الإعلام الخارجي للحكومات.. بين التحدي الدعائي ورهانات “الدبلوماسية العامة”

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 28 يوليو 2020

يحيى القبعة

 

كان للصراع الأيديولوجي الناتج عن عدم استقرار حالة السلام بين الأقطاب دور بارز في الدفع بالحكومات لأن تنافح من أجل الانتصار فكريًا في معركة وجود. وتحت هذا الظرف، دأبت القوى الكبرى منذ القرن الماضي في تفعيل كل ما من شأنه أن يروج منتجاتها الفكرية للمجتمعات الخارجية وذلك من خلال تطويع الأداة الإعلامية طمعًا في كسب الرأي العام أو حتى على الأقل في محاولة السعي لمزاحمة أفكار التيارات المتدفقة الأخرى. وحتى أكون دقيقًا بما يكفي، فإني أرمي إلى تلك الحقبة التي تشكلت فيها هذه الحالة بشكل جلي، والمتزامنة مع أحداث الحرب العالمية الثانية وما تلاها من حرب باردة تركزت بين القطبين الشرقي المتمثل في الاتحاد السوفييتي، والغربي المتمثل في الولايات المتحدة الأميركية.

في تلك الأثناء برز دور الدعاية السياسية كممارسة إجرائية أكثر وضوحًا وعلى وفقها تمَّ استغلال الوسائط الإعلامية المتاحة في ذلك الوقت لخدمة أيديولوجية السلطة. ولعلنا نستحضر وفق هذا الإطار ما ذكره “جوبلز” وزير الدعاية النازية ومؤسس عدد من الكيانات الإعلامية في عهد “هتلر” حينما قال: “فكّر بالصحافة على أنها أعظم لوحة تحكم يمكن للحكومة أن تتحكم بها”. ما تفضي إليه هذه المقولة ليس فقط في مدى إمكانية الحكومات باستثمار الأوعية الإعلامية لصالحها، ولكن في مدى عظم هذه الأوعية بالتحديد وأبعادها الممكنة في تحقيق الأهداف. من ضمن الأدوات الجوهرية الإعلامية التي خدمت العملية الدعائية حينها، هي الإذاعة لما تميزت به من قدرة على الوصول والانتشار والتأثير وإمكانية تطابق صبغتها التقنية مع سلوك المجتمعات ذات الطابع الجمعي آنذاك. وكانت هناك عدة محطات مختلفة، مثل راديو موسكو الذي يقوم بنشر الفكر السوفييتي بلغات متعددة، وتعاكسها في المقابل إذاعة صوت أميركا بغية صد ذلك الفكر الشيوعي ونشر الثقافة الأنجلوساكسونية.

ومن أقوال “جوبلز” في ذات السياق الذي يخدم الفكر الدعائي أنه “عندما تتكرر الكذبة ألف مرة، تصبح حقيقة”. هذا الاقتباس يفرز لنا التعريف الظاهري للدعاية والمتفق عليه من غالبية الباحثين في المجال، حيث إنها العملية التي تسهم في نشر التوجهات والأفكار من أجل التأثير على آراء وسلوك الأفراد والمجتمعات بغض النظر عن صحة تلك المعلومات أو عدمها أو مدى شموليتها حتى على التزوير والخداع. ويذهب في هذا النسق ما أكده “هتلر” حينما قال في كتابه (كفاحي): “بواسطة الدعاية الذكية والمتواصلة يمكنك أن تحمل الناس على أن ترى الفردوس جحيمًا، والعكس أيضًا: على أن ترى أشقى أنماط الحياة على أنها نعيم مقيم”. إذن يتضح لنا الوجه الظاهري لفكرة الدعاية التي ترعاها الحكومات عبر أدواتها الإعلامية والمتمثلة في نشر أفكار السلطة دون الاكتراث لموضوعيتها أو مدى مراعاتها حتى لأخلاقيات ومواثيق صناعة وبث المحتوى. أمَّا ما يختص بطبيعة النموذج الاتصالي المتعلق بالأطراف الفاعلين في الدعاية السياسية، فهو يرتكز على الحكومة كلاعب رئيسي والجمهور المستهدف كمستقبل للرسالة. هذا النموذج يفسر لنا خاصية الدعاية في حصر اللاعبين ما بين مرسل ومستقبل وفي اتجاه أحادي من أجل تعزيز فكرة التضليل التي يتم العمل بها لنشر الدعاية وإضعاف أي تدخل من طرف وسيط أو أي فرصة لإعاقة وصول الرسالة.

ومع تسلسل السنوات في التطور التقني والثورة التي أحدثتها الصناعة الرقمية، لم تكن العلوم الأكاديمية بمنأى عن محيط السوق الإعلامي، بل حاولت التكيف ومجاراة المستحدثات وتطوير النظريات والمفاهيم والنماذج الاتصالية. إذ لم تشمل انعكاسات هذه الطفرة الابتكارات فحسب، بل قادت حتى العلوم لأن تكون متجانسة ومتناغمة أكثر من أي وقت مضى. وبينما تتركز افتتاحية المقال على النشأة التاريخية للدعاية وعلاقتها بوسائل الإعلام، فإن هناك مفهومًا ظهر تحت مسمى الدبلوماسية العامة في ستينيات القرن الماضي ليكون موازيًا أو حتى بديلاً للدعاية حيث يعدُّ الإعلام كذلك إحدى أدواته، ويتم مناقشته بحثيًا من تخصصات وحقول مختلفة كالعلوم السياسية والعلاقات الدولية والعلاقات العامة والاتصال الدولي والإعلام.

كان للتداعيات المتعلقة بانتشار وتطور وسائل الإعلام ودخول لاعبين جدد كالشعوب في العملية الاتصالية بفعل التحديثات الديموقراطية التي طرأت على المناخ السياسي، الدور الرئيس في نشوء الدبلوماسية العامة التي تدور فكرتها حول الأنشطة التي تقوم بها الحكومات وشعوبها والمؤسسات الخاصة لنشر أفكارها وتوجهاتها من أجل بناء علاقة جيدة قائمة على أرضية خصبة من المشتركات مع المجتمعات الخارجية، وبالتالي التأثير على الرأي العام لكسب مواقف متعلقة بالأهداف السياسية. يميل عدد من الباحثين إلى اعتبار الدبلوماسية العامة إلى أنها الوجه السياسي للقوة الناعمة، بينما يرى آخرون أنها الوجه الجديد للدعاية، على الرغم من أن هناك فريقًا يرفض بشدة هذا التصنيف وذلك باعتبار التباينات الملحوظة في طبيعة الرسالة المتبادلة وحتى شكل النموذج الاتصالي بين الأطراف.

وليتضح هذا الاختلاف، فإن طبيعة رسالة الدعاية – كما ذكرت آنفا – يمكنها أن تشمل أساليب الخداع والتزوير والتضليل بعكس رسائل الدبلوماسية العامة القائمة على أساس الصدق والشفافية. وفيما يتعلق بأطراف العملية الاتصالية، فإن المشاركين في الدعاية يتمحورون حول الحكومة عبر الممثل الإعلامي والجمهور فقط. وعن الخط الاتصالي للنموذج فهو ينبثق بشكل أحادي من الحكومة، بينما في الدبلوماسية العامة ومع شكلها الحديث، فإن هناك عدة لاعبين يتمثلون في الحكومة والمؤسسات التابعة لها وغير التابعة والشعب، وأخيرًا المجتمع الخارجي المستهدف. ويتميز نموذج الدبلوماسية العامة بفاعليته حيث إن تدفق الخط الاتصالي يبقى حيويًا بين المرسل والمستقبل وليس من طرف أحادي بعينه. وكما أن وجود عدة عناصر بإمكانه أن يسهم في تعزيز وصول الرسالة، إلا أنه كذلك قد يبدو جانبًا سلبيًا، وذلك لأن نجاح جهود الدبلوماسية الحديثة يتطلب ضرورة تضافر جهود الأطراف وتكاملها حتى لا يفسد أحد عمل الآخر.

وبما أن المقال يدور حول وسائل الإعلام، فإني سأتطرق للدبلوماسية العامة من هذا المدخل الذي يعدُّ الإعلام إحدى أدواته الرئيسة التي تخدم توجهات الحكومة وأيديولوجياتها بالخارج. وبالنظر للاهتمام المتنامي من قبل الحكومات بالإعلام كقوة ناعمة، يتجلى حجم إيمانها التام بالتأثير الذي من الممكن أن تفرزه هذه الوسائل. وكما قال عراب القوة الناعمة “جوزيف ناي”: “الدول صاحبة الجيوش الأقوى هي التي كانت تنتصر في الماضي، أمَّا صاحبة القصة الإعلامية فهي التي تنتصر في عصر المعلومات”. إذ أضحت الدول في العقود الأخيرة لا تتوانى في إنشاء ودعم الأذرع الإعلامية كسلاح ناعم وقوة مساندة للسياسة الخارجية. فالصين – على سبيل المثال – تبنت استراتيجية إعلامية جديدة منذ بداية الألفية الحالية، حيث صرفت ما يقارب 4 مليارات دولار في عام 2009 فقط لتعزيز وتوسيع نشاطها الإعلامي ليرى العالم الخارجي القضايا والملفات المطروحة من منظور صيني. ويتجلى هذا الإجراء من خلال ما قاله “ليو يونشان”، مدير قسم الدعاية في الحزب الشيوعي الصيني، عندما ذكر بأن القدرة على امتلاك اتصال قوي، من شأنه أن يقود إلى التأثير في الرأي العام الدولي. إذ تملك الصين عدة منافذ دولية من ضمنها وكالة أنباء شينخوا، وشبكة التلفزيون العالمية الصينيةCCTV، وراديو الصين الدولي،وصحيفة غلوبال تايمز وغيرها.أمَّا فيما يتعلق بالشواهد الأخرى على وسائل الإعلام الدولية الممثلة للحكومات التي تبث بلغات متعددة، فإن أهمها يبرز في “بي بي سي”، وروسيا اليوم، وفرنسا 24، وDWالألمانية، وغيرها من المحطات، فضلاً عن الصحف والإذاعات والمواقع الإخبارية الإلكترونية. وبغض النظر عن الهدف من الفكرة الأولى الدعائية لإنشاء بعض تلك الكيانات، إلا أن الدبلوماسية العامة أصبحت تطغى، مؤخرًا، كغرض من وجودها ولو من باب تغيير المسمى لإبراز الوجه الناعم كحد أدنى، نظرًا لما تحمله الدعاية من طابع سلبي. على سبيل المثال، قامت الحكومة الصينية بتعديل مسمى قسم الدعاية في حزبها إلى قسم الدبلوماسية العامة في 2004.

رغم كل هذه الخطوات في تحديث المسميات، فإن الفيصل يكمن في طبيعة عمل تلك المؤسسات الإعلامية وما ينتجه داخلها من محتوى للمجتمعات الأخرى، وهنا يبرز اللغط الحاصل بين المهتمين في هذا الشأن، والذي تدور حوله فكرة المقال الرئيسية. هل ستكون هذه الأذرع الإعلامية قادرة على التحرر من الطابع الرسمي الحكومي والتحول إلى إعلام موضوعي وشفاف بالقدر المأمول لخدمة فكرة الدبلوماسية العامة، أم أنها ستستمر لتكون رهينة لسطوة الدعاية؟ إن عملية قياس محتوى هذه الوسائل لمعرفة مدى مواءمتها مع مبادئ الدبلوماسية العامة سيقود إلى معرفة متغيرات عدة من أهمها الظرف السياسي القائم في المحيط، وطبيعة شكل وعمل ذلك النظام الحاكم الممول للوسيلة الإعلامية. هذا الجانب من الغطاء السياسي بإمكانه أن يلقي بظلاله ليس فقط على أداء الكيانات الإعلامية التابعة، وإنما على التأثير التصادمي الذي سيحدثه مع الجمهور الخارجي الغربي القادم من بيئة ديمقراطية مختلفة. كما أن ذلك سيتعدى مرحلة العامة ليشمل حتى البيئة التخصصية في مجال الاتصال والإعلام الدولي، وذلك باعتبار تسيد المنظور الغربي في الإنتاج العلمي. إذ يعزو عدد من الباحثين في ذات المجال تلك الجهود التي ترعاها روسيا والصين عبر قنواتها الإعلامية، إلى العمل الدعائي الجانح عن مسار الدبلوماسية العامة بفعل دور منهجية الأنظمة السياسية. قد يتيح هذا الاختلاف في أشكال الأنظمة بين المجتمعات لتباينات في المعتقدات الشخصية، وبالتالي إحداث بعض الجدل في مسألة تقييم النتيجة العامة لعمل الوسيلة، لكن هناك من يدعو إلى ضرورة تطبيق عامل المصداقية في الإعلام الموجه باعتبار هذا العامل عنصرًا جوهريًا في فن الدبلوماسية العامة.

وعن المثال حول هذا الجانب، استقال عدد من العاملين من جنسيات مختلفة في فروع محطة “روسيا اليوم” مثل المراسلة البريطانية “سارة فيرث”، والأميركية “ليز واهل”، وذلك بناء على معلومات غير دقيقة كانت تنشرها الوسيلة حول قضايا وتتبناها وجهة نظر الحكومة الروسية، على حد زعمهم، وبسبب التوجه السياسي للرئيس بوتين. مثل هذا الإجراء التي اتبعته “روسيا اليوم” في خدمة توجه الحكومة قد تقوم به محطة أخرى، لكن هناك من يؤمن بأن مثل هذه الممارسات قد تفسد كل الجهود الرامية لخدمة الدبلوماسية العامة باعتبار اختلال جزئية الشفافية والمصداقية. من الواضح تمامًا كذلك أن الخصائص الغربية كالخلفية الثقافية والاعتقادات السياسية، تلعب دورًا في التأثير على عملية قبول الرسالة المنبثقة من الحكومات ذات النهج السياسي المغاير، الذي بدوره سيشمل تأثيره – كما ذكرنا – مختلف أطياف المجتمع من باحثين وعاملين في الإعلام وجمهور عام. والذي كذلك سيبرز الجدل حول ماهية هوية الرسالة المنبثقة من تلك الوسائل من خلال كونها دعاية أم لا. وحول دور السمات الثقافية في سير وصول الرسالة، يذكر الباحث “جاري راونسلي” أن فكرة احتمالية تعرض الجمهور الغربي للرسالة من القنوات الموجهة تعدُّ غير حتمية، فضلاً عن مدى إيمانهم أساسًا بمحتوى تلك الرسالة. إذ يقول الباحث إن فكرة الوصول لا تعني – بالضرورة – النجاح، وذلك باعتبار التباينات في عدد من الخصائص الثقافية، وحتى أيضًا من خلال مزاحمة الوسائل الإعلامية الأخرى. إن مفهوم التعرض الانتقائي يتيح للجمهور اختيار المصدر الإعلامي بناء على حجم الاتساق الفكري مع أيديولوجية ذلك المصدر، ما يؤثر على عملية التعرض، وبالتالي احتمالية فشل جهود إعلام الحكومات في الوصول للمجتمع الآخر. فكل قد ما تبنيه محطة إعلامية قد تهدمه محطة أخرى من خلال توافق توجهاتها مع ما يميل له الجمهور.

حتى نستخلص الفكرة العامة للجدلية الحاضرة حول الإعلام الخارجي للحكومات وصراع الدعاية والدبلوماسية العامة، ينبغي أولاً فهم المناظير المختلفة للخلفيات الثقافية بين المجتمعات، ثم الوصول إلى مدخل يسهم في تحديد الإطار العام لتعريف هوية وتوجه الوسيلة الإعلامية عبر منهج يمكنه ضبط وقياس مخرجات تلك الوسيلة. إن فكرة استيعاب الخصائص الثقافية التي تقود لفهم طبيعة فكر النظام السياسي، ستساعد في فك الترميزات الاتصالية لدى شرائح مختلفة من المجتمعات، فما قد يكون متناغمًا مع ثقافة معينة قد لا يكون مناسبًا لثقافة أخرى، وهناك من سيرى الرسالة دبلوماسية عامة، وهناك من سيعتبرها دعاية كما يذكر “راونسلي”. وعن هذا المحور كتب “جوزيف ناي” في تحليله لعمل جهود الدبلوماسية العامة الأميركية لما بعد 11 سبتمبر: “ما كان جاذبًا للداخل، فشل بالخارج”. أخيرًا، رغم إبراز نقطة فهم طبيعة الأنظمة السياسية والعوامل الثقافية للمجتمعات من أجل استيعاب هوية الرسالة ومدى شمولها للدعاية أو تحررها منه، تبقى المصداقية هي الخط الفاصل الأسمى لاستيفاء شروط الدبلوماسية العامة، وهي القيمة الحقيقية التي يثّمنها المجتمع الآخر كحد أدنى.

أكاديمي متخصص في الصحافة والاتصال الدولي*

@yahyaalquba

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر