التحديث العسكري لدول الآسيان: البرنامج الجديد

التاريخ والوقت : السبت, 20 يوليو 2019

وردة إيروم

 

كثيرًا ما كان الخطاب حول شؤون الأمن والدفاع الدولية مشبعًا بديناميات المعضلة الأمنية. وحتى اليوم، فعندما نكون بصدد العلاقة المعقدة بين الدول بطرق متعددة، نجد أن السياسة العالمية لا تزال تميل إلى تفضيل المعايير المكيافيلية؛ حيث تبدو الدولة بصدد الاعتماد على قوتها التسليحية بشكل أكبر من أي جانب آخر.

وعلى ما يبدو، فإنه من المنطقي تمامًا امتلاك الأجيال الأخيرة من الأسلحة بكميات وفيرة لردع العدو. لكن ماذا لو لم يكن لدولة عدو، أو على الأقل ليس لديها أي عدو حالي بالمعنى العام للكلمة؟ هل ينبغي لمثل هذه الدولة أن تركز مواردها لبناء قطاع دفاعي قوي والمشاركة في سباق التسلح؟

إن الإجابة التي قد تنبثق في أذهاننا هي (لا). وللأسف، فإن هذا صحيح في حالة دول جنوب شرق آسيا. ففي السنوات القليلة الماضية، تضاعف تقريبًا الإنفاق العسكري لدول رابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان). والجدير بالذكر أن الميزانية العسكرية لتايلاند وإندونيسيا تتزايد بمعدل 10٪ على أساس سنوي. ومن المثير للاهتمام أن نلاحظ أن واردات فيتنام من الأسلحة قد ارتفعت بنسبة 700٪ على مدى العقد الأخير، مما يجعلها واحدة من أكبر عشرة مشترين للأسلحة. وتستورد دول آسيان الأخرى بشكلٍ متزايدٍ الطائرات المقاتلة والفرقاطات والمروحيات والغواصات وما شابه ذلك.

ويمكن تحليل الوضع الناشئ في المنطقة من خلال المنظورات الثلاثة المختلفة التالية: أولاً، زادت دول جنوب شرق آسيا من إنفاقها العسكري كنتيجة للانسحاب الأميركي من المنطقة وتزايد المخاوف بشأن النفوذ الإقليمي والعالمي المتزايد للصين.

وبينما تتمتع دول جنوب شرق آسيا عمومًا بعلاقات ودية فيما بينها، فإن روح النزعة الإقليمية شائعة جدًا في علاقاتها الثنائية والمتعددة الأطراف. وعلاوة على ذلك، ظلت هذه الدول، إلى حد بعيد، سلمية في الشؤون العالمية. لذلك، ورغم أن النظر للأمور من خلال هذا المنظور ينطوي على إشكاليات خاصة، فإنه ربَّما يكون صحيحًا إلى حد ما، أن الزيادة الأخيرة في الإنفاق تهدف إلى مواجهة الصين، التي تربطها بهذه الدول علاقات ودية، أو مساعٍ لملء الفراغ الأمني.

ثانيًا، يجادل بعض الخبراء بأن الإنفاق العسكري لدول جنوب شرق آسيا يتناسب مع معدل الناتج المحلي الإجمالي، كما أنه بدا مستقرًا خلال هذه الفترة؛ لذا فإن هذه الزيادة تعدُّ “طبيعية”.

أخيرًا، ووفقًا لبعض الباحثين، علينا أن ننظر إلى ما تشتريه هذه الدول فعليًا لفهم الوضع برمته؛ إذ يجادل هذا الفريق بأن هذه الدول كانت تنفق الأموال على “تحديث” أسلحتها التي كانت تعمل بالكاد لسنوات. ولهذا الموقف، فإن الزيادة في الإنفاق العسكري ليست أكثر من الجهود العادية لتحديث أسلحة الدولة.

هنا تكمن المشكلة الفعلية، أي: لماذا يجب على الدول أن تسعى إلى تحديث أسلحتها عندما لا يكون هناك سبب لهذا، في حين كانت هذه الأسلحة “بالكاد تعمل لسنوات”؟

وتحتاج الأسلحة مثل كافة أنواع المعدات إلى صيانة وإشراف وتنظيم مستمر؛ وهو ما يتطلب الكثير من الموارد. وحتى إذا كان الإنفاق العسكري لدولة ما يتوافق مع ناتجها المحلي الإجمالي، فإن التسليح أو التحديث، سواء كان نوعيًا أو كميًا، ينبغي أن لا يكون مبررًا.

لقد شهد السياسة الدولية منذ الحرب الباردة العديد من جهود نزع السلاح، سواء كان ذلك من خلال اتفاقيات متعلقة بالأسلحة الكيميائية أو البيولوجية، أو مناطق نزع السلاح النووي، أو معاهدة تجارة الأسلحة، أو معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. ويعدُّ الوقت الراهن مناسبًا، فبدلاً من جعل مسألة امتلاك الأسلحة الحديثة أمرًا اعتياديًا، يجب على الدول أن تتحد للتغلب على تلك القاعدة. وعلى وجه الخصوص، فإن دول جنوب شرق آسيا، التي ليس لديها عداوة متأصلة بعمق، لا داخل المنطقة ولا خارجها، يبدو أنها بصدد انقلاب على قاعدة “الأسلحة العسكرية الحديثة”، التي يرجح أن تظل “قائمة بالكاد لسنوات”.

علاوة على ذلك، وكما أشرنا سابقًا، فإن ما كانت هذه الدول تستورده هو ما تعلنه بالفعل. ومع ذلك، فإن إعادة توجيه هذا التحديث في التسلح بات أمرًا مهمًا بنفس القدر، حيث تحول تركيز العديد من الاستراتيجيات العسكرية في المنطقة بعيدًا عن مكافحة التمرد إلى الدفاع الخارجي والحرب التقليدية.

وبينما تلعب العوامل المحلية دورًا رئيسًا، نجد أن بعض الدول ضاعفت إنفاقها بالفعل، وهو ما قامت به تايلند بعد الانقلابات العسكرية في عامي 2006 و 2014. وقد بررت ميانمار قيامها بحشد الأسلحة بحجة اضطرارها للتعامل مع مختلف الجماعات المتمردة داخل الدولة. وعلى الرغم من حالة ميانمار الخاصة، فبدلاً من الإنفاق الكبير على الجيش وارتكاب فظائع جسيمة ضد مجتمع الروهينجا الخاص بها، كان من المتعين عليها توفير المأوى لهم.

رغم أن العديد من الدراسات تدحض حجة أن هناك أية صلة فعالة بين التسلح والحرب. ولكن بالنظر إلى ذلك، فعندما تهدف هذه الجهود لتعزيز قدرات الحرب الخارجية، فإنه من المحتمل أن تثير بعض عدم الثقة المتبادلة في مرحلة ما في المستقبل.

لكن المشكلة ليست مجرد مسألة الصراع التي “قد تنشأ”، وإنما تكمن في حالة الانتشار التي لا هوادة فيها للإنفاق على الأسلحة على المستوى الدولي الذي شرع بهدوء في تبرير شراء وبيع الأسلحة الفتاكة. لدرجة أنه، عادةً ما يتم تبرير هذه الحالة وترشيدها في “سياق أوسع” لضروريات امتلاك أسلحة ضخمة لتأمين الاستقرار. وللأسف، نادرًا ما يكون هذا السياق الأوسع “واسعًا بما يكفي” بشكل يشمل حقوق الإنسان والمنظورات الإنسانية في محيط السياسة العالمية؛ وهو ما يعني أن دول جنوب شرق آسيا لا تزال غارقةً في سباق تسلح لا ينتهي.

خلاصة القول، فإن الخطاب العام حول الأمن والدفاع الدوليين، والذي يركز على تكديس الأسلحة، يبدو في حاجة لإعادة تنظيمه مع المعطيات الجديدة في المرحلة الراهنة. وبالتالي، فمن المتعين على دول جنوب شرق آسيا أن تركز على دورها كمتغير أساس عن طريق تحويل مواردها من الإنفاق الدفاعي الشامل إلى تنمية الموارد البشرية؛ ذلك أن التقدم والتنمية في الاقتصاد والمجتمع والعلوم والتكنولوجيا، يؤتي ثماره بطرق أفضل بكثيرٍ من استثمار الموارد الثمينة في سباق التسلح.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: أوراسيا ريفيو

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر