التقاعس في مواجهة مهاجمة ناقلات النفط سيكون له عواقب وخيمة

التاريخ والوقت : الخميس, 20 يونيو 2019

محمد السلمي

 

في شهر يوليو من العام الماضي قال الرئيس الإيراني حسن روحاني، خلال زيارة إلى سويسرا، إنه “لن يتم تصدير أي نفط في المنطقة إذا لم نصدر نفطنا”، وهو ما أشاد به الحرس الثوري الإيراني، وهو الذراع العسكري للنظام الإيراني الذي أراد أن يرسل له رسالة تهنئة يشكره على كلماته. وقال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، إنه سيكون شخصيًا مستعدًا لتنفيذ هذه السياسة إن أمكن. وأضاف “سليماني” في رسالته، التي نشرتها وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية: “أقبل يدك على التعبير عن هذه الأفكار الحكيمة التي جاءت في الوقت المناسب، وأنا في خدمتكم لتنفيذ أي سياسة تخدم الجمهورية الإسلامية”. كما أدلى ممثلون عن الحكومة والحرس الثوري الإيراني وأعضاء بالدائرة المقربة من المرشد الأعلى “علي خامنئي” بتعليقات مماثلة.

لقد قيل إن “روحاني”، الذي يُنظر إليه في الأوساط السياسية الغربية كممثل للتيار المعتدل في إيران وكشخص يمكن دعمه لإضعاف الحركة الثورية المتشددة للنظام، يستخدم مثل هذه التعليقات لإجبار واشنطن على إعادة النظر في قرار استخدام العقوبات من أجل خفض صادرات النفط الإيرانية إلى الصفر.

وفي الآونة الأخيرة، في الشهر الماضي، تمَّ استهداف أربع ناقلات نفط قبالة ميناء الفجيرة في الإمارات العربية المتحدة. وبعد وقت قصير، استهدفت ميليشيات الحوثي اليمنية التابعة للنظام الإيراني محطتي ضخ نفط لشركة أرامكو في المملكة العربية السعودية. وقد أكدت التقارير الخاصة بالتحقيقات التي نشرتها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والنرويج في نيويورك لاحقًا، ترجيح احتمال أن يكون الفاعل وراء الهجمات على الناقلات هو جهة تابعة لدولة ما.

والرابع من يونيو، كتب نائب رئيس البرلمان الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، على “تويتر” قائلاً: “إذا لم تتوقف المملكة العربية السعودية عن دعمها للحرب الاقتصادية التي تقودها الولايات المتحدة على إيران، فسوف تحصل على رد إيراني مفاجئ ضدها”.

وفي صباح الثالث عشر من يونيو، تم استهداف ناقلتين نفطيتين في خليج عمان بالقرب من الشواطئ الإيرانية. وكانت الناقلات المحملة بشحنات من النفط، متجهة إلى اليابان وسنغافورة. بينما ذكرت بعض التقارير أن إحدى الناقلات كانت مملوكة لشركة يابانية، وكانت ترفع علم دولة أخرى. وكما كان الحال مع هجمات الفجيرة، كانت وسائل الإعلام الإيرانية أول من ينشر تقارير عن الحادث، قبل وسائل الإعلام العالمية. وكانت الهجمات الإرهابية أدت إلى خسائر مادية وجرح أحد أفراد الطاقم.

ومرة أخرى، يتم توجيه أصابع الاتهام إلى المستفيد الأساسي من أي عائق أمام تدفق إمدادات الطاقة، وهو النظام الإيراني، حيث تتسق الهجمات مع تهديداتها السابقة بهذا الصدد. وقد تزامنت تلك الهجمات مع زيارة رئيس الوزراء الياباني “شينزو آبي” إلى طهران، والتي كانت تهدف إلى تخفيف التوترات بين واشنطن وطهران. فقد رفض “خامنئي” محاولة الوساطة تلك، وفقًا للبيانات الرسمية التي نشرتها الصحافة الإيرانية.

ولإعادة توجيه اللوم بعيدًا عن إيران، وفي إطار مزاعم النظام المعتادة لاستخدام لغة العقل والعقلانية لإقناع الآخرين، قال وزير الخارجية محمد جواد ظريف: “وقعت هجمات على ناقلات مرتبطة باليابان أثناء لقاء شينزو آبي مع آية الله خامنئي لإجراء محادثات مكثفة وودية”.

وقد كانت ردود الفعل على تلك الهجمات، أن تحدّث البعض عن مسؤولية طرف ثالث، دون تسمية ذلك الطرف. فقد أدانت العديد من الدول الهجوم واعتبرته تصعيدًا خطيرًا. كما أعربت مجموعة أخرى عن قلقها إزاء هذا التصعيد، معربةً عن مخاوفها من أن تنزلق المنطقة إلى مواجهات خطيرة وتدعو جميع الدول إلى ضبط النفس. ومع الأخذ في الاعتبار ردود الفعل المختلفة، لكن من المستحيل أن تكون دولة عربية وراء هذا الهجوم. وبالمثل، لا يمكن توجيه الاتهام للولايات المتحدة أو أوروبا. إذ لا توجد مصلحة لواشنطن من وراء هذا التصعيد. وإذا كانت لدى الولايات المتحدة الرغبة في مواصلة العمل العسكري ضد إيران، فلن تسعى إلى الوساطة وتشن عملية قبل معرفة نتائج زيارة رئيس الوزراء الياباني إلى طهران. أمَّا بالنسبة لإسرائيل، فهي تشن عمليات عسكرية ضد العناصر الإيرانية في سوريا بشكل أسبوعي.

من إذًا هو هذا “الطرف الثالث”؟ يتبقى الاحتمال الأخير وهو السعي لإعاقة الوساطة اليابانية أو أي حلولٍ دبلوماسيةٍ، يمكن أن تأتي على حساب مصالحها الخاصة. وهنا فإني أشير بالتحديد إلى الحرس الثوري. ذلك الفصيل داخل النظام الإيراني الذي ليس لديه ما يخسره، فقد صنفته واشنطن بالفعل كمنظمة إرهابية. وفي الواقع، ربما تكون الحلول الدبلوماسية ورفع العقوبات مؤثرة على نفوذه العسكري والاقتصادي والأمني ​​الهائل في إيران وخارجها. كذلك فقد أصبحت الانقسامات بين أجنحة النخبة الحاكمة في إيران واضحة بشكل لا لبس فيه.

وفيما يتعلق بتغريدة “ظريف”، ربَّما يكون من المنطقي ألا تتمكن الحكومة من إعطاء الضوء الأخضر لتنفيذ مثل هذه العملية. لكن الحرس الثوري الإيراني لا يخضع لسيطرة الحكومة، كما أنه لا يقدم تقارير إلى القيادة حول عملياتها. ومن الأمثلة على ذلك زيارة بشار الأسد الأخيرة لإيران، والتي دفعت “ظريف” إلى تقديم استقالته احتجاجًا على حقيقة أنه لم يتلقَ إخطارًا مسبقًا، على الرغم من رفض “خامنئي” لاستقالته.

إن الحرس الثوري الإيراني، بخلاف الحكومة، منفصلٌ عن المستوى الذي يتم فيه اتخاذ القرارات الحساسة وهو أقرب إلى “خامنئي”. فالحرس الثوري الإيراني، وهو كيان متطرف، لا يمكن تقييم أو حساب أفعاله من حيث العقل والعقلانية. فلا يوجد أي تناقض بين تغريدة “ظريف” وسلوك الحرس الثوري الإيراني، حيث اختلفت جداول أعمال الجانبين بشكل حاد.

إن موقف الفريق الذي يدعو إلى ضبط النفس ويعرب عن القلق له ما يبرره، وذلك بالنظر إلى التوترات المتصاعدة والمتقلبة بكافة أنحاء المنطقة. فمن الواضح أن أي تصعيد إضافي لهذه التوترات أمرٌ غير مرغوبٍ فيه. ومع ذلك، فإن هذا الفريق لا يهتم بالمخاطر الجسيمة الكامنة في استمرار نهج التهدئة هذا، وهو ما سيؤدي حتمًا إلى المزيد من الهجمات الإرهابية، وإلى مزيد من التوترات في المنطقة، وزيادة حادة في إمكانية تنفيذ عمليات مماثلة.

كما أن الفشل في تحميل المسؤولية للطرف الذي يُرجّح أن يكون مسؤولاً عن الهجوم، لا سيَّما في ضوء التهديدات العلنية من جانب مسؤولي النظام الإيراني بمنع تصدير النفط من قِبَل دول المنطقة الأخرى، سوف تفسره إيران على أنه مؤشر على أن العالم غير قادر على مواجهة سلوكها العدائي. وقد أدى الفشل في تحميل إيران مسؤولية حادثة الفجيرة بالفعل إلى هجوم آخر؛ لذلك، فإن التوقف عن اتخاذ خطوات عملية في الوقت الحالي سوف يؤدي حتمًا إلى هجمات أخرى تحدث في المستقبل القريب. فإذا كانت هذه الدول تتبنى تلك السياسة من خلال الخوف من أن تصل أسعار النفط إلى 200 دولار للبرميل، فإن الحقائق على الأرض تشير إلى أن مواقفها الدبلوماسية السلبية لن تمنع هذه الزيادات في الأسعار، لأنها لن تمنع تكرار هذه الهجمات الإرهابية.

وفي الختام، فإن مكافحة الإرهاب والدول المارقة، وكذلك وكلاؤها، تعتبر مسؤولية جماعية، مع احتمالات وجود عواقب وخيمة لموقف غير نشط تجاههم وهو ما يتحملها العالم بأسره. حتى لو كانت البلدان خارج المنطقة، فستتضرر مصالحها، مع حدوث أضرار بسيطة تؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتهديدات الملاحة الدولية. وأخطر من ذلك، أن هذه التهديدات سوف تكون ضارة جدًا بالاقتصاد العالمي.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: Arab News

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر