الإقليمية الصاعدة: اتجاه جديد أم فكرة قديمة تحتاج لفهم أفضل؟

التاريخ والوقت : الأحد, 15 سبتمبر 2019

 ريهاردز كولس

مع تبدد الثقة في الحكومات والنخب السياسية، أصبحت المجتمعات الديمقراطية مجزأة ومنقسمة على نحو متزايد سياسيًا وثقافيًا ولغويًا، وهنا يمكن أن توفر الإقليمية التوازن المطلوب.

لا يوجد مثال على ذلك أوضح من حالة الاتحاد الأوروبي (EU)، إذ شهدت أوروبا خلال الستين سنة الماضية تغييرًا سياسيًا جذريًا، فتزايدت القوانين والمؤسسات الأوروبية فوق الوطنية Supranational، مع تزايد أهمية الحكم الإقليمي والمحلي داخل الدول الأعضاء، حيث تواصل السلطة الانجراف من العواصم الوطنية إلى المدن والمناطق. وبالتالي، فإن الإقليمية تبدو كدينامية قارة أوروبا الحالية والمستقبلية؛ إذ تبدو كحقيقة أساسية في المشهد السياسي الأوروبي اليوم. ويمكن أن يقدم نجاح الإقليمية في أوروبا مثالًا مهمًا لدول آسيا الوسطى، التي لا تزال مترددة بشأن التعاون الإقليمي على الرغم من خصائصها الاقتصادية والثقافية والجيوسياسية المشتركة، بجانب الحاجة إلى مزيد من التماسك الداخلي.

وبينما يشعر البعض بالقلق من أن يشكل الترابط الإقليمي المتزايد تهديدًا للقوة المركزية للحكومات الوطنية، يمكن أن تعمل كلٌّ من التوجهات الإقليمية والعالمية كقوى معتدلة للسيطرة على المشهد السياسي ودفع التنمية الاقتصادية التي تشتد الحاجة إليها في مجتمعات بأكملها.

لقد كان التكامل الأوروبي فيما قبل منتصف الثمانينيات، معنيًا بالدول القومية، حيث لم تكن السلطات الإقليمية والمحلية على درجة معقولة من التأثير، فقد بدا التعاون بين الدول غير ضروري. وهو ما تغير على مدار الثلاثين عامًا الماضية مع توسع الاتحاد الأوروبي في جنوب وشرق القارة، مع التركيز بشكلٍ جديدٍ على سياسة التماسك. تلك السياسة التي تحقق فوائد على مستوى التكامل الاقتصادي والسياسي الأوروبي للمناطق داخل الدول الأعضاء التي تحتاج إلى فرص النمو هذه.

ومع تطور الهياكل التعاونية الإقليمية الجديدة، لم تعد هناك حاجة لمناطق مثل آسيا الوسطى حتى “تعيد اختراع العجلة”. فقد حققت بلدان شمال أوروبا وأميركا الجنوبية ودول أخرى نجاحات وتحملت إخفاقات وواجهت تحديات لا تختلف عن تلك التي تواجهها آسيا الوسطى اليوم. إذ يمكن لمجموعة “فيشيغراد” Visegrád، و”تجمع دول البلطيق الثمانية”، وNordic-Baltic 8، وغيرها أن تكون نماذج لممارسات أفضل.

الإقليمية في آسيا الوسطى

لا توجد اليوم هيئة واحدة توحد آسيا الوسطى، وذلك على الرغم من أنها تمتلك كافة المتطلبات والشروط اللازمة لإقامة كيان مؤسسي قوي، وهي الشروط والخصائص التي تتراوح ما بين الاقتصادية والثقافية المشتركة، بجانب الأهمية الجغرافية السياسية المشتركة، والترابط الكبير في الموارد. وفي الواقع، يتميز التعاون الإقليمي لدى دول آسيا الوسطى بوجود درجة عالية من التكامل مع عدد من القوى خارج المنطقة مثل الصين وروسيا، بشكل يفوق التكامل فيما بينها.

لكن في النهاية فشلت محاولات إقامة كيان مؤسسي دائم للتعاون الإقليمي بين كازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان. وعلى الرغم من مشاركة بعض دول آسيا الوسطى في الاتحاد الاقتصادي الأوروبي الآسيوي (EAEU)، و”منظمة شنغهاي للتعاون” (SCO)، فقد تمَّ حل المنظمة الحقيقية للتعاون في آسيا الوسطى (CACO)  في عام 2005، ما يعني أن فشل الإقليمية في آسيا الوسطى يُعَدُّ لغزًا.

ربَّما يكمن أحد الأسباب في طموحات روسيا. ففي مواجهة صعود الصين، تستخدم موسكو الاتحاد الاقتصادي الأوروبي الآسيوي من أجل الحفاظ على نفوذها المهيمن على الجمهوريات السوفيتية السابقة في آسيا الوسطى، كما تسعى بنشاط إلى إنشاء منظمات متعددة الأطراف للعمل في إطار مؤسسي كنموذج تحاول موسكو فرضه على جيرانها وإن بدا ذلك بشكل غير فعال.

لقد أدت هذه الرؤى الجيوسياسية المتنافسة لمشاريع التعاون الإقليمي إلى إعاقة أية محاولات فعلية للتقدم نحو إنشاء مؤسسةٍ إقليميةٍ ذات مغزى. وبدلاً من العمل على تنفيذ مشاريع إقليمية ملموسة، غالبًا ما تستخدم دول آسيا الوسطى الهياكل الإقليمية الرسمية لمحاولة زيادة نفوذها على حساب جيرانها. ويعكس هذا الغموض العميق الرغبة في التعاون وإن كان “على الورق”، ولكن اختيار اتجاهات سياسية متباينة على أرض الواقع، لا يمكنه تقديم شيء للتغلب على الحواجز التي تعترض التعاون الإقليمي على المدى الطويل، بما يؤدي إلى خلق صورة آسيا الوسطى التي نراها اليوم، وهي الصورة التي تعكس واحدة من أقل مناطق العالم تكاملاً.

وفي حين أن تجنب المؤسسات الإقليمية التي يتم إعادة هيكلتها من شأنه أن يساعد دول آسيا الوسطى على حماية سيادتها من تدخلات القوى الخارجية مثل روسيا والصين، إلا أن المنطقة لا تزال تكافح من أجل تعزيز إمكانية التواصل والتكامل الاقتصادي الإقليمي وتحقيق التنمية. وهو ما يدل على أن المؤسسات القائمة على الحاجة النظرية للتعاون، بدلاً من الاهتمام الفعلي والرغبة في العمل من أجل التعاون، لن تسهل تطوير هذه الهياكل. وبالتالي لا يكفي أن نصدق أن الإقليمية والأطر متعددة الأطراف هما الأكثر أهمية للعلاقات الدولية التعاونية. وهو ما يفرض التعاون بين الجميع من أجل التوصل إلى اتفاق، وكذلك العمل وفقًا لنفس القواعد، وأن ذلك من شأنه تعزيز الأمن لدى هذه الدول وتعزيز حرية الشعوب. كما أن الشركات تبدو مستعدة للاستثمار. أمَّا العمل من خلال القواعد الفردية، فمن شأنه ألا يؤدي إلى التعاون، بقدر ما يؤدي إلى الصدام والمواجهة.

ولمّا كانت المشروعات الخارجية فشلت بشكل واضح، فإن التحرك للأمام في آسيا الوسطى ينبغي أن يتضمن مشاركة حقيقية من قبل قادة هذه الدول، كما ينبغي على المجتمع الدولي دعم هذه المحاولات الإقليمية.

فالهياكل الإقليمية القائمة والحاجة الواضحة إلى تعاون إقليمي أوثق من شأنه أن يعزز إمكانية التوصل لاستنتاجات هامة، فالمؤسسات الإقليمية تبدو مهمة لأنها تضع إطارًا للتعاون يحدد الهدف والرغبة في هذا التعاون. وعند تطوير الهياكل التعاونية الإقليمية، سيكون من الأهمية بمكان اتباع نهجٍ عمليٍ مرنٍ، بل ويمكن أن يركز على الاهتمام المتبادل، فضلاً عن الاستفادة من مزايا النماذج الأخرى.

إن المنظمات الإقليمية لا تمثل غاية في حد ذاتها؛ ذلك أنها تمثل أدوات لخدمة المصالح السياسية والأفكار الاقتصادية والاستراتيجية. علاوة على ذلك، فإنها تسمح للدول بتعزيز قوتها ونفوذها عن طريق إلزام نفسها بالعمل من خلال هذه المؤسسات، مع توفير الوسائل المختلفة التي تسمح في الوقت نفسه بزيادة تماسكها الداخلي عن طريق نشر الرخاء بشكل أكثر توازنًا داخل مجتمعاتها.

وبالتالي، فإن الإقليمية تسمح للمصطلحات التي كانت نوعًا ما تبدو ضعيفة من الناحية الهيكلية، في النطاق المحيطي والهامشي، بعدم تحمل الدلالات السلبية للتجاهل. وبناء عليه ذلك، فإن ما يبدو مركزيًا قد تغير أيضًا، فالمركز لم يعد مرادفًا للازدهار والتنمية. كما أنه من خلال الإقليمية والتعاون الحقيقي، تمَّ تحرير البلدان والشعوب من قيودها الجغرافية، بل وأصبحت الآن حرة في متابعة مصالحها وأهدافها.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: المجلس الأطلنطي

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر