الانتحاريات: الردع العاجل مطلوب

التاريخ والوقت : الإثنين, 7 سبتمبر 2020

أمالينا عبدالناصر

 

يشير تورط الانتحاريات في تفجيرات “جولو” في أغسطس الماضي إلى الارتفاع المطرد في عدد المقاتلات في المنطقة. وأن هناك حاجة ملحة لمعالجة الثغرات في منع ومكافحة التطرف العنيف (PCVE) في جنوب شرق آسيا.

ففي 24 أغسطس 2020 وقع تفجير مزدوج في “جولو” بالفلبين، راح ضحيته 14 شخصًا. وتمَّ التعرف على الانتحاريين على أنهما امرأتان، إحداهما كانت زوجة إندونيسية لأول مفجر انتحاري من جماعة أبو سياف. ويمثل هذا الهجوم ثاني تفجير انتحاري نسائي في الفلبين، والرابع في جنوب شرق آسيا.

وقد تكون هذه بداية اتجاه جديد للانتحاريات في المنطقة. إن ذلك الوضع يقدم ديناميكية جديدة في التشدد، مما يشير كذلك إلى أن العمل القائم على النوع الاجتماعي في منع ومكافحة التطرف العنيف لا يزال أمامه طريق طويل ليقطعه.

الانتحاريات في جنوب شرق آسيا

امتنعت النساء تقليديًا في جنوب شرق آسيا عن القيام بأدوار في الخطوط الأمامية في شبكات الإرهاب. وقد لعبن أدوارًا داعمة مثل الأمهات أو الزوجات، والدعاية، والتجنيد، والتمويل، وتقديم الخدمات اللوجستية، والتعاطف.

ومع ذلك، ففي السنوات الأخيرة، قامت المتطرفات في المنطقة بأدوار قتالية كمهاجمات وانتحاريات. ويمكن إرجاع ذلك إلى عام 2016، عندما حاولت الإندونيسية “ديان يوليا نوفا” مع زوجها، تفجير أنفسهما باستخدام قنبلة خارج القصر الرئاسي في جاكرتا.

وبعد هذه المحاولة الفاشلة، أصبحت تفجيرات “سورابايا” في مايو 2018 أول هجوم في جنوب شرق آسيا تشارك فيه مقاتلات. كما أنه كان أول هجوم انتحاري ناجح في المنطقة تنفذه امرأة متطرفة، واشتمل على أفراد الأسرة المباشرين، بما في ذلك النساء والأطفال. أمَّا الهجوم الثاني، فقد شمل عائلة فجرت نفسها عند نقطة تفتيش في مقر شرطة “سورابايا”، ولم تنجُ إلا الابنة فقط.

وفي يناير الماضي، فجر زوجان إندونيسيان من أعضاء جماعة “ولاية أنشارود” أنفسهما في كاتدرائية سيدة جبل الكرمل، في “جولو” بالفلبين.

وفي مايو 2019، ألقت السلطات الماليزية القبض على ربة منزل تبلغ من العمر 51 عامًا كانت تخطط لتفجير سيارة مليئة بعبوات الغاز والمتفجرات بمركز اقتراع في بوتشونج – سيلانجور أثناء الانتخابات العامة للبلاد، وفقًا لما نقلته صحيفة “ستار” The Star، نقلاً عن مصدر استخباراتي.

وفي أكتوبر، أُلقي القبض على زوجين بعد طعن وزير الأمن الإندونيسي السابق، “ويرانتو”. وتشير هذه الحالات إلى اتجاه متزايد للمقاتلات في جنوب شرق آسيا، اللائي يستعرضن قدراتهن على القيام بأدوار “ذكورية”.

دعوة لحمل السلاح

يأتي الضغط على النساء لحمل السلاح من النساء الراديكاليات على وسائل التواصل الاجتماعي المشفرة ودعاية “داعش” على منصات مثل “فيس بوك”.

فعلى سبيل المثال، وفي حساب إندونيسي مؤيد لـ”داعش” على “فيسبوك”، انتشر مؤخرًا تصوير “مجاهدة” (من تنخرط في الجهاد)، حيث تحولت من متطرفة تحمل طفلاً، إلى مجموعة من النساء المسلحات اللواتي يحملن بنادق نصف آلية. وهذا يشير إلى زيادة قبول وتشجيع النساء لتولي أدوار في الخطوط الأمامية.

وتسعى مثل هذه الدعاية لترويج رسالة إلى النساء الراديكاليات بأنهن مفتاح نجاح أزواجهن والأمة (المجتمع المسلم)، لأنهن يتمتعن بالوكالة والقوة في أدوارهن العملياتية المتطورة.

وينتشر هذا أيضًا على المنصات المشفرة عبر الإنترنت، حيث أعربت بعض النساء الراديكاليات عن إحباطهن من تهميشهن ورغبتهن القوية في تحمل أدوار أكثر أهمية في شبكات “داعش”. وتظهر هذه الرغبة في المنشورات التي تؤكد أنه يجب “السماح للنساء بإراقة الدماء” في قضية “داعش”.

الغموض في المنظور الجنساني

تؤكد مجموعات مثل “داعش” وجود ميل جنساني في دعوتها لحشد النساء لدعم قضية التنظيم. فمع زيادة عدد المقاتلات تدريجيًا، كانت هناك حاجة متزايدة لمنهج جنساني في صنع سياسات مكافحة التطرف العنيف والراسخ.

ويضمن هذا النهج، المعروف أيضًا باسم تعميم مراعاة المنظور الجنساني، تلبية احتياجات ومصالح كل من الرجال والنساء في عملية صنع السياسات. ويأخذ في الاعتبار الاحتياجات والظروف المختلفة لكلا الجنسين في جميع مراحل صنع السياسات بحيث لا تفيد السياسات الرجال فحسب، بل النساء أيضًا، وتؤدي إلى نتائج أفضل.

ويدعو هذا النهج وكالات الأمن وإنفاذ القانون إلى أن تكون أكثر شمولاً في استراتيجياتها لمكافحة الإرهاب. ويمكن أن تساعد مشاركة المرأة في عملية مكافحة الإرهاب وصنع القرار بضمان دمج وجهات نظر المرأة والقضايا المتعلقة بالراديكالية والتطرف العنيف.

وتعتبر هذه الفروق الدقيقة في صياغة السياسات وتنفيذها أمرًا بالغ الأهمية لمواجهة دعاية “داعش”، لأن دوافع النساء لحمل السلاح تختلف عن دوافع الرجال. إن نهجًا يقوم على مبدأ “إجراء واحد يناسب الجميع” من قبل وكالات مكافحة الإرهاب ليس هو السبيل لذلك.

لماذا يعتبر تعميم مراعاة المنظور الجنساني بطيئًا على المستوى الإقليمي؟

في جنوب شرق آسيا، لا يزال تعميم مراعاة المنظور الجنساني في مجال التحويلات النقدية قيد التنفيذ.

إذ تأخذ فكرة تمثيل المرأة في ظاهرها في بعض الوكالات الحكومية قدرًا كبيرًا من الاهتمام. وعلى سبيل المثال، ففي الوكالة الوطنية لمكافحة الإرهاب (Badan National Penanggulangan Terrorisme or BNPT) في إندونيسيا، يتم تعزيز تعميم مراعاة هذا المنظور الجنساني.

وعلى الرغم من وجود حصص لضمان التمثيل النسائي، فإن الضابطات قمن بمهام إدارية بدلاً من شغل الأدوار الاستراتيجية للتأثير في صنع السياسات في وقت مبكر من هذا العام، وقد أصبحت ماليزيا أول دولة في المنطقة تعين أول امرأة تتولى رئاسة مكافحة الإرهاب. وفي حين أن هذه التعيينات تحقق تقدمًا كبيرًا، ينبغي استكمال هذه التعيينات بمزيد من المتخصصات في طليعة محتوى وبرامج مكافحة التطرف العنيف والطفولة، مثل مجالات إعادة التأهيل وإعادة الإدماج والمشاركة المجتمعية والتعليم.

وهناك العديد من الأسباب وراء إحراز أي تقدم ولو بطيئًا في تعميم مراعاة المنظور الجنساني في المنطقة. ومن بين أمور أخرى، قد ينبع ذلك من القوالب النمطية الجنسانية المتأصلة والطبيعة المحافظة للبلدان المعنية. وحتى يتغير هذا التصور، سيكون هناك دائمًا تحدٍّ أمام أية محاولة لإحراز تقدم في هذا المجال.

وللتصدي بوضوح لاتجاه الانتحاريات، يجب وضع جهود منع ومكافحة التطرف العنيف في إطارها الصحيح. ويجب على الوكالات الحكومية أن تحدد الوتيرة بالنظر إلى وفرة الموارد والخبرة لديها. كما يجب على الحكومات أن تبذل الجهود لتعزيز التعاون بين الوكالات.

ويمكن لأي نهج حكومي منظم وأي شراكات حقيقية بين الحكومة وأصحاب المصلحة، بالتوازي مع تعميم مراعاة المنظور الجنساني، أن يمنع المزيد من النساء من الوقوع في أحضان المتطرفين العنيفين.

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: مدرسة راجاراتنام للدراسات الدولية

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر