مركز سمت للدراسات الاقتصاد الدولي لإيذاء النفس | مركز سمت للدراسات

الاقتصاد الدولي لإيذاء النفس

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 18 مايو 2021

كارلوس كورياما

 

إن تنفيذ أو تهديد إقليم آخر بعقوبات اقتصادية، من أجل تحقيق غاية سياسية للأمة هو تكتيكٌ قديم، ففي أوروبا القديمة وفي العصور الوسطى تم وضع الحصار التجاري، للحصول على امتيازات تجارية أو لإجبار المعارضين على الاستسلام، أما اليوم مع العولمة أصبحت الأقاليم أكثر ارتباطًا وترابطًا، وتطورت آليات الإكراه الاقتصادي في ظل هذه الظروف الجديدة.

تشتمل الأدوات القسرية الشائعة في التجارة التعريفات الجمركية، على الواردات والمعالجات التجارية وحظر أو قيود التصدير التي تؤثر على سلع معينة من مصدر أو منشأ معين، وتشمل الطرق الأخرى قطع المساعدات الخارجية، وتجميد الأصول المالية، وإخراج البنوك من نظام المقاصة “SWIFT؛ جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك”، ورفض الحصول على الموافقات التنظيمية، ومقاطعة منتجات معينة.

ومع ذلك، ففي الاقتصاد العالمي الشديد الترابط اليوم، أثبتت معظم هذه الإجراءات القسرية عدم فعاليتها، على سبيل المثال عند التفاوض على صفقة تجترية بين الولايات المتحدة والصين للمرحلة الأولى، فشلت إدارة “ترمب” في إجبار الصين على زيادة مشترياتهم، من منتجات وخدمات التصنيع والزراعة والطاقة من الولايات المتحدة على النحو المتفق عليه في البداية، تُظهر دراسة “تشاد باون” الأخيرة أن الصادرات الأميركية إلى الصين من السلع المدرجة في تلك الصفقة، بلغت 94 مليار دولار أميركي بحلول نهاية عام 2020، بزيادة قدرها 13% عن عام 2019 وتمثل 59% فقط من الالتزام.

يؤثر الإكراه الاقتصادي أيضًا على أولئك الذين يهدفون إلى الإكراه، فقد دفعت الشركات والمستهلكون الأميركيون تكاليف زيادة الرسوم الجمركية على المنتجات الصينية، من خلال زيادة أسعار السلع الاستهلاكية المستوردة، وارتفاع تكلفة المكونات والمعدات المستوردة، من الصين لإنتاج السلع وتقديم الخدمات في الولايات المتحدة، قبل جائحة “كوفيد- 19” انخفضت الصادرات الأميركية من البضائع إلى الصين بنسبة 11.2% في عام 2019، بسبب الرسوم الجمركية الانتقامية التي فرضتها الصين، بعد أن زادت إدارة ترامب الرسوم الجمركية على مجموعة من المنتجات الصينية، لقد أثَّر هذا الانتقام على العاملين في الشركات الأميركية، التي واجهت فجأة شروطًا غير مواتية للمنافسة في السوق الصينية.

أثَّرت صفقة المرحلة الأولى أيضًا بشكل سلبي على أطراف ثالثة، حيث بدأت الصين في استيراد المزيد من الولايات المتحدة على حساب الآخرين، ففي عام 2019 على سبيل المثال، زادت الصين وارداتها من فول الصويا الأميركي بنسبة 77% أي زادت من 7.9 مليار دولار أميركي إلى 14.2 مليار دولار أميركي لكنها خفضت واردات فول الصويا من الأرجنتين بنسبة 38% – من 3 مليارات دولار أميركي إلى 1.8 مليار دولار أميركي.

إن الإكراه الاقتصادي يؤدي إلى تعقيد استعادة العلاقات القائمة على الثقة المتبادلة، وهو يزيد من حدة القومية ويولد الكراهية تجاه الدولة القسرية، بين شرائح واسعة من السكان في الدولة المستهدفة.

وفي عام 2019 طبقت اليابان ضوابط تصدير أكثر صرامة على فلوريد الهيدروجين والبوليميد المفلور ومقاوم الضوء، وهي ثلاث مواد كيميائية رئيسية لإنتاج أشباه الموصلات إلى كوريا الجنوبية، مُدَّعِية أن هذه المواد الكيميائية يمكن استخدامها لأغراض عسكرية إذا تم بيعها لأطراف ثالثة معادية.

في كوريا الجنوبية، اعتبرت هذه الإجراءات بمثابة انتقام من قرار المحكمة العليا، الذي أمر شركات يابانية معينة بتعويض الكوريين، الذين تم استخدامهم كعمالة قسرية خلال الحرب العالمية الثانية، لقد دفعت ضوابط التصدير اليابانية إلى مقاطعة المستهلكين الفورية في كوريا ضد المنتجات اليابانية، مما أدى إلى انسحاب “شركة نيسان” لصناعة السيارات من السوق الكورية، وردت كوريا الجنوبية بإزالة اليابان من “القائمة البيضاء” للشركاء التجاريين المفضلين.

أثَّرت ضوابط التصدير بين اليابان وكوريا الجنوبية على سلاسل توريد منتجات تكنولوجيا المعلومات، حيث كانت الشركات في كوريا الجنوبية تستورد إلى حد كبير تلك المواد الكيميائية من اليابان، وليس من المُستَغرب أن تكون الشركات الكورية تبحث عن استراتيجيات لفصل جزئي عن اليابان، مثل تحديد مصادر الاستيراد الأخرى والاستثمار في الإنتاج المحلي، لهذه المواد الكيميائية التي تعتبر بالغة الأهمية لإنتاج أشباه الموصلات.

لم تكن أي من الإجراءات التي تم تنفيذها خلال الخلاف التجاري، بين اليابان وكوريا الجنوبية فعالة في إجبار الطرف الآخر على تغيير موقفه، بل على العكس فإن الضغط لفصل التضامن المحبط القائم على المزايا النسبية فرض تكاليف أعلى على ممارسة الأعمال التجارية.

وبالمثل، لم تكن الإجراءات الصينية الأخيرة ضد الصادرات الأسترالية، فعالة في إجبار أستراليا على التراجع عن قراراتها بمنع صفقات الاستثمار الأجنبي الصيني في القطاعات الاستراتيجية- بما في ذلك الحظر على شركة “هواوي HUAWEI” لتوفير المعدات لشبكة “الجيل الخامس 5G”- الأسترالية ودعوتها إلى صحةٍ عالميةٍ مستقلة، إن استفسار المنظمة عن أصل “كوفيد- 19”.

أثَّرت التعريفات الجمركية الصينية والقيود التجارية الأخرى على الشركات الأسترالية وذلك بتحويل مشترياتها إلى موردين آخرين، وقد أدَّى فرض الصين لتدابير مكافحة الإغراق والرسوم التعويضية على الشعير الأسترالي، إلى خفض صادرات الشعير الأسترالية إلى الصين من 410 مليون دولار أميركي إلى 330 مليون دولار أميركي بين عامي 2019-2020.

كانت نتيجة هذه الإجراءات التجارية التدهور السريع لسمعة الصين في أستراليا وحول العالم، وأظهر استطلاع أجراه “مركز بيو للأبحاث” لعام 2020 أن 81% من المستجيبين الأستراليين لديهم آراء سلبية نحو الصين، وذلك ارتفاعًا من 32% في عام 2017. ويشير هذا الاستطلاع إلى أن تصرفات الصين تأتي بنتائج عكسية في التأثير على المجموعات الأسترالية، للضغط من أجل تغييرات السياسة التي تُلَبِّي المصالح السياسية للصين.

يُعد العمل معًا أمرًا حيويًا في عصر العولمة، حيث أن الاعتماد المتبادل مرتفع وتكاليف الإكراه الاقتصادي ثنائية الاتجاه، ولها آثار معقدة على الأطراف الثالثة، كما يُعد بناء علاقات طويلة الأمد مبنية على الثقة بين الحكومات خطوة مهمة نحو الحدِ من استخدام الإكراه الاقتصادي وحل النزاعات بطريقة ودية.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: East Asia Forum

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر