التقرير السري وعلاقة الاتحاد الأوروبي بالصين

التاريخ والوقت : الجمعة, 22 مايو 2020

عساف المسعود

 

يبدو أن موقف بروكسل مرتبك، إلا أنه أكثر حلمًا وصبرًا من الموقف الأميركي تجاه الصين، فلا يكاد الرئيس ترمب يظهر في لقاء صحفي أو يغرد على حسابه في تويتر، إلا ويكيل الاتهامات لبكين بضلوعها في هذه الأزمة العالمية.

لكن، لنعُد لبروكسل، لنفهم إلى أي مدى يرى الأوربيون أن الصين ذات ارتباط بهذا الوضع الحالي، ونلقي نظرة حول سير العلاقات بين الجانبين في ظل هذا الوباء. فمؤخرًا، تناولت الصحف الأوروبية اختلاف الدول الأعضاء حيال تقرير أصدره الاتحاد الأوروبي عن الوضع في الصين، ومستوى مسؤوليتها تجاه هذا الوباء، حيث ادعى وزير الخارجية الإسباني، أن التقرير قد صدر بنسختين: واحدة سرية لإطلاع الدبلوماسيين، والأخرى للجمهور، إلا أن التغيير بينهما كان بسيطًا، حسب وصفه.

وهذا ما عززته صحيفة “النيويورك تايمز” عندما قالت إنه “بضغط من الصين الاتحاد الأوروبي يخفف من تقرير التضليل في كوفيد -19″، بل ذهبت إلى أكثر من ذلك، وهو قولها إن الصراع على هذا التقرير هو صراع عالمي، بل إن أحد الدبلوماسيين، قال لزملائه في رسالة بالبريد الإلكتروني اطلعت عليها “التايمز”: “الصينيون يهددون بردود فعل إذا صدر التقرير”. رغم ذلك، تجدر الإشارة إلى أن “جوزيب بوريل”، رئيس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي، قام برفض جميع الأدلة الناشئة لدى الاتحاد الأوروبي حول وجود تضليل في هذا التقرير.

المعلوم أن الاتحاد الأوروبي ليس في أفضل أوقاته اليوم، بالإضافة إلى أن أوروبا، كانت تعول كثيرًا على تعظيم استثماراتها مع الصين، في حال كان هناك تراجع أو قطع للعلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وكذلك الصين التي وجدت في أوروبا سوقًا بديلاً عن الأميركي في حال ساءت العلاقات مع واشنطن.

البداية هنا، مع إيطاليا التي بادرت قبل الأعضاء الأوروبيين على توقيع مذكرة تفاهم تخص مبادرة الصين التجارية “الطريق والحزام”، وقد بلغت الاستثمارات الصينية في إيطاليا لعام 2018 ما يعادل 24.99 مليار دولار، وهذا قد يُفسر بشكل ما، الضرر الكبير الذي لحق بإيطاليا في بداية انتشار الوباء. في المقابل، كانت لقاءات الاتحاد الأوروبي بالصين مستمرة، إذ كانت تدور حول بنود قديمة تخص الاستثمار بين الجانبين، في حين أرادت الصين مناقشة بنود جديدة تخص مبادرة “الطريق والحزام” في أوروبا.

اللافت فيما سبق، أن بعض دول الاتحاد الأوروبي، وخاصة ألمانيا وفرنسا، سبق أن دعتا إلى وضع معايير رقابية أكثر صرامة على الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بسبب الاستثمارات الصينية في القطاعات الحرجة والحساسة في أوروبا. وهذا ما قد يفسر اليوم موقف الصين من فرنسا؛ إذ انتقدت بكين فرنسا، باعتبارها بطيئة في اتخاذ إجراءاتها الاحترازية ضد الوباء، بل وقالت إن السياسيين الفرنسيين استخدموا الافتراءات العنصرية ضد رئيس منظمة الصحة العالمية.

أمَّا ألمانيا، فلم يستجب المسؤولون الألمان لاتصالات المسؤولين الصينيين التي حاولت تشجيع الألمان على الإدلاء بتصريحات إيجابية حول كيفية تعامل بكين مع وباء كورونا. في المقابل، خلص تقرير استخباراتي أعده وزير الدفاع الألماني، إلى أن الاتهامات الأميركية للصين، إنما هي محاولة متعمدة لتحويل الانتباه العام عما أسماه إخفاقات الرئيس “دونالد ترمب”، وهذا يعطي انطباعًا أن ألمانيا تحاول التموضع والإبقاء على مسافة متزنة بين واشنطن وبكين والاتحاد الأوروبي، بل ومحاولة الاستفادة من هذه الأزمة بالمطالبة بسداد الديون الجماعية في الاتحاد الأوروبي، وقد يكون ذلك مدفوعًا بكونها أكبر المقرضين لليونان.

أخيرًا، المملكة المتحدة التي وجدت نفسها منذ 10 سنوات منخرطة مع رئيس وزرائها السابق “توني بلير” في محاولة ضمان الشراكة الأميركية مع أوروبا، مقابل التمدد الصيني الذي كان تلقائيًا. أمَّا اليوم، فيبدو أن حزب “جونسون” المحافظ يكافح للخروج باستراتيجية احتواء متزنة تجاه الصين. وفي هذا الاتجاه، وللخروج من المأزق الصيني الأميركي، رفضت لندن التعليق على تقرير استخباراتي بقيادة الولايات المتحدة يتهم بكين بالتضليل، حيث اكتفت المملكة المتحدة بدعم منظمة الصحة العالمية وتمويلها، في موقف يكاد يكون أقرب للموقف الروسي الذي دعا إلى ضرورة تطوير ممارسات هذه المنظمة، بخلاف الرئيس الأميركي، الذي علق الدعم جزئيًا عن هذه المنظمة.

النتيجة النهائية، هو أن الوضع في أوروبا ليس فقط اختلاف في الآراء حول الصين، إنما تعارض مصالح، بل وتقاطعها. فالفرنسيون في هذه اللحظة التاريخية أقرب للموقف الأميركي والأسترالي تجاه الصين، فيما تأجل بريطانيا موقفها من الصين.

وعن ألمانيا، فتسعى لتعزيز موقعها القيادي في أوروبا، وتحقيق المكاسب رغم أنها في البدايات أوقفت الصادرات الطبية للخارج مما أزعج الإيطاليين المتضرر الأول في أوروبا من هذه الأزمة.  الخلاصة أن علاقة أوروبا مع الصين تحكمها المخاوف المتنامية لديها من الشراكة الوطيدة بين بكين وروسيا، والتي تأخذ طابعًا أيديولوجيًا واستراتيجيًا، ويتضح ذلك في اتهام المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل” لروسيا بشن حملة قرصنة استهدفت مؤسسات برلين.

ختامًا، يبدو أن سبل التعاون والعلاقات بين دول الاتحاد الأوروبي والصين وأميركا وروسيا، سيحكمها مدى قوة الأدلة الواردة في التقارير الاستخباراتية فيما بين هذه الدول، وقد تكشف المرحلة القادمة نشاطًا استخباراتيًا يتفتق عنه معلومات غير اعتيادية.

 

كاتب وباحث أكاديمي سعودي*

@AlmsaudAssaf

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر