مركز سمت للدراسات التغيرات المناخية والصراعات المسلحة | مركز سمت للدراسات

التغيرات المناخية والصراعات المسلحة.. حدود التأثير والتشابك

التاريخ والوقت : الإثنين, 8 نوفمبر 2021

محمود قاسم

أثارت تداعيات التغيرات المناخية على ظاهرة الصراعات المسلحة جدلا واسعا حول طبيعة العلاقة واتجاهات التأثير، لا سيما فى ظل تعدد واختلاف طبيعة الصراعات المسلحة، وأسبابها، وكيفية إدارتها، ومآلاتها المحتملة. ويمكن بلورة ذلك الجدل فى اتجاهين رئيسيين، يمكن الوقوف عليهما على النحو التالى:

الاتجاه الأول: ينظر هذا الاتجاه لنمط وطبيعة العلاقة بين الطرفين بوصفها علاقة تأثير مباشر؛ حيث انطلق هذا الاتجاه من فرضية وجود علاقة قوية ولصيقة بين التغيرات المناخية من ناحية، واندلاع الصراعات وتفاقمها من ناحية أخرى. ووفقا لهذا الاتجاه، هناك علاقة طردية موجبة بين التغيرات المناخية والصراعات المسلحة؛ فكلما ارتفعت حدة التغيرات المناخية، تنامت الصراعات العنيفة على المستويين الداخلى والدولى.
فقد تؤثر التغيرات المناخية على تصاعد العنف والصراع داخل المجتمعات؛ إذ إن ندرة الموارد الطبيعية، والمياه العذبة، والأراضى الصالحة للزراعة، وارتفاع درجات الحرارة، وهطول الأمطار، قد تقود إلى البحث عن سبل لضمان واستدامة العيش، ومن ثَمَّ زيادة حدة المنافسة بين الأطراف الداخلية، وبخاصة فى المناطق التى يعتمد اقتصادها بالأساس على الموارد الطبيعية، الأمر الذى قد يؤول إلى صراع داخلى عنيف. وقد تكون التغيرات المناخية سببا مباشرا فى نزاع دولي وبخاصة فى حالات الصراع على الموارد المشتركة أو العابرة للحدود.
الاتجاه الثانى: يرفض أنصار هذا الاتجاه العلاقة المباشرة بين التغيرات المناخية والصراعات المسلحة؛ ويرون أن التغيرات المناخية أحد دوافع ومحفزات الصراعات، وليست سببا مباشرا فيه؛ بمعنى أنها تتفاعل مع عددٍ من العوامل الأخرى التى تؤدى إلى النزاع، ومن بينها: غياب التنمية الاجتماعية، وتفاقم الأوضاع الاقتصادية، وضعف المؤسسات، بالإضافة إلى تراجع دور الدولة وقدرتها على احتواء الأزمات.
وفى المقابل، اعتبر البعض أن التغيرات المناخية سبب فى التعاون والتكامل وتجنب النزاع؛ وقد دلل هؤلاء على ذلك بزلزال «تسونامى» فى عام 2004 وما أفرزه من تعاون لمواجهة أضراره بين دول جنوب شرق آسيا بشكل خاص، والمجتمع الدولى بشكل عام. ووفقا لهذا الاتجاه، فإن التغيرات المناخية لا تمثل فى حد ذاتها سببا صريحا لاندلاع الصراعات، ولكنها تؤثر فى بعض العوامل المؤججة له. وفى المقابل، قد تكون سببا فى دفع التعاون بين مختلف الأطراف أيضا.
تصاعد النقاش حول التأثيرات الأمنية للتغيرات المناخية وحدود ارتباطها بالصراعات المسلحة ــ سواء بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرــ فى أعقاب انعقاد اجتماع مجلس الأمن بشأن التغيرات المناخية فى عام 2007. فقد مثل هذا الاجتماع تحولا فى الأطروحات المتعلقة بالتغيرات المناخية؛ لتتجلى الأبعاد الأمنية فى صميم النقاشات المعنية بتلك الظاهرة، بعد أن كانت مقتصرة بشكل مباشر على الأبعاد الفنية ــ البيئية، لتنظر غالبية دول العالم للتغيرات المناخية باعتبارها تهديدا للأمن العالمى.
وهو ما أشارت إليه الدراسة المعنونة «التغيرات المناخية والأمن» الصادرة عن المؤسسة الألمانية للتعاون الدولى GIZ، والتى أشارت إلى تأثر عدد من المناطق بهذه الظاهرة، حيث ستصبح مشكلة توفير المياه وتأثيرها على الإنتاج الزراعى وظاهرة التصحر والتغيرات التى قد تطرأ على التربة ضمن العوامل التى تفاقم من الصراعات المحتملة فى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ومن ناحية أخرى، سيؤدى انخفاض منسوب المياه وتقلص المساحات الزراعية ــ بجانب تزايد أعداد السكان وارتفاع مستوى سطح البحر ــ إلى زعزعة الاستقرار الاجتماعى والسياسى، ومن ثَمَّ تنامى حدة الصراعات فى منطقة جنوب الصحراء الكبرى. وفى الوقت ذاته، قد تتأثر منطقة آسيا والمحيط الهادى بصورة حادة بفعل الظواهر المناخية شديدة التقلب، والانصهار الجليدى، وغيرها.
كل هذه الأمور تؤكد على المخاطر الأمنية الناجمة عن التغيرات المناخية. وهو ما يستدعى مزيدا من التكاتف والتكامل الدولى للحد من تبعات هذه الظاهرة، وبخاصة أنها باتت تمثل تهديدا للأمن القومى واستقرار المجتمعات.

يمكن الوقوف على أبرز مظاهر ومجالات وحدود تأثير التغيرات المناخية على الصراعات المسلحة على النحو التالى:
نشوب الصراعات والاحتراب الداخلى: تؤدى التغيرات المناخية وما يصاحبها من ارتفاع درجات الحرارة، وحالات الجفاف، وهطول الأمطار، والصراع على الموارد إلى تصاعد حدة الصراعات المسلحة، الأمر الذى قد يتحول لاحقا إلى حرب أهلية تمتد تداعياتها لتطال الاستقرار الداخلى. ويمكن ملاحظة هذا النمط من التأثير فى عدد من الصراعات، يأتى فى مقدمتها الصراع الممتد فى نيجيريا بين الرعاة البدو والمزارعين على الموارد.
فقد تسبب هذا الصراع فى مقتل أكثر من 3600 شخص خلال ثلاثة أعوامٍ فحسب. كما بلغ هذا الصراع ذروته فى النصف الأول من العام ذاته، ليسجل ما يزيد على 1300 ضحية، وهو ما يتجاوز 6 أضعاف التداعيات الناجمة عن عمليات تنظيم «بوكو حرام» فى نيجيريا فى المدة نفسها.
وقد ذهبت بعض التحليلات إلى أن الحرب الأهلية السورية لا تعدو كونها نتاجا للتغيرات المناخية؛ فقد شهدت سوريا حالة من الجفاف الشديد بين عامى 2006 و2011 ما تسبب فى إهدار ما يقرب من 75% من أراضيها الزراعية، فضلا عن نفوق 85% من ماشيتها، وهجرة نحو مليون ونصف سورى وسورية من الريف إلى المدن والمراكز الحضرية. وقد شكلت تلك العوامل ــ بالتضافر مع الدوافع السياسية والاجتماعية ــ ما آلت إليه الأوضاع الحالية فى الساحة السورية.
فى الوقت ذاته، أكد عددٌ من التحليلات ارتباط جذور الصراع فى دارفور بالتغيرات المناخية؛ فى ظل انخفاض هطول الأمطار بنسبة 30%، وتراجع الإنتاج الزراعى بنسبة 70%، وارتفاع درجة الحرارة بنحو 1.5 درجة، الأمر الذى ساهم فى تفاقم حدة الصراع. وهو ما عبر عنه الأمين العام السابق للأمم المتحدة «بان كى مون» الذى رأى أن الصراع فى دارفور هو أول صراع ناجم عن التغيرات المناخية فى العالم. ففى رؤيته، يعد الصراع أزمة بيئية، ساهمت التغيرات المناخية فى تفاقمها.
تنامى الحروب والصراعات المناخية: يمكن أن تساهم التغيرات المناخية فى إشعال فتيل الصراعات والنزاعات المستقبلية، حيث يدفع البعض بأن الصراعات القادمة ستكون صراعاتٍ وحروب مناخية بالدرجة الأولى، الأمر الذى يمكن أن يساهم فى تأجيج الصراعات لتأخذ نمطا مغايرا عن الصراعات الآنية.
وقد أوضحت الدراسة المعنونة «المناخ كعامل خطر للصراعات المسلحة»، المنشورة بمجلة «Nature» فى يونيو 2019، أن 20% من صراعات القرن الفائت تأثرت بالتغيرات المناخية. كما يتوقع تزايد هذه النسبة مستقبلا فى ظل مزيدٍ من التقلبات المناخية والتى من شأنها أن تزيد من مخاطر الصراعات والحروب المناخية.
فى الوقت ذاته أشار عدذ من الدراسات إلى أن ارتفاع درجات الحرارة بنسبة 4% سوف يزيد من تأثير المناخ على النزاعات بنسبة 26%. وهو ما يعنى تزايد التأثير بمعدل يصل إلى 5 أضعاف التأثير الحالى. وفى الوقت ذاته، وفى حالة تحقيق الهدف المُعلن من اتفاق باريس، سيتضاعف تأثير التغيرات المناخية على الصراعات المستقبلية. وكل ذلك يؤول إلى نتيجة مفاداها أن التأثيرات المستقبلية والمحتملة على الصراعات القادمة بفعل التغيرات المناخية سوف تزداد بشكل كبير، الأمر الذى قد يدعم الفرضية الرامية إلى وصف النزاعات والصراعات القادمة بـ«الصراعات المناخية».
هشاشة الدولة ومؤسساتها: لا شك أن التغيرات المناخية قد تتسبب فى تفاقم عدم الاستقرار، فضلا عن تنامى الاضطرابات الاجتماعية، وغياب قدرة الدولة على توفير الاحتياجات الأساسية لمواطنيها. وعليه، قد تتسبب هذه العوامل فى تفاقم غضب الشعب على الحكومة ومؤسساتها، ومن ثَمَّ زعزعة الاستقرار ونشوب مزيدٍ من الصراعات، وقد يصل الأمر لسقوط بعض الدول. وقد برز ذلك بصورة واضحة خلال تبنى مجلس الأمن القرار رقم 1249 فى مارس 2017، وهو القرار المتعلق بالصراع فى بحيرة تشاد.
فقد أقر القرار آنذاك بأن التغيرات المناخية تعتبر عاملا مساهما فى عدم الاستقرار ومن ثَمَّ نشوب الصراع. من ناحية أخرى، اعتبر عدد من الدراسات أن أحداث عام 2011 ارتبطت بشكل أو بآخر بالتغيرات المناخية. كما ترتبط التغيرات المناخية بالبلدان والدول الضعيفة، الأمر الذى يظهر بشكل واضح فى منطقة القرن الإفريقى؛ إذ أوضح مؤشر الدول الهشة أن دول هذه المنطقة (الصومال، واثيوبيا، وإريتريا، وكينيا، والسودان، وجنوب السودان) من أشد البلدان ضعفا فى العالم.
مجمل القول، كلما زادت هشاشة الدول وفقدت القدرة على السيطرة، تأثرت بالتغيرات المناخية. وهو ما يؤدى إلى مزيد من الصراعات بسبب حالات الجفاف وعدم القدرة على إدارة الموارد. وعلى الرغم من تباين وجهات النظر والنقاشات حول حدود وطبيعة التأثير وحجم الترابط بين التغيرات المناخية والصراعات المسلحة، إلا أن المؤشرات والدلائل جميع تشير إلى أن العالم سيواجه عددا من التحديات الأمنية والبيئية وجملة من الأزمات الحادة جراء التغيرات المناخية.

المصدر: المركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر