وأماكن الإقامة والدوريات والقوافل، أوصت اللجنة باستخدام تقنيات مثل: الإضاءة المحيطة، وتقنية الكشف عن الحركة، واتصالات الطوارئ والتتبع المقاوم للعبث، وتقنيات مكافحة العبوات الناسفة، وتكنولوجيا الكاميرا باستخدام الوصول عن بعد إلى التغذية الحية. وبالمثل، للبحث عن المياه، توصي باستخدام رادار مخترق للأرض وأدوات تصوير جغرافية مكانية متقدمة. كما توصي بالقيادة والتحكم المزودة بنظام المعلومات الجغرافية وصور الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار، ومجموعة أجهزة الاستشعار الشاملة، والبيانات الكبيرة لتحسين الضرورات التشغيلية بما في ذلك القيادة والتحكم في المهام.

ونظرًا لأن قواعد بعثات حفظ السلام تعرضت بانتظام لهجوم مباشر في السنوات الأخيرة، كان هناك دفع منهجي لنشر العديد من التقنيات الموصى بها. ونتيجة لذلك، استُخدمت الطائرات بدون طيار في جمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية إفريقيا الوسطى ومالي وجنوب السودان. وعلاوة على ذلك، في مالي، استُخدمت أكثر التقنيات الرقمية تطورًا مثل تقنيات التحاليل الجنائية بالعبوات الناسفة والمؤسسة الجغرافية المكانية للتوعية بالأوضاع الأمنية. وفي عام 2017، زعمت بعثة الأمم المتحدة في مالي أن نظام الإنذار بالرادار “للاستشعار والتحذير” اكتشف صواريخ وهجمات بقذائف الهاون وأنقذ أرواح العديد من قوات حفظ السلام.

آخر التطورات المتعلقة بالتكنولوجيا وحفظ السلام في الأمم المتحدة، هو “استراتيجية الأمين العام للتحول لتسخير التكنولوجيا لعمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام”، وإطلاق منصة UNITE AWARE. كما تركز استراتيجية الأمين العام على أربعة أهداف: أولاً: الابتكار التكنولوجي في المقر والميدان، وثانيًا: تعزيز إمكانات التقنيات الجديدة لتعزيز قدرة البعثات على تنفيذ ولاياتها بفعالية، وثالثًا: استخدام التكنولوجيا لاكتشاف وتحليل وحل مشكلة التهديدات ضد المدنيين وقوات حفظ السلام والبعثات الإنسانية، رابعًا: ضمان الاستخدام المتسم بالمسؤولية للتكنولوجيات الرقمية. وتهدف منصة UNITE AWARE إلى جمع مجموعات البيانات من البعثات وتنظيمها في قاعدة بيانات مشتركة لتمكين الوعي بالموقف واتخاذ القرار.

هل يمكن أن تصبح الهند دولة مساهمة في التكنولوجيا؟

تُعدُّ الهند واحدة من أكبر المساهمين بقوات في عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام. وقد خدم أكثر من 2.50.000 جندي هندي في 49 من 71 عملية حفظ سلام منتشرة حتى الآن. وفي وقتنا الحالي، تعدُّ الهند حاليًا ثاني أكبر مساهم بقوات مع نشر 5.506 أفراد في تسع بعثات لحفظ السلام تابعة للأمم المتحدة. وعلاوة على ذلك، لعبت الهند أيضًا دورًا قياديًا في العديد من بعثات حفظ السلام. وقد وفرت المستشارين العسكريين، ومستشاري الشرطة المدنية، وقادة القوة، والعديد من الممثلين الخاصين للأمين العام للأمم المتحدة في بعثات مختلفة، وتشمل كوريا وقبرص وناميبيا وسيناء وسيراليون والسودان والكونغو. ومع ذلك، نظرًا لأن الهجمات ضد قوات حفظ السلام تتزايد بشكل كبير وفقدت الهند عددًا أكبر من قوات حفظ السلام أكثر من أي دولة أخرى مساهمة بقوات، ففي المستقبل يجب على الهند التركيز بشكل أساسي على توفير التكنولوجيا لعمليات السلام وتجهيز قواتها بالتكنولوجيا الحديثة لإدارة حالات الطوارئ المعقدة.

في الآونة الأخيرة، كانت الهند في صدارة تحويل قوات حفظ السلام التقليدية إلى “تكنولوجيا حفظ السلام”. ولهذا الغرض، خلال رئاستها لمجلس الأمن الدولي في أغسطس 2021، عقدت الهند مناقشة مفتوحة على المستوى الوزاري حول موضوع التكنولوجيا وحفظ السلام. وخلال المناقشة، اقترحت الهند إطار عمل من أربع نقاط لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة لمواجهة التهديدات المعاصرة. أولاً: استخدام تقنيات مجربة عمليًا وفعالة من حيث التكلفة ومتاحة على نطاق واسع وصديقة للبيئة وموثوقة وقابلة للخدمة الميدانية، وثانيًا: الحاجة إلى مؤسسة معلومات استخباراتية سليمة لضمان الإنذار المبكر والتصد التعبوي المبكر، وثالثًا: ضمان استمرار التحسينات التكنولوجية وإتاحتها على أرض الواقع، ورابعًا: التدريب المستمر وبناء قدرات قوات حفظ السلام في مجال التكنولوجيا. وقد شُدد على كل هذه النقاط بشكل أكبر في البيان الرئاسي المعتمد بالإجماع بشأن عمليات حفظ السلام.

كما أنفقت الهند 1.64 مليون دولار أميركي لتطوير منصة تكنولوجيا التوعية بالأوضاع الأمنية UNITE AWARE بالشراكة مع إدارة عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة وإدارة الدعم التشغيلي. كما تساعد هذه المنصة في تصور عملية حفظ السلام كلها وتمكين مراقبتها في الوقت الفعلي من خلال تقنيات المراقبة الحديثة، بما في ذلك الحلول القائمة على الأقمار الصناعية. ومع ذلك، على الرغم من أن معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث لديه مركز للأقمار الاصطناعية يسمى “يونوسات” لجعل الحلول القائمة على الأقمار الصناعية والمعلومات الجغرافية متاحة بسهولة للأمم المتحدة، فإن المنظمة ليس لديها أقمار صناعية خاصة بها. ولذلك، تعتمد الأمم المتحدة في المقام الأول على بيانات الأقمار الصناعية المتاحة مجانًا أو المشتريات من الشركات الخاصة. وتمتلك الهند تكنولوجيا الأقمار الصناعية منخفضة التكلفة ووكالة الفضاء الخاصة بها، ويمكن لمنظمة البحوث الفضائية الهندية أن تتعاون مع الأمم المتحدة لتطوير كوكبة مخصصة من الأقمار الصناعية المصغرة لبعثات حفظ السلام.

يمكن استخدام بيانات صور الأقمار الصناعية لرصد تحركات الأطراف المتصارعة، ومراقبة شبكات تهريب الأسلحة، وتحديد مواقع واحتياجات النازحين داخليًا، واللاجئين وإدارة الحدود، وانتهاكات حقوق الإنسان، وما إلى ذلك. وتوفر الصور البصرية المأخوذة من أقمار صناعية عالية الدقة وقتًا حقيقيًا دقيقًا يحدث على الأرض. وعلى سبيل المثال، استخدمت وحدة المعلومات الإنسانية بوزارة الخارجية الأميركية على نطاق واسع بيانات صور الأقمار الصناعية لتحديد القرى التي تضررت أو دمرت في دارفور أثناء الحرب الأهلية. وبالمثل، في عام 2018، تمكن تحليل لصور الأقمار الصناعية من إثبات انتهاك حظر الأسلحة في جنوب السودان. وفي مارس 2020، استخدم تقرير استقصائي صادر عن هيئة الإذاعة البريطانية صور الأقمار الصناعية لإظهار أن تركيا أرسلت دبابات وأسلحة إلى ليبيا عبر السفن بعد فترة وجيزة من الموافقة على حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة. وفي الآونة الأخيرة، في ميانمار، ساعد تحليل الأقمار الصناعية جنبًا إلى جنب مع المعلومات حول مواقع المستوطنات، الأمم المتحدة في تحديد القرى المدمرة في ضواحي بوثيدونغ، وماونغداو، وراثيداونغ، في ولاية راخين الشمالية.

وبالمثل، يمكن للهند المساهمة في أمن مجال الطاقة لبعثات حفظ السلام. وعلى الرغم من ازدهار سوق الطاقة المتجددة العالمي، لا تزال بعثات حفظ السلام تعتمد على الوقود الأحفوري، وخاصة مولدات الطاقة التي تعمل بالديزل لتلبية احتياجات الطاقة. ومن منظور حفظ السلام، يمثل الاعتماد على توليد الطاقة بالديزل تحديات لوجستية وأمنية. وفي الآونة الأخيرة، وقعت الوكالة الدولية للطاقة المتجددة والأمم المتحدة، مذكرة تفاهم لتعزيز استخدام الطاقة المتجددة المتولدة من الدولة المضيفة في بعثات حفظ السلام. ويمكن للهند الاستفادة من أوراق اعتمادها في مجال الطاقة الشمسية كقائد للتحالف الدولي للطاقة الشمسية لدعم بعثات حفظ السلام في تلبية احتياجاتها من الطاقة. كما شاركت شركة الطاقة الحرارية الوطنية الهندية المحدودة في مشاريع الطاقة الشمسية في العديد من البلدان الإفريقية، بما في ذلك مالي، حيث يتم نشر بعثات حفظ السلام.

وقَّعت الهند أيضًا مذكرة تفاهم مع أكاديمية UNC4ISR لعمليات السلام لدعم مبادرة الشراكة من أجل التكنولوجيا في حفظ السلام. وبمساعدة UNCAP، يمكن لمركز الأمم المتحدة لحفظ السلام توفير تدريب محدد قبل النشر في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتقنيات الاستخبارات، والمراقبة والاستطلاع، وأمن المعسكرات، وتقنيات الإنذار المبكر. كما سينظر المركز في تطوير دورات التعلم الإلكتروني في التقنيات المتقدمة التي يمكن الوصول إليها عن بُعد للبعثات والقوات.

وباختصار، للحفاظ على اهتمام الهند التاريخي وتأثيرها في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، يجب عليها رسم استراتيجيات محددة لتصبح دولة مساهمة في التكنولوجيا. ومع ذلك، ينبغي أن تكون هذه الاستراتيجية متوازنة، وأن تركز على تقديم المساعدة التقنية للبعثات مع الاستمرار في المساهمة بقوات، بدلاً من التحول الكامل من مساهم تقليدي بقوات إلى مساهم تكنولوجي. ويجب أيضًا أن تفكر الهند في الاستفادة من النوايا الحسنة التي اكتسبتها على مر السنين كقوات حفظ سلام متخصصة، ولا سيما في إفريقيا، لبناء علاقات اقتصادية واستراتيجية دائمة مع الدول المضيفة.

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: idsa

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر