الأيديولوجية ومخاطر دعاية “داعش”

التاريخ والوقت : الأربعاء, 24 يوليو 2019

تيتانا كانونونيكوفا

 

شهد يونيو الماضي قيام انتحاريين بتفجير نفسيهما في العاصمة التونسية، وهي مقصد سياحي شهير. وقد أعلن تنظيم “داعش” مسؤوليته عن الحادث. وفي الأسبوع الماضي، أصدر “المكتب التونسي” للجماعة المتشددة شريط فيديو تقشعر له الأبدان دعا فيه رجال مسلحون إلى مزيد من الهجمات في البلاد وتعهدوا بالولاء لزعيم تنظيم  “داعش” أبو بكر البغدادي. وهو ما يمثل استراتيجية جديدة تبناها “داعش” بعد سقوط خلافته. إذ تعد الخلايا السرية، والدعاية المتزايدة، والتجنيد في جميع أنحاء العالم أبرز أسلحته الرئيسية في الوقت الحالي.

وقد شهد العام الماضي إشارات رمزية حينما ظهر البغدادي، وهو الذي لم يظهر علانية منذ عام 2014، في شريط فيديو دعائي جديد، قال فيه إنه على الرغم من فقدان الأراضي، فإن “الجهاد سيستمر حتى يوم القيامة”، ووصف عمليات “داعش” ضد الدول الغربية بأنها “معركة طويلة”. وهو ما ينظر إليه بدرجة كبيرة باعتبارها محاولة لتعبئة الروح المعنوية بين أنصاره المتشددين ودعوة المتعاطفين معه للتحرك. كما كان مظهر البغدادي يمثل علامة أخرى على أن “داعش” قد استقر في طريقه للتحول، بدلاً من الاعتراف بإمكانية الهزيمة. وأن الحاجة للتغيير باتت مدفوعة بحالة التنافس بين “داعش” وتنظيم القاعدة، الذي يبدو أنه لم يمت بوفاة بن لادن، بل إنه يعيش في حالة نهضة ويبعث نشاط شبكته العالمية.

وعلى مدار السنوات الماضية، كان تنظيم “داعش” يغطي على تنظيم القاعدة، فكثيرًا ما تباهى “داعش” بتأسيسه دولة كاملة، وهو الهدف الذي فشلت القاعدة في تحقيقه. لكن الآن، وبعد أن فقد “داعش” هذه الميزة، فقد بات في حاجة موطن آخر للتباهي من أجل الاحتفاظ بأتباعه وجذب آخرين. لذا، يركز التنظيم حاليًا على القيام بعمليات أكثر إثارة مع تأثيرات رمزية.

وبينما من غير المرجح أن نرى هجمات ضد “داعش” في الدول الغربية، التي تمَّ تشديد الأمن فيها بشكل كبير، فإن الاعتداءات المستوحاة من “داعش” والمتأثرة بها لا تزال تشكل تهديدًا حقيقيًا. فباستخدام الدعاية المتطورة كأداة فعالة، يخاطب الجهاديون الأفراد المقيمين في البلدان المستهدفة، وهو ما يجعل الإرهاب المحلي اتجاهًا مقلقًا بشكل خاص. ونظرًا لأنه لا يوجد مجتمع محصن ضد الدعاية الجهادية المدروسة جيدًا، فمن الضروري أن تقوم قوات الأمن ببذل المزيد من الجهود لمنع التطرف العنيف.

منذ أن اجتاحت موجة الدعاية الجهادية على الإنترنت، والتي رافقت ظهور “داعش” في العراق وسوريا عام 2014، تقوم شركات التكنولوجيا بملاحقة المجموعات الإرهابية وتطويق منصاتها، كما يقول “ميلور كومير فورد”، كبير المحللين بمعهد “توني بلير”. ومن أجل التغيير العالمي الذي يركز على تطوير استجابة سياسية مبتكرة للدعاية المتطرفة، تعمل شركات وادي السيليكون بشكل متزايد على مدى السنوات الخمس الماضية، على دعم هذا التعاون لوضع آليات لتتبع المحتوى وإزالته، ونشر أساليب مبتكرة لتوسيع نطاق العمليات، أو حتى منع تحميل هذه المواد من خلال مشاركة البيانات على الفضاء الإلكتروني لنشر الدعاية المتطرفة.

لقد حققت هذه الجهود نجاحًا كبيرًا في التقليل من الوجود عبر الإنترنت للمنصات الإعلامية الرسمية لمجموعات مثل “داعش” والقاعدة. ومع ذلك، لا تزال هناك العديد من الطرق الأخرى لمواصلة التعامل مع المواد “غير الرسمية”، فضلاً عن المحتوى “اللاعنيف” الذي قد لا يصور العنف أو يحرض عليه ولكنه يديم التطرف.

ومع ذلك، فإن النهج الذي يركز على إزالة المحتوى لن يمكنه التأثير بدرجة كافية. ذلك أن أكثر الوسائل فاعلية للتعامل مع الدعاية الجهادية على المدى الطويل تكمن في اتباع نهجٍ وقائيٍ أكثر فعالية. فقد سعت مجموعة كبيرة من الحملات المضادة ومبادرات التعليم من جانب كلٍ من الحكومات والمجتمع المدني إلى بناء القدرة على مواجهة الرسائل المتطرفة بين المجتمعات الضعيفة، وتقليل التأثير المحتمل للدعاية الجهادية على الأفراد. إذ ينبغي على صانعي السياسات إعطاء الأولوية لتقييم فعالية مثل هذه الأساليب للمساعدة في تقليل القوة التدميرية للدعاية المتطرفة.

الحرب على الدول “الصليبية”

إن السؤال الجوهري هنا يكمن في كيف سيقوم البغدادي بمتابعة دعواته إلى “حرب الاستنزاف” والمزيد من الهجمات ضد الدول “الصليبية”، والتي تكمن في جوهر التهديدات الجديدة للإرهاب الداخلي.

ومن المثير للاهتمام، أن مؤسسة “راند” الأميركية قد كشفت أنه في الوقت الذي يقوم فيه تنظيم القاعدة بتجنيد معظم المهاجرين المتعلمين من أصول شرق أوسطية، فإن “داعش” يميل إلى التركيز على المواطنين الأصغر سناً والأقل تعليمًا، وأهم من ذلك المولودون في الولايات المتحدة. وتقول دراسة “راند” إنه “من المرجح أن يكون المجندون قوقازيين – بيض أو أميركيين أو من أصل إفريقي أسود – وأنهم ولدوا في الولايات المتحدة”، مضيفةً في التقرير أن الهدف من ذلك من المرجح أن يتحولوا إلى الإسلام كجزء من تطرفهم.

ومع ذلك، تواجه الدول الأوروبية تهديدًا إرهابيًا أشد من الولايات المتحدة بسبب العدد الكبير من المقاتلين الأجانب، والشبكات الجهادية الأكثر تطورًا، بالإضافة إلى قربها الجغرافي من مناطق الحرب. ويوضح تقرير صادر عن مؤسسة “جلوبسيك” GLOBSECحول أصول الجهاديين الأوربيين، الأبعاد المختلفة لتلك المخاطر، حيث يخلص إلى أن معظمهم نشأ في الداخل. لقد قام الخبراء بفحص ما يقرب من 200 حالة، ووجدوا أن أكثر من نصف الجهاديين ولدوا على أراضي الاتحاد الأوروبي، بينما 11٪ منهم من المهاجرين من الجيل الأول أو المتجولين، وأن 17٪ فقط من الإرهابيين الخارجيين، أي من غير مواطني الاتحاد الأوروبي الذين لم يسبق لهم أن عاشوا في أوروبا من قبل.

لماذا تعدُّ مواجهة الدعاية المتطرفة بالغة الأهمية؟ وفقًا لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي(FBI)، فإنه نظرًا للتجنيد عبر الإنترنت، لم تعد الجماعات الإرهابية الأجنبية تعتمد على إيجاد طرق لإدخال نشطاء إرهابيين إلى البلدان لتنفيذ هجمات. فباستخدام الدعاية والترويج للمواد التدريبية عبر الإنترنت، فإنهم يتمكنون من جذب الأفراد إلى أنشطة متطرفة. ومما يثير القلق الشديد أيضًا أن ثمة دليلاً واضحًا على نجاح “داعش” في جذب الناس لتبنى أيديولوجيتهم الجهادية.

لا يقتصر تنظيم “داعش” على استخدام منصات متطورة عبر الإنترنت، وحملات وسائط التواصل الاجتماعي لجذب المؤيدين المحتملين، بل إنه يلجأ أيضًا لاستخدام تقنيات نفسية فعالة لجعل دعايته أكثر إثارة للإعجاب. فكما يلاحظ خبير الإرهاب “روبرت بيب”، فإن “داعش” يسرق الأفكار الغربية لتجنيد المزيد من المؤيدين. إذ تذهب الجماعة إلى حد استعارة “القصص البطولية” من أفلام هوليود، التي تحاول التأثير على جمهورها والمتصلة بكيف يمكن أن يتحول الرجل أو المرأة إلى أصحاب بطولات خارقة. لقد أصبح الدليل على نجاح التكتيك الجديد أشد وضوحًا وقلقًا في الوقت الراهن.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: آسيا تايمز

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر