التأثير العالمي المحتمل لتفشي فيروس كورونا

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 4 فبراير 2020

ديفيد أ. فيمر

 

إن اندلاع سلالة جديدة من الفيروسات القاتلة يدفع صانعي السياسة الدولية إلى الاندفاع، في حين بدأت آثار الأزمة في الظهور في جميع أنحاء العالم. ويُعتقد أن الفيروس المعروف باسم “الفيروس التاجي الجديد” لعام 2019، قد نشأ في مدينة “ووهان” بالصين، وقد أصاب الآن ما لا يقل عن 2700 شخص وقتل واحدًا وثمانين. بالإضافة إلى تلك الحالات التي تمَّ تسجيلها في الصين، أُبلِغ عن حالات إصابة بالفيروس الجديد في إحدى عشرة دولة أخرى. وقد استجابت السلطات الصينية لتلك الأزمة عن طريق إغلاق مدينة “ووهان” وغيرها من المدن في جميع أنحاء مقاطعة “هوبى”، فضلاً عن تقييد سفر أكثر من 60 مليون شخص. ويعتقد الخبراء الدوليون أن هذا الفيروس ينتشر جزئيًا على الأقل من خلال الاتصال البشري.

وذكرت المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض في 26 يناير، أن هناك خمس حالات موثقة في الولايات المتحدة، بما في ذلك ثلاث حالات معروفة سافرت إلى “ووهان”. وقد قام الرئيس الأميركي دونالد ترمب بكتابة تغريدة يوم 27 يناير كرر فيها أن الولايات المتحدة كانت “على اتصال وثيق جدًا مع الصين” بشأن الفيروس وأن إدارته “قد عرضت على الصين والرئيس شي جين بينغ أي مساعدة ضرورية”.

ويأتي تفشي الفيروس في وقت سيئ جدًا بالنسبة لبكين، وذلك في أعقاب الاضطرابات المستمرة في هونغ كونغ التي قد تؤثر على عملية إعادة انتخاب الرئيس الأميركي المؤيد لسيادة “تساي إنغ ون” في تايوان، وفقًا لـ”روبرت أ. مانينغ”، الزميل المقيم في مركز سكوكروفت للاستراتيجية والأمن التابع للمجلس الأطلسي، الذي قال “إن وباء الفيروس الجديد يشكل تحديًا خطيرًا لدولة الحزب الشيوعي الصين”، وقال إن بكين “تكتشف الطريقة الصعبة حتى إن أكثر أشكال الاستبداد التكنولوجي فاعلية لا يمكنها التحكم في الطبيعة”. كما قال زميل مبادرة أمن آسيا في مركز سكوكروفت للاستراتيجية والأمن إنه “على الرغم من أن هذه هي المرة الثانية التي تتعامل فيها الصين مع مرضٍ وبائيٍ، بعد اندلاع مرض الالتهاب الرئوي الحاد (السارس) في عام 2002، فإن الصين لا تزال تفتقر إلى النظم الاجتماعية والمؤسسية الفعالة للتعامل مع مثل هذه الأوبئة.”

وقد أوضحت “ريبيكا شيورير”، مديرة المبادرة الإنسانية لمركز أدريان آرشت روكفلر، أنه “في حالة حدوث حالة طارئة للصحة العامة، مثل تفشي الأمراض المعدية، فإن هناك بعض العناصر الأساسية اللازمة لموظفي الصحة العامة، كما أن الاكتشاف المبكر والاتصال مع ظهور أوبئة جديدة، يجب على مديري إدارات الكوارث العمل عن كثب مع خبراء الأمراض المعدية  مثل المراكز الأميركية للسيطرة على الأمراض من أجل ضمان التنسيق الوثيق لتحقيق أكبر قدر من الاستجابة، وتوفير قنوات فاعلة للمعلومات الهامة للوصول إلى السكان المعرضين للخطر وإبلاغ صناع القرار”.

وذكرت أنه رغم أن الصين تفتقر إلى هذه النظم المؤسسية المتداخلة، فإن بكين “يجب أن تتعامل مع الآثار الاقتصادية والاجتماعية والسياسية غير المباشرة المحتملة الضخمة لفيروس كورونا في المنطقة وكذلك حول العالم”؛ ما يعني أن هناك قلقًا متزايدًا في بكين. كما أضافت “إذا كان هذا الوباء في مراحله المبكرة، فقد يصبح القشة التي قصمت ظهر البعير لاقتصاد يعاني فقرًا فعليًا”.

بجانب ذلك أوضح “هونغ تران”، وهو زميل غير مقيم في برنامج الأعمال والاقتصاد العالمي التابع للمجلس الأطلسي، أنه “مع زيادة معدلات القابلة للوفاة في 2019أن فيروس كورونا سيصبح تأثيره على الاقتصاد الصيني والعالمي أكثر وضوحًا”. وقد بدأت السياحة، وقطاعات المستهلكين في الاقتصاد الصيني أكثر عرضة لتفشي الفيروس. وأشار إلى أن وباء (سارس) انتهى به الأمر بتكلفة الاقتصاد العالمي ما بين 50 إلى 100 مليار دولار، لكن فيروس كورونا يمكن أن يلحق أضرارًا أكبر بكثير، لأن صناعات السياحة أصبحت الآن أكثر أهمية بالنسبة للصين مقارنة بسارس”.

لكن نظرًا لأن اندلاع المرض “لا يزال متسقًا مع التجربة السابقة”، كما تقول قالت “باربرا سي. ماثيوز”، أقدم زميل غير مقيم في برنامج الأعمال والاقتصاد العالمي التابع لمجلس المحيط الأطلسي، فإنه سيتم التقليل إلى أدنى حد من التأثير الاقتصادي المادي والعدوى والتركيز على قطاعات الخدمات لإشراك التفاعلات من شخص لآخر، كما أن نطاق التأثير سيكون مهمًا جدًا لسرعة احتواء الفيروس.”

وكما يوضح “راندولف بيل”، مدير مركز الطاقة العالمي التابع لمجلس المحيط الأطلسي، وكرسي “ريتشارد مورنينغستار” لأمن الطاقة العالمي، فإن تأثير الفيروس قد تمَّ الإحساس به بالفعل في أسواق الطاقة العالمية أيضًا، ذلك أن المخاوف من انخفاض السفر والتباطؤ الاقتصادي العالمي الناجم عن آثار فيروس كورونا قد تسببت في انخفاض أسعار النفط خلال الأسبوع الماضي. “فقد وصل سعر برميل النفط حاليًا إلى أدنى مستوى له منذ أكتوبر، وأوضحت منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) أنها قد تخفض الإنتاج إذا انخفض الطلب فعليًا”. وعلى الرغم من استمرار المخاوف بشأن العرض من انخفاض الإنتاج في ليبيا نتيجة للاضطرابات التي تشهدها حاليًا، فإن الأسواق تبدو حاليًا وكأنها تعتقد أن الآثار المحتملة لفيروس كورونا على الطلب على النفط قد تتجاوز أي نقص في الإمدادات من الأزمة الليبية.

كما حذَّر “إيمرسون بروكينغ”، وهو زميل مقيم في مختبر أبحاث الطب الشرعي الرقمي التابع للمجلس الأطلسي، من أن “الصحة العامة باتت قضية مخيفة وشخصية وعاطفية جدًا”، إذ باتت تُنسج قصص عديدة حول فيروس كورونا، لكنها تشوبها التضليل. ونظرًا لأن الكثير لا يزال مجهولاً عن السلالة الجديدة من هذا الفيروس ومدى انتشاره، أو حتى كيفية تشخيصه بشكل موثوق به، فإن مستخدمي الإنترنت يروجون للكثير من الأكاذيب الخاصة به. ولأن الحكومة الصينية فرضت ضوابط صارمة على المعلومات، بات من الصعب فصل الواقع عن الخيال.

إذ يتم الترويج لقصص كاذبة خاصة بعدد القتلى الناتج عن فيروس كورونا. كما تمَّ اختراع عشرات الحالات المزيفة في الولايات المتحدة، وأُدّعي أن الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ تفرض حالة الطوارئ. حتى إن التلفزيون الروسي قد استفاد من انتشار فيروس كورونا وتوظيفه لأهداف سياسية، مدعيًا أن هذا سلاح بيولوجي جديد طورته الحكومة الأميركية؛ وهو ما يعني أنه في حالة تحول فيروس كورونا إلى وباء، فإنه سيمثل أزمة خاصة بعملية التضليل الأخطر في العالم حتى الآن.

أمَّا على المدى الطويل، فسيكون هناك رد فعل قاسٍ على السلطات الصينية بما يعزز الالتزام الصيني بالسيطرة المركزية على الاقتصاد والشعوب، كما يحتمل أن يعمق الاختلافات في أولويات السياسة مع الديمقراطيات الغربية الليبرالية. ومع ذلك، يجب النظر إلى الأزمة على أنها فرصة رئيسية للتعاون الاستراتيجي تحت القيادة الأميركية مع كل من الصين ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ الأوسع. ذلك أن الاستجابة لنهوض الصين في حقبة جديدة من منافسة القوى العظمى ستحتاج لأن “تعمل الولايات المتحدة مع حلفائها وشركائها في نطاق المحيط الهادئ والمحيط الهندي على صعود الصين في المجالات ذات الاهتمام المشترك وحتى المجالات المتعارضة على حد سواء، ذلك أن الخوف من فيروس كورونا ربَّما يمثل فرصة لواشنطن وبكين للتعاون، حتى في الوقت الذي تستعدان فيه لمزيد من المنافسة على مستوى العالم.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: المجلس الأطلنطي

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر