اغتيال سليماني أكبر ضربة لإيران منذ الثمانينيات

التاريخ والوقت : الإثنين, 13 يناير 2020

جون جينكينز

 

يا له من فرق يصنعه يومٌ واحد. عندما ذهبت للنوم في الثاني من يناير، كانت القضية الأكثر أهمية في الشرق الأوسط هي تأثير الاحتجاجات الحاشدة الشجاعة – وإن كانت يائسة – على المدى البعيد في لبنان والعراق وإيران. وكان الكثيرون يحاولون استخلاص بعض المعاني الإيجابية منها: هل كانوا مقدمة لحملة شعبية متجددة لتحسين الحكم في بعض الدول الرئيسية في المنطقة؟ هل يمكن أن يهزوا استقرار جمهورية إيران وقبضتها على بلاد الشام الكبرى؟ أم هل سيتم قمعهم وتجاهلهم، ليتكرر ذلك بشكل أكثر حدة، كما حدث مراتٍ عديدة من قبل؟

وعندما استيقظت في الثالث من يناير، كان العالم قد تغير. إذ كانت الضربات الأمريكية بالطائرات المسيرة التي أسفرت عن مقتل قاسم سليماني وملازمه العراقي أبومهدي المهندس بمثابة صدمة مفيدة من نوعٍ لم نواجهه منذ عقود. لقد كان سليماني، كما يُعتقد، خارج الحدود. ومن الواضح أن سليماني نفسه كان يظن ذلك. بيد أن هذا خطأٌ كبير.

كان صدام حسين هارباً عندما أُخرج من حفرةٍ في الأرض في أواخر عام 2003. وكان القاتلان أسامة بن لادن وأبوبكر البغدادي أيضًا من الهاربين عندما قُتلا وتشتت أتباعهم.

وفي المقابل، كان سليماني في قمة نجاحه. لقد كان أكبر ممثل عسكري وسياسي خارجي لدولة إقليمية كبرى، وكان قادراً على السفر بحرية حيثما أراد رغم العقوبات. وعلى مدار عقدين من الزمن، كان المهندس خلف جميع المكاسب الاستراتيجية الخارجية لإيران في مواجهة العداء السعودي والأمريكي. وكان وراء الهجمات الإرهابية في لبنان والكويت والبحرين والسعودية وتايلاند وبلغاريا والولايات المتحدة.

وبالنسبة لي، مثل أي دبلوماسي بريطاني أو أمريكي آخر خدم في الشرق الأوسط خلال الأربعين سنة الماضية، كان ذلك شخصيًا. فخلال الفترة التي قضيتها كقنصل عام في القدس، ومديراً لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في وزارة الخارجية وشؤون الكومنولث أو كسفير في سوريا والعراق، كان سليماني منسق أعمال التخريب الإيرانية في جميع أنحاء المنطقة، وكلها استهدفت إسرائيل ودول الخليج، ولكنها كانت تشملنا غالبًا.

وعندما تم احتجاز جنود البحرية البريطانيين كرهائن في شط العرب من قِبل قوات الحرس الثوري الإيراني في عام 2007، وعندما استهدفت صواريخ من مدينة الصدر البعثات الدبلوماسية البريطانية أو الأمريكية في البصرة وبغداد

أو عندما شنّت المجموعات الطائفية الخاصة حملة متواصلة من الهجمات التي تمت من خلال قنابل مميتة مزروعة على جانب الطريق ضد القوات الأمريكية والبريطانية، كان سليماني متورطاً في كل ذلك.

لقد كان المحرض على اختطاف خبير تكنولوجيا المعلومات البريطاني بيتر مور في بغداد عام 2007، والقتل الوحشي لفريق الحماية الخاص ببيتر، وهو أمرٌ تطلب مني إدارة تبعاته. وقد ساعد بشار الأسد في هزيمة الانتفاضة السورية، وساعد الحوثيين لتولي جهاز الدولة اليمنية ومن ثم مقاومة الحملة العسكرية السعودية في اليمن، ووكلائهم الآخرين، وحلفائهم أو المجموعات التابعة في جميع أنحاء المنطقة (من حزب الله اللبناني إلى مختلف الميليشيات الشيعية العراقية المتطرفة) في توسيع نطاق سلطتهم المحلية.

ومؤخرًا، مكّن تنفيذ الهجمات وساعد فيها، والتي استهدفت الملاحة في مضيق هرمز والمحيط الهندي، والطائرات المسيرة العسكرية الأمريكية ومنشآت النفط السعودية، مما لقي استجابةً قليلةً للغاية من دولٍ إقليمية أخرى أو من الولايات المتحدة. كما قام بتنسيق القمع الوحشي للمتظاهرين في العراق، انطلاقًا من نموذجٍ طوّره هو وزملاؤه في الحرس الثوري الإيراني للتعامل مع المعارضة الداخلية.

وبالطبع، لا يزال من الممكن المبالغة في تقدير أهمية سليماني. فالمغامرة الإيرانية الخارجية لا يقودها رجلٌ واحد فحسب. وفي النهاية، فإن تحمل المسؤولية عن عراقٍ فوضوي يائس وسوريةٍ مدمَّرة ويمنٍ فقير ولبنانٍ مفلس – بالإضافة إلى تنظيم الدولة الإسلامية المحاصر والقوي في نفس الوقت والذي لا يزال قائمًا – لن يجعله تمامًا كـ ميترنيخ في كونغرس فيينا.

لكن سليماني كان لديه التزامٌ عميق بنجاح الثورة، ولم يكن يضاهيه أحد في قدرته على تشكيل العلاقات الشخصية في جميع أنحاء المنطقة والحفاظ عليها. حيث كان لديه إدراك حاد للواقع الإقليمي وقد طوّر نهجًا مبتكرًا للغاية لزيادة نقاط القوة الإيرانية. وبينما لم يكن يتمتع بشعبيةٍ عالميةٍ داخل النظام الإيراني – وكان ذلك واضحًا في التسريب الأخير لوثائق الاستخبارات الإيرانية في موقع ذا انترسبت – إلا أنه كان قريبًا جدًا من علي خامنئي، المرشد الأعلى. وهناك حديثٌ يدور حول تحضيره للخلافة. مما يجعل خسارته أكبر ضربةٍ تصيب إيران وخامنئي منذ أواخر الثمانينيات.

وسيتعين على خامنئي أن يتوصل إلى كيفية التعامل مع ذلك. حيث وصف استهداف الليلة الماضية للقواعد الجوية في العراق بأنه “صفعة في الوجه” للولايات المتحدة. وقد انتقل بالفعل إلى تعيين بديلٍ كقائد لفيلق القدس، الذي تُعتبر فعاليته المستمرة أساسًا لطموحات خامنئي الإقليمية. ولكن فيما يتعلق ببريطانيا، فإن ما أحدثه موت سليماني يسلط الضوء بشكلٍ واضح وربما غير مريح على الخيارات الحقيقية والصعبة التي نواجهها كدولة.

فمع وجود سليماني ومهندس على قيد الحياة، يمكن أن يساورك الوهم القائل بأنه قد يكون هناك حل تفاوضي في عالم معقول – مع قليل من الأخذ والرد – لمشكلة إيران. وغالبًا ما ترى هذا النوع من الحلول يتم الترويج له بواسطة المعلقين ذوي النوايا الحسنة وغير الواقعيين في بروكسل وغيرها. واللافت أنه في معظم التصورات، فإن الولايات المتحدة وأوروبا والخليج العربي هم الذين يمنحون، أما الإيرانيون فيأخذون فقط.

ويمكنك أيضًا إقناع نفسك – كما يبدو أن العديد من الدبلوماسيين الغربيين في العراق قد فعلوا ذلك – بأن أشخاصًا مثل هادي العامري، القائد فارغ العينين لمنظمة بدر – وهي أخطر الميليشيات الشيعية العراقية – وأحد المقربين من سليماني (والذي كان قد خدِم معه خلال الحرب بين إيران والعراق) سيكون جيدًا كرئيس وزراءٍ محتملٍ للعراق. فعلى كل حال، أقنع الكثير من الناس أنفسهم بأن نوري المالكي، رئيس وزراء العراق المكيافيلي والطائش من 2006 إلى 2014، كان واحدًا منا. إلا أنه لم يكن كذلك.

وليس العامري كذلك. ما عليك سوى مشاهدة أدائهم في مختلف مراسم الحداد على سليماني ومهندس وإيلاء الاهتمام لما يقولونه (إذا فهمت اللغة العربية، والتي يفهمها قلة من دبلوماسيينا هذه الأيام). سيبدو لك أنهم واضحون تمامًا حول موقفهم. وهو بالتأكيد ليس إلى جانبنا.

وهذا هو بيت القصيد. إذ لا يمكنك التذرع بالجهل بشأن ما كان عليه سليماني أو ما يمثله بعد الآن. بل اقرأ النعي فقط وشاهد رد فعل القيادة الإيرانية وحزب الله وحلفائه في العراق. وشاهد أيضًا كيف يحتفل أولئك الذين كرهوه في المنطقة.

يُزعم الآن في بعض الأوساط أن سليماني كان في بغداد في ذلك اليوم بمهمة سلامٍ نادرة لمحاولة تخفيف التوتر بين السعوديين والإيرانيين. لكن يكفي النظر للحظة في الفاعلية المميتة لشبكة سليماني الواسعة في المنطقة لإظهار مدى هذه الفكرة الزائفة. لم يكن بمثابة كوفي عنان في يومه الأخير.

لقد كان سليماني رجل أسرة متدين، وكان مجرمًا معسول الكلام بكل تأكيد. ولكنه كان مستعدًا للتملق والتهديد والترهيب وارتكاب جرائم قتل إذا تجاوز أحدٌ معه الحدود. وكانت يديه ملطخة بدماء مئات أو آلاف السوريين والإيرانيين والعراقيين. وكانت القيادة الإيرانية تحبه على وجه التحديد لأنه جلب إليهم القوة والنفوذ.

وكل هذا من شأنه تبسيط خيار آخر لبريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي. إن هذا في الحقيقة لا يتعلق بترمب: بل يتعلق بنا. هل نحن مع الاتحاد الأوروبي أو مع الولايات المتحدة في مسائل كهذه؟

ففي بعض الأحيان، يبدو الأمر وكأننا نفضل الاتحاد الأوروبي، كما هو الحال عندما انضممنا مع شركائنا في الاتحاد الأوروبي في محاولةٍ لإيجاد طرق للالتفاف على العقوبات المالية الأمريكية لصالح إيران (حتى نتمكن من “إبقاء خطة العمل الشاملة المشتركة” الاتفاق النووي).

ولكن في الحقيقة لا توجد هناك سياسة خارجية للاتحاد الأوروبي يمكن الحديث عنها. إذ هناك تمويل تنمية للاتحاد الأوروبي. وهناك السعي السري للمصالح الوطنية تحت راية الاتحاد الأوروبي. وهناك الهراء المعتاد بأن اليسار الأوروبي يحب أن يردد عن مساهمة أوروبية مميزة في السلام والتفاهم المتبادل والحب الأخوي. وعمليًا، يعني هذا في أغلب الأحيان محاولة القيام بعكس ما يفعله هؤلاء الأمريكيون “السيئون”. وهذا يمنح الممثلين رفيعي المستوى فرصة للظهور بمظهر مميز في المؤتمرات الدولية. لكن لسوء الحظ، هذا لا يرقى للكثير في العالم الحقيقي.

إذ سنواجه الآن فترة من ردود الفعل العاطفية في إيران والعراق ولبنان. وسنواجه أيضًا تهديدات معززة لشعبنا ومصالحنا في المنطقة، كما أوضحت الضربات الصاروخية تلك الليلة. وليس من الواضح أن الولايات المتحدة لديها خطة للرد، كما يبدو أن من ستتلقى هذا كصدمة عظيمة هي القيادة الإيرانية، والتي ليست لديها خطة كذلك.

عندما سخر خامنئي من ترمب على تويتر بقوله إنه لا يستطيع فعل أي شيء بشأن الهجوم على السفارة الأمريكية في بغداد، فقد اعتقد خامنئي أن أمريكا التي تخص ترمب نمرًا من ورق. إلا أنه كان مخطئًا.

إذ لا يكفي إطلاق الصواريخ على القواعد العسكرية الأمريكية أو على إسرائيل حقًا. ولكن اغتيال أحد كِبار الأمريكيين سيكون بمثابة دعوة للانتقام على نطاقٍ لا يمكن لخامنئي أن يتخيله – أو بالتأكيد يوافق عليه. كما أن رؤية القوات الأمريكية تُطرد من العراق ستمنح تنظيم الدولة الإسلامية الفرصة التي ينتظرها.

ومما له دلالة أنه في النقاش الساخن حول هذه الأمور على مدار الأيام القليلة الماضية في مجلس النواب في بغداد، لم يشارك سوى ثلاثة من السنة ولم يتواجد أي شخص كردي. فإذا تمت إعادة الطائفية في السياسات العراقية، فستكون تلك كارثة بالنسبة للعراق وأيضًا بالنسبة لإيران. وإذا وضعت الولايات المتحدة العراق تحت وطأة عقوبات مالية نتيجة لذلك، فإن تدفق الدولارات – التي تعتمد عليها إيران بشكل متزايد – سوف ينتهي.

لذا فإن النظام في طهران، مثله مثل أي شخص آخر، يواجه لحظة اختيار. بغض النظر عن أي شيء آخر يمكن أن يقال حول ذلك، فإن أحد الآثار الحاسمة للاغتيال هو أنه ساعد في توضيح الخيارات المطروحة أمامنا. وهذا النوع من الوضوح هو ما نحتاجه هنا في بريطانيا.

وخلال العقد الماضي أو أكثر، تعاقدنا بشكل فعال مع سياستنا الخارجية بدءًا من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، مختبئين وراء بعثات الأمم المتحدة الخاصة أو بيانات سياسة الاتحاد الأوروبي الفارغة.

ولكن عند تنفيذ الخطة، كما رأينا مرارًا وتكرارًا في ليبيا والعراق ولبنان وسوريا، فإن الأشياء الوحيدة التي تهم هي الخبرة والتأثير والقوة. وقد اعتدنا أن نكون جيدين في جميع هؤلاء الثلاثة، أما الآن فلسنا كذلك.

نحن بحاجة ماسة لإعادة البناء. وعندما نفعل ذلك، نحتاج إلى اختيار الجانب الذي نقف فيه.

وإذا كان هدف السياسة الخارجية هو تشكيل العالم، فعلينا أن نكون في الغرفة عندما يحدث ذلك. وما لم نعتقد أن مستقبلنا هو مع الصين أو روسيا، فستكون تلك الغرفة أمريكية في المستقبل المنظور.

 

المصدر: ذا سبيكتايتور البريطانية

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر