مركز سمت للدراسات استراتيجية الاتحاد الأوروبي للتَّمكين الرقمي: الأهداف والتحديات | مركز سمت للدراسات

استراتيجية الاتحاد الأوروبي للتَّمكين الرقمي: الأهداف والتحديات

التاريخ والوقت : الأربعاء, 28 أبريل 2021

أحمد نظيف

 

في مارس 2021، قدمت المفوضية الأوروبية بشكل رسمي رؤية التحول الرقمي في أوروبا بحلول عام 2030، وأطلقت عليها اسم “البوصلة الرقمية 2030: الطريقة الأوروبية للعقد الرقمي”، وقالت إن هذا المشروع المستقبلي سيكون بمثابة “استراتيجية لتشكيل المستقبل الرقمي لأوروبا” في إطار وحدوي شامل. لكن السعي الأوروبي الحثيث نحو إقرار هذه “الرؤية المستقبلية” لم يكن بعيداً عن التغييرات الهائلة التي أحدثها جائحة فيروس كورونا، والذي أدى إلى تسريع استخدام الأدوات الرقمية بشكل كبير، مما يدل على أهميتها رغم التفاوتات الرقمية التي تشق المجتمعات الأوروبية.

تُلقي هذه الورقة الضوءَ على طبيعة هذه الخطة الاستراتيجية الأوروبية “للتمكين الرقمي” ومكوناتها، والأهداف التي وضعت لها، والتحديات التي تعترض طريق وضعها في حيز الإنجاز، داخلياً على مستوى مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وخارجياً على المستوى الدولي والصراع “الرقمي” مع الولايات المتحدة والصين.

مكونات “البوصلة الرقمية

في ظل الضعف السياسي، وصعود النزعات الوطنية الضيقة، خلال السنوات الأخيرة، تمضي المؤسسات الأوروبية في محاولاتها بناء مشاريع استراتيجية لتعزيز “الجوانب الوحدوية” الأوروبية، وأهمها مشروع التحول الرقمي للعام 2030، والتي تسعى من خلاله إلى تحقيق الانتقال نحو اقتصاد محايد مناخياً. كما يطمح الاتحاد الأوروبي إلى أن يكون ذا سيادة رقمياً في عالم مفتوح ومترابط، وأن يتبع سياسات رقمية تُمكِّن الأفراد والشركات من اقتناص مستقبل رقمي محوره الإنسان، ومُستَدام، وأكثر ازدهاراً، بحسب الوثائق التأسيسية للمشروع. ولتحقيق ذلك وضعت المفوضية الأوروبية ما أسمته بــ” البوصلة الرقمية”، وهي مصفوفة أهداف خاضعة للتقييم بحلول العام 2030، والتي تقوم على مجموعة أهداف مرحلية، هي:

التحول الرقمي للأعمال: يجب أن تستخدم ثلاث شركات من أصل أربع خدمات الحوسبة السحابية والبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي، وأن تصل أكثر من 90% من الشركات الصغيرة والمتوسطة الأوروبية إلى مستوى أساسي على الأقل من الكثافة الرقمية، مقارنة بـ 61% في عام 2019. كما يجب أن يكون هناك حوالي 250 شركة يونيكورن (شركات ناشئة بقيمة مليار دولار) في الاتحاد الأوروبي، بزيادة 100% مقارنة بعام 2021.

بُنى تحتية رقمية مستدامة وآمنة وفعالة: يجب أن يكون لدى جميع الأسر الأوروبية اتصال سريع على الإنترنت مقارنة بـ 59% في عام 2020، وسيتم تغطية جميع المناطق المأهولة بواسطة الـ G5، بزيادة من 14% في عام 2021، وأن يمثل إنتاج أشباه الموصلات المتطورة والمستدامة في أوروبا، بما في ذلك المعالجات، 20% على الأقل من قيمة الإنتاج العالمي، وأن يتضاعف من 10% في عام 2020. كما يجب نشر 10000 عقدة حافة محايدة مناخياً عالية الأمان (والتي ستسمح بمعالجة البيانات على حافة الشبكة) في الاتحاد الأوروبي، وتوزيعها بطريقة تضمن الوصول إلى البيانات بزمن انتقال منخفض. كما يجب أن يكون لدى أوروبا أول حاسوب كمومي(Quantum computing)  بحلول العام 2025.

الخدمات العامة للرقمنة: يجب أن تكون جميع الخدمات العامة الرئيسة متاحة على الإنترنت، وتمكين جميع المواطنين من الوصول إلى سجلاتهم الطبية الإلكترونية، فيما يجب أن يستخدم 80% من المواطنين حلول الهوية الرقمية.

السكان ذوو المهارات الرقمية، والمهنيون الرقميون ذوو المهارات العالية: يجب أن يتمتع 80% على الأقل من جميع البالغين بالمهارات الرقمية الأساسية. كما يجب أن يكون هناك 20 مليون متخصص في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الاتحاد الأوروبي مع تقارب بين النساء والرجال، مقارنة بـ 7.8 مليون في عام 2019.

أهداف ”التمكين الرقمي

تسعى المؤسسات الأوروبية من خلال هذه البوصلة، والأهداف المرحلية التقنية، إلى تحقيق جملة من الأهداف الاستراتيجية، والسياسية والاقتصادية، يمكن حصرها في أربعة أهداف كبرى:

الهدف الوحدوي: تسعى أوروبا من تسريع عملية التحول الرقمي إلى إنقاذ الاتحاد من التفكك، حيث ستُمكِّن الرقمنة من إضفاء نوع من المرونة على عمل المؤسسات القيادية في تفاعلها مع عموم مواطني الاتحاد من جهة، كما ستعزز اللحمة والترابط بين المجتمعات الأوروبية بشكل أكبر، في ظل تصاعد “الأنانية الوطنية” في مقابل خفوت الحماس الوحدوي، لدى قطاعات واسعة من الأوروبيين، مواطنين وطبقة حاكمة على السواء. وقد تجلى ذلك في صعود اليمين المتطرف في أكثر من بلد في الانتخابات المحلية.

الهدف المناخي: يمكن للتقنيات الرقمية أن تُسهم بشكل كبير في تحقيق أهداف الصفقة الخضراء الأوروبية، وسيساعد استيعاب الحلول الرقمية واستخدام البيانات في الانتقال إلى اقتصاد محايد مناخياً ودائرياً وأكثر مرونة، إذ يؤدي استبدال السفر التجاري عن طريق مؤتمرات الفيديو إلى تقليل الانبعاثات بينما تسمح التقنيات الرقمية بعمليات أكثر اخضراراً في الزراعة أو الطاقة أو المباني أو الصناعة أو تخطيط المدينة والخدمات، وبالتالي المساهمة في الهدف الأوروبي المقترح لتقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 55% على الأقل بحلول عام 2030، حيث ستصبح البنى التحتية الرقمية والتقنيات نفسها أكثر استدامة وكفاية في استخدام الطاقة والموارد، من خلال الابتكار والمعايير البيئية.

الهدف الاقتصادي: تتمحور استراتيجية التحول الأوروبية نحو التمكين الرقمي حول الاقتصاد أساساً، وترتكز على تمكين المواطنين والشركات، حيث ستمنح الرقمنة الناسَ مصادر جديدة للازدهار، مما يسمح لرواد الأعمال بالابتكار وإنشاء أعمالهم وتنميتها أينما كانوا، وفتْح الأسواق والاستثمارات في جميع أنحاء أوروبا والعالم، وخلْق وظائف جديدة في وقت يشعر فيه عدد متزايد من الأوروبيين بالتهديد في أمنهم الاقتصادي أو بيئتهم.

الهدف السيادي: يحاول الأوروبيون تعزيز سيادتهم، ومنها السيادة الرقمية، في ظل ضمور “السيادة الأوروبية الوحدوية” في مواجهة تدخُّل قوى دولية داخل دول الاتحاد (في مقدمتها الولايات المتحدة، وروسيا، والصين) مُستغلة الترابطات غير المتكافئة في الرعاية الصحية والعلاقات الاقتصادية والتكنولوجيا الرقمية والأمن وقضايا المناخ بين دول الاتحاد، بطريقة تُقلل من قدرة أوروبا على التصرف بشكل مستقل وحماية مصالحها. وقد أشارت رئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين، في خطاب حالة الاتحاد في سبتمبر 2020، إلى أن أوروبا يجب أن تضمن السيادة الرقمية برؤية وحدوية مشتركة.

التحديات

نظرياً، يبدو المشروع الأوروبي الاستراتيجي للتمكين الرقمي طموحاً، لكن الواقع يضع أمام طريقه العديد من التحديات الذاتية المتعلقة بالوضع الداخلي للاتحاد، والموضوعية المتعلقة بتصاعد “الصراع الرقمي” دولياً وتأثيراته، حيث يمكن حصر هذه التحديات على النحو الآتي:

التفاوت الرقمي والتزام الأعضاء: يمكن أن تؤدي طبيعة السلطة غير المركزية داخل الاتحاد الأوروبي إلى بروز مشاكل تتعلق بمدى التزام كافة أعضاء الاتحاد بتطبيق الأهداف المرحلية للبوصلة الرقمية، خاصة وأن بين هذه الدول العديد من التفاوتات على مستوى البنية التحتية الرقمية، لأسباب تتعلق بالتفاوت الاقتصادي ومستوى الدخل القومي.

الأمان والخصوصية: يواجه المشروع الرقمي الأوروبي – كغيره من مشاريع التحول الرقمي في العالم – معضلتي الأمان والخصوصية، حيث ستعتمد معظم الأنشطة اليومية على الخدمات عبر الإنترنت: من إدارة المستشفيات إلى شبكات الكهرباء والخدمات المالية إلى تخزين المعلومات الخاصة. ويمكن أن تؤدي الهجمات الإلكترونية والبرمجيات الخبيثة والحوادث العرضية (مثل قطْع الكابلات في أعماق البحار أو حملات التشويه على وسائل التواصل الاجتماعي) إلى تعريض أداء بلدان بأكملها للخطر، خاصةً وأن أوروبا تقع ضمن قوائم أهداف الهجمات الإلكترونية الروسية والتركية خلال السنوات الأخيرة، ويبدو أن الأمر سيأخذ شكلاً تصاعدياً في السنوات المقبلة بسبب التوتر السياسي.

صعود الاقتصاد غير الحقيقي: سيؤدي التحول الرقمي الأوروبي إلى صعود الاقتصاد الرقمي مقابل انخفاض الاقتصاد الحقيقي، بسبب إقبال الشركات على العمل في القطاع الرقمي بحثاً عن الحوافز؛ فالاقتصاد الرقمي يحتاج إلى رأس مال أقل بكثير للتطور، وبالتالي يمكنه التوسُّع بشكل أسرع مقارنة بالصناعات التقليدية. كما أن العصر الرقمي يجعل الأسواق متعددة الجوانب هي القاعدة، وليس الاستثناء، حيث “العملة” في المعاملات ليست المال بل البيانات؛ البيانات التي يمكن تحويلها إلى معلومات، والتي أصبحت تسمى ”نفط القرن الحادي والعشرين”، مما قد يؤثر على قطاع الإنتاج التقليدي الصناعي والزراعي والخدمي، ويمكن أن يجعل أوروبا في تبعية اقتصادية للقوى المنتجة عالمياً، وخاصة الصين الباحثة عن أسواق جديدة لفوائض إنتاجها.

المؤسسات الرقمية الدولية: ستُشكِّل هذه المؤسسات، وخاصة الرباعي العملاق في وادي السيلكون (غوغل، وأبل، وفيسبوك، وأمازون) أكبر التحديات للمشروع الرقمي المستقبلي الأوروبي، القائم على عدد من المبادئ المتعلقة بالخصوصية والحكومة، المتعارضة جذرياً مع السياسات التوسعية لهذه المؤسسات الضخمة. وقد بدأت المشاكل بين الاتحاد الأوروبي وهذه الشركات باكراً عندما طلبت المؤسسات الأوروبية منها تعديل سياسات الخصوصية لديها بما يتوافق مع القوانين الأوروبية، وبدفع مبالغ ضريبية طائلة. كما نشرت المفوضية الأوروبية في ديسمبر 2020 قانون الأسواق الرقمية، وهو نصٌّ جديد يهدف إلى تنظيم الاقتصاد الرقمي، والحدّ من القوة الإشرافية للاعبين الرقميين الرئيسين. ويمكن أن تؤدي الخلافات بين هذه المؤسسات والاتحاد إلى إضعاف مشروع التحول الرقمي الأوروبي بحكم سيطرة هذه الشركات على حصة كبيرة من السوق الرقمية العالمية. لذلك، يظل الأوروبيون واقعيين؛ فهم يدركون أنهم ليسوا في وضع يسمح لهم بفرض تنظيم أحادي الجانب على التكنولوجيا، ناهيك عن المطالبة بتفكيك المنصات الأمريكية. وفي المقابل تحتفظ أوروبا في الوقت الحالي بميزة واضحة من حيث البيانات الصناعية، والتي لا تزال بعيدة عن أن تستغل من رباعي وادي السيليكون.

خلاصة

يبدو المشروع الأوروبي للتمكين الرقمي 2030 طموحاً، كما أن خطة التحول الرقمي ”البوصلة” تبدو هي الأخرى واقعية، ويمكن أن تحقق أهداف الاتحاد الأوروبي الكبرى في انقاذ مؤسساته من التفكك، وإبعاد شبح الوطنية القطرية عن مستقبله الوحدوي، وتحقيق ازدهار اقتصادي. إذ سيساعد استيعاب الحلول الرقمية، واستخدام البيانات في الانتقال إلى اقتصاد محايد مناخياً ودائرياً وأكثر مرونة تالياً، والمساهمة بشكل كبير في تحقيق أهداف الصفقة الخضراء الأوروبية المناخية.

لكن في المقابل سيكون أمام هذا المشروع العديد من العقبات المتعلقة بالتفاوت الرقمي بين الدول، ومدى التزام الأعضاء بتطبيق مكونات الخطة. كما يواجه المشروع الرقمي الأوروبي – كغيره من مشاريع التحول الرقمي في العالم – معضلة الأمان والخصوصية. ويبقى التحدي الأبرز لهذا المشروع في القوى الدولية الصاعدة رقمياً، وكذلك المؤسسات الرقمية الضخمة، وخاصة رباعي وادي السيليكون العملاق، والتي تتعارض سياساتها مع السياسات الأوروبية الرقمية، أخلاقياً وقانونياً ومالياً.

 

المصدر: مركز الإمارات للسياسات

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر