مركز سمت للدراسات توجُّه نظام أردوغان نحو التيار الأربكاني | مركز سمت للدراسات

استدارة أردوغان نحو تيار أربكان: الدوافع والتحديات والآفاق

التاريخ والوقت : الإثنين, 15 مارس 2021

أحمد نظيف

 

يعيش حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا حالة من التفكك المديد لقاعدته الاجتماعية التقليدية منذ العام 2013، في أعقاب فك الارتباط بينه وبين حركة الخدمة بزعامة فتح الله غولن. حيث بدأت قطاعات واسعة من الطبقة التركية المحافظة في الابتعاد عن الحزب، ثم عمَّقت المحاولة الانقلابية الفاشلة، صيف العام 2016، هذا التفكُّك بعد توجه الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى تعميق التحالف مع الحركة القومية في إطار “تحالف الشعب”، وأدى ذلك إلى صعود النزعات القومية داخل الحزب وفي سياسات النظام التركي، في مُقابِل انسحاب قيادات تاريخية من العدالة والتنمية.

لكن هزيمة الحزب في الانتخابات البلدية في يونيو 2019، كشفت بوضوح هذا التفكك القاعدي، خاصة عندما خسر حزب أردوغان أمام غريمه التاريخي، حزب الشعب الجمهوري، رئاسة بلدية إسطنبول بعد ربع قرن من السيطرة عليها. ومنذ ذلك الوقت يبحث أردوغان عن وصفة جديدة يخوض بها الاستحقاقات المقبلة، سواء من خلال توطيد التحالف مع القوميين أو البحث عن حلفاء جدد، وكذلك محاولة ترميم قاعدته التاريخية من المحافظين، لذلك بدأ منذ مدة في محاولة استمالة تيار معلمه السابق نجم الدين أربكان.

تُحلِّل هذه الورقة توجه أردوغان للتقارب مع تيار أربكان من خلال جلاء مؤشراته، والبحث عن دوافعه، والتحديات التي تقف أمام قيادة حزب العدالة والتنمية لإتمام هذا التحالف، وتداعياته المستقبلية.

السياق التاريخي لتشكُّل القاعدة الاجتماعية لحزب العدالة والتنمية

في فبراير 1997 دفع مجلس الأمن القومي التركي رئيس الوزراء نجم الدين أربكان إلى استقالة، ليقع لاحقاً حل حزبه الإسلامي “الرفاه” من طرف المحكمة العليا بتهمة انتهاك الدستور العلماني للدولة، ورغم منْع أربكان من الممارسة السياسية لمدة خمس سنوات، إلا أن تلاميذه ومن بينهم رجب طيب أردوغان أعادوا تأسيس الحزب تحت اسم “الفضيلة” في ديسمبر 1998، إلا أنه لقي في العام 2011 المصير نفسه بعد حظره من طرف القضاء التركي بالتهُّم نفسها. وفي خلال هذا المسار الطويل من نشاط الإسلام الحركي التركي منذ ستينيات القرن العشرين وحتى نهاية حزب الفضيلة، كانت القاعدة الاجتماعية للتيار مؤلفة أساساً من القطاعات التركية المحافظة المدينية والريفية في إسطنبول وفي الأناضول، مِنْ صغار الطلبة والتجار والفلاحين وقطاع شبابي قوي داخل المدارس الإسلامية، وخاصة حزام واسع من المتعاطفين من التصوف الطّرقي (النقشبندية، والقادرية، والبكتاشية، والمولوية، والخلوتية)، والتصوف المؤسسي (الجماعة النورسية لبديع الزمان سعيد النورسي، وجماعة الخدمة لفتح الله غولن).

دفعت الحلقة المفرغة من التأسيس والحظر قطاعاً شبابياً واسعاً داخل تيار أربكان إلى البحث عن خطاب جديد لضمان الوجود السياسي على الساحة؛ فالخطاب الإسلاموي الحاد والمباشر الذي كان يواجه به أربكان المؤسسات العلمانية العميقة والصلبة داخل تركيا (الجيش، والنخب، والأحزاب، والقضاء)، كان محكوماً عليه بالفشل لاختلال توازن القوى بين الطرفين، وخاصة في مواجهة المؤسسة العسكرية، لكن أربكان تشبَّث بمنهجه مُؤسساً حزباً جديداً على الشاكلة نفسها، وهو حزب السعادة، في العام 2002. في المقابل انشقت مجموعة يقودها رجب طيب أردوغان وأحمد داود أوغلو وعبد الله غول لتؤسس حزب العدالة والتنمية، وأعلنت تمسُّكها بالنظام العلماني الذي أرسى دعائمه مصطفى كمال أتاتورك، بما في ذلك المؤسسة العسكرية القوية. وقد تزامن ذلك مع صعود سردية أمريكية جديدة في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر قادتها مراكز أبحاث ونخب تشجع الحركات الإسلامية – التي تصفها بـ المعتدلة – باعتبارها الأقدر على هزم التيارات الجهادية العنيفة.

وعلى الرغم من أن الحزب الجديد كان ذا جذور إسلامية، إلا أنه سعى إلى تقديم نفسه بأنه تعددي ومؤيد لأوروبا وصديق لرجال الأعمال. وفي خلال هذه الفترة أصبحت القاعدة الاجتماعية للحزب الوليد أكثر تنوعاً، إذ انضمَّت للقطاعات المحافظة التقليدية قطاعات جديدة من المثقفين الليبراليين وطبقة تجارية وسطى من رجال الأعمال الطامحين لكسب مساحات جديدة في مواجهة الطبقة البرجوازية التقليدية التركية المرتبطة بالسلطة. وقد نجح خطاب الحزب الجديد، الناعم و”المعتدل” في محافظته، في مواجهة المؤسسات العميقة وفي جمع قاعدة اجتماعية متينة من حولهِ أوصلته للسلطة بعد أقل من سنة من تأسيسه.

في العام 2013 حدثت انعطافة جذرية في مسار تطور التشكيلات الاجتماعية الموالية لحزب العدالة والتنمية، إذ شهدنا فكاً للارتباط بين الحزب وحركة الخدمة (فتح غولن) بعد تفجُّر قضايا الفساد التي تتعلق ببعض الوزراء وعائلاتهم. وتزامن ذلك مع توجُّه النظام التركي نحو سياسات جديدة على المستوى الخارجي، من سياسة ”صفر مشاكل” مع الجوار، التي نظَّر لها وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو، إلى “التوسعية العثمانية الجديدة”، والتي عبَّرت عن نفسها بشكل واضح مع تصاعُد الاضطرابات في الشرق الأوسط في بداية الثورات العربية، التي اعتبرتها أنقرة فرصة لتوسيع نفوذها. وهذا الطموح التوسعي ما لبث أن تحول إلى نوع من الهوس الشخصي للرئيس التركي، في ليبيا وسوريا والعراق وأذربيجان. وفي المقابل، تطورت السياسات الداخلية للنظام نحو مزيدٍ من “الشمولية والقمع والهوس بالمؤامرات”، والتي بدأت واضحة منذ مايو 2013 تاريخ اندلاع أحداث احتجاجات منتزه غيزي في إسطنبول، المعقل التاريخي للحزب الحاكم، والتي واجهتها الحكومة بالقمع واتهام المتظاهرين بأنهم “مجموعة من الخونة والمتآمرين”، ليدخل أردوغان في طور من “جنون الارتياب”، وأصبح مقتنعاً بأنه مُحاصَر من “تحالف غامض من الأعداء المحليين والدوليين”.

من 2013 وحتى 2016 خسر العدالة والتنمية قطاعات واسعة من القاعدة الاجتماعية المحافظة والليبرالية على حد سواء، وخاصة من الرافد الصوفي بعد فك الارتباط مع جماعة الخدمة، ومن الروافد الليبرالية التي بدأت تستشعِر تبخُّر الوعود الديمقراطية. في المقابل، بدأت طبقة جديدة من النخب ورجال الأعمال تتشكل حول الحزب، وخاصة من محاسيب وأقارب القيادات السياسية لنشهد صعوداً لعوائل سياسية متنفذة، من أبرز نماذجها بيرات البيرق، صهر الرئيس أردوغان، الذي تولى منصبي وزير الطاقة والموارد الطبيعية ووزير الخزانة والمالية. وتتفق الروافد المحافظة والليبرالية للعدالة والتنمية على تنكُّر الحزب لوعود الديمقراطية أولاً، وكسْر احتكار الثروة، الذي كان سائداً لعقود في تركيا، وتفكك قليلاً خلال الفترة الأولى من حكم الحزب، لكن النخب العائلية الجديدة التي أحاطت أردوغان أعادت إنتاجه في شكل جديد.

صعود المد القومي حزبياً وسياسياً

هذه السياسات أصبحت أكثر حدة وعلانية في أعقاب المحاولة الانقلابية الفاشلة صيف 2016، والتي أدت إلى بروز نظام حكم رئاسي جديد، منح أردوغان وحزبه سلطات غير مسبوقة. فقد سرَّع من تفريغ وتسييس مؤسسات كالجيش والأجهزة الأمنية، بعد عملية تطهير واسعة أدت إلى سجن 95 ألف شخص، وإقالة أو تجميد ما لا يقل عن 130 ألف شخص، كما اُعتِقل المئات من الصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان، وعُيِّن الموالون في مناصب رئيسة في الدولة وجهاز حزب العدالة والتنمية، وتنامى التشدُّد في مواجهة الحركة الكردية السياسية واعتقال قيادتها.

وفي ظل هذه المتغيرات وجد أردوغان وحزبه نفسيهما في تحالف موضعي مع حزب الحركة القومية ضمن تحالف سياسي يسمى “تحالف الشعب”، وهنا بدأ النظام التركي في  التحول نحو النزعة القومية، من خلال سياسة تصعيدية ضد الأكراد، إذ استعان بالقوميين داخل البرلمان في مواجهة صعود “حزب الشعوب الديمقراطي” الكردي، ولتأمين دعم سياسي للتدخل التركي في سوريا ضد الأكراد، وقد ساعده ذلك على استعادة ثقة المؤسسة العسكرية، والتي اهتزت بسبب محاكمات الأيرغينيكون بين عامَي 2007 و2012، والتي استُخدمت فيها أدلة مريبة على انقلاب مزعوم من أجل محاكمة المئات من كبار الضباط وسجنهم، وسياسات تصعيدية ضد الاتحاد الأوروبي تماشياً مع موقف حليفه حزب الحركة القومية، الذي يُعدّ من أشد مُعارضي انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي. فيما ربطت علاقات وثيقة بين هياكل الحزب في أوروبا وحركة “الذئاب الرمادية “القومية التركية المتطرفة، تعبيراً عن هذا التوجه الجديد لسياسات أردوغان داخلياً وخارجياً.

وتصاعَدت خلال هذه المرحلة النزعات الشعبوية القومية في خطاب حزب العدالة والتنمية ورئيسها أردوغان، وأصبح الحديث عن المؤامرات الخارجية هو التفسير الوحيد للإخفاقات الاقتصادية والسياسية التي تعيشها البلاد. وقد أدت مجمل هذه السياسات إلى تفكُّك القاعدة الاجتماعية التقليدية لحزب العدالة والتنمية، بل إن التفكك بدأ يطال مؤسسات الحزب نفسه بعد أن بدأ رفاق أردوغان التاريخيين ينسحبون من الحزب واحد بعد آخر؛ ففي العام 2018 انسحب الرئيس السابق عبد الله غول، وفي 2019 استقال نائب رئيس الوزراء، وزير المالية السابق علي باباجان واتجه لتأسيس حزب منافس، وفي العام نفسه استقال وزير الخارجية السابق أحمد داود أوغلو بعد أن وجَّه سلسلة انتقادات للرئيس. حتى وصلنا إلى يونيو 2019 عندما خسر الحزب رئاسة بلدية اسطنبول، بعد أكثر من ربع قرن من السيطرة عليها. وتعليقاً على الحدث كتب النائب عن الحزب مصطفى يانير أوغلو تغريدة ذات دلالة على منصة تويتر، قال فيها: “خسرنا إسطنبول لأننا خسرنا تفوقنا الأخلاقي… يمكننا أن نستعيد تفوقنا بالنقد الذاتي، وطي صفحة الماضي، والنظر إلى المستقبل وأحلام الشباب والعقلانية وسيادة القانون والحقوق والفصل ما بين السلطات”.

تقارُب أردوغان مع تيار أربكان: المؤشرات والدوافع والتحديات

قبل سنتين من الاستحقاق الانتخابي المقبل في تركيا، وأمام الطريق المسدود الذي وصل إليه التنظيم الحزبي للعدالة والتنمية، خاصة لجهة تفكك قواعده الاجتماعية التقليدية وتوجهها نحو تعبيرات سياسية جديدة شكلتها قيادات سابقة في الحزب مثل علي باباجان و أحمد داود أوغلو، وَجَد الرئيس أردوغان نفسه مُلزماً بمراجعة نقدية لمنهج عمل حزبه والبحث عن حلول لهذه المعضلة. وفي هذا السياق، جاءت محاولة الرئيس التركي للتقارب مع تيار نجم الدين أربكان داخل تركيا، والذي يشمل حزب السعادة، الممثل الرسمي للتيار في الداخل، وحركة “ميللي غوروش” في الخارج.

1. المؤشرات

يتجلَّى هذا التقارب في المؤشرات الآتية:

في 27 فبراير 2020 الماضي مرَّت الذكرى العاشرة لرحيل رئيس الوزراء التركي الأسبق نجم الدين أربكان، والأب الروحي لتيار الإسلام السياسي في تركيا المعاصرة، دون ضجيج. لكن اللافت هذا العام هو الاحتفال الرسمي بالذكرى، في وسائل الإعلام الموالية للرئيس أردوغان وحزبه، بل إن أردوغان نفسه خصص لها حيزاً على حسابه الرسمي في تويتر، مُشيداً بـ “معلمه السابق” رغم الخلافات التي كانت بينهما.

في 28 من الشهر نفسه مرَّت الذكرى الرابعة والعشرين للانقلاب العسكري الذي أطاح بحكومة أربكان الائتلافية وانتهى بحلّ حزبه الإسلامي، وكان لافتاً أيضاً هذا العام تركيز النخب الحاكمة التركية على استعادة ذكرى الانقلاب و”الإشادة بخصال” أربكان.

كما قام أردوغان بزيارة إلى قبر نجم الدين أربكان في مدينة إسطنبول، وبزيارة أخرى إلى رئيس المجلس الاستشاري الأعلى لحزب أربكان “السعادة”، أوغوزخان أصيل تورك، في منزله. وتعليقاً على الزيارة قال أردوغان، إن “صداقة قديمة تربطه بعضو المجلس الاستشاري الأعلى”، وأنه بحث مع الأخير مسألة “انضمام حزب السعادة إلى تحالف الشعب”.

الإعلان عن القيام بإصلاحات قضائية لتحسين حقوق الإنسان وسيادة القانون، وكذلك إبعاد رموز من العائلة وشبكة المحاسيب من دوائر القرار، لعل أبرزهم صهره البيرق، خاصة مع اتهامات لطالما وجهها رموز حزب السعادة للسلطة بالفساد.

اختيار “عثمان نوري قاباق تبه” ليكون رئيساً لفرع حزب العدالة والتنمية في إسطنبول، بعد تزكيته مرشحاً وحيداً، وهو من الرفاق التاريخيين لنجم الدين أربكان، ومن مؤسسي حزب “السعادة”، وأحد القيادات الشبابية في حركة ميللي غوروش خلال الثمانينيات والتسعينيات، كما عمل في الفروع الشبابية لحزبي الفضيلة والرفاه.

2. الدوافع

يُمكِن تلخيص دوافع هذا التقارب في الآتي:

إعادة الزخم إلى القاعدة المحافظة لحزب العدالة والتنمية وتحالف الشعب الحاكم، من خلال القوى الاجتماعية الداعمة لحزب السعادة (الطرق الصوفية، النخب الإسلامية التقليدية…).

إعادة فكرة “التفوق الأخلاقي” للنظام السياسي التركي الحالي، من خلال الحصول على دعم حزب السعادة الذي يمثل خطابه “النقاوة الأخلاقية الإسلامية” وفقاً لما يراه قطاع واسع من الطبقات المحافظة التركية المدينية، خاصة في إسطنبول، والتي لها وزنٌ انتخابي هائل، وكذلك في الأرياف لدى القاعدة الأناضولية التاريخية للتيار الإسلاموي التركي.

قطْع الطريق أمام حزبي “الديمقراطية والتقدم” (ديفا) الذي أسسه الوزير السابق علي باباجان، و”المستقبل” الذي أسسه وزير الخارجية السابق أحمد داود أوغلو، كي لا يستفيدا من القاعدة الاجتماعية الصلبة لتيار أربكان، خاصة أن الحزبينِ ضمن “تحالف الأمة” المعارض، ويحظيان حتى الآن بدعم من حزب السعادة، ودعم جزئي من حركة “مللي غوروش” في المهجر، حيث يشكل الشتات التركي ثقلاً انتخابياً نوعياً بالنسبة لأردوغان.

3. التحديات

لكن هذا التقارب الذي يراهن عليه أردوغان لإعادة “الروح القديمة” للحزب الحاكم، وتعزيز “تحالف الشعب” يواجه الكثير من التحديات، لعل أبرزها التحديان الآتيان:

التحدي الأول، رفْض قطاع واسع من قيادات التيار، سواء داخل حزب السعادة أو في حركة مللي غوروش، لهذا التحالف. إذ عبَّر قره ملا أوغلو، زعيم حزب السعادة عن معارضته القوية للانضمام إلى تحالف حزب العدالة والتنمية، رغم وجود تيار أقَلِّي داخل الحزب يرى أن المسألة قابلة للنقاش يقوده رئيس المجلس الاستشاري الأعلى للحزب أوغوزخان أصيل تورك. أما حركة مللي غورش – وهي احدى الروافد الأساسية لنظام أردوغان في الخارج لسنوات – فقد عبر رئيسها كمال إرجون مؤخراً عن انتقاده للنظام من خلال تغريدة أشار فيها إلى انتهاكات حقوق الإنسان، في إشارة إلى ابتعاد الشتات الإسلاموي التركي عن دعم أردوغان. وقد تجلَّى ذلك بوضوح في انتخابات “اتحاد الديمقراطيين الدوليين”، وهو أكبر منظمة تركية للمغتربين ومقره في ألمانيا، بعد تنحي رئيسها السابق بولنت بيلجي بشكل مفاجئ، وانتخاب كوكسال كوس رئيساً جديداً رغم أنه كان قريباً من حركة “الذئاب الرمادية” القومية المتطرفة، وهذا تجلٍ آخر من تجليات النزوع القومي الجديد لدى حزب العدالة والتنمية.

ويتمثل التحدي الثاني في نجاح حزب “الديمقراطية والتقدم” (ديفا) بزعامة الوزير السابق علي باباجان في كسب قطاعات مهمة من القاعدة الاجتماعية للتيار الأربكاني، وخاصة من فئة المستقلين، مُستفيداً من تحالفه الموضوعي مع حزب السعادة داخل “تحالف الأمة “، الذي يضم أحزاب المعارضة. بل إن حزب باباجان نجح منذ فترة في أن يضم إلى صفوفه نائب حزب العدالة والتنمية في البرلمان، عن الجاليات التركية في ألمانيا، مصطفى ينير أوغلو، بعد استقالته في نوفمبر 2019. ويُعدّ ينير أوغلو من القيادات التاريخية لحركة مللي غورش، الامتداد الأوروبي للتيار الأربكاني، وشخص له ثقل سياسي كبير في أوساط الشتات التركي في أوروبا.

فُرَص نجاح التقارُب وتداعياته المحتملة

لا شيء يبدو مستحيلاً قبل سنتين من الانتخابات العامة المقبلة في تركيا (2023)، إذ يمكن أن ينقلب المشهد السياسي جذرياً نحو تحالفات جديدة، خاصة في ظل القفزات غير المفسَّرة، التي يقوم بها أردوغان من حين إلى آخر. لذلك تبقى فُرَص الرئيس التركي في استمالة التيار الأربكاني قائمة وبقوة، خاصة في ظل وجود جناح مهم داخل حزب السعادة يسعى للجلوس مع أردوغان للتفاوض حول طبيعة التحالف وأهدافه ومكاسبه، ووجود قطاع واسع من قيادات حركة ميللي غوروش في الخارج ما زالت متمسِّكة بدعم أردوغان وحزب العدالة والتنمية، لأسباب تتعلق بالدعم السخي الذي يقدمه أردوغان لشبكات الشتات التركي في أوروبا. لكن وجود خصمين سياسيين في حجم وتاريخ علي باباجان وأحمد داوود أوغلو، سيقلل كثيراً من فُرص أردوغان في كسب قواعد حزب السعادة و ميللي غوروش، لأنهما يشتركان معاً في الأرضية السياسية المحافِظة، إلى جانب نفور السعادة من حليف أردوغان القوي، الحركة القومية، لأسباب تاريخية عميقة.

وسيكون لتوجه النظام التركي نحو التيار الأربكاني وقواعده الاجتماعي تداعيات وانعكاسات محتملة على المشهد السياسي الداخلي في تركيا، أبرزها:

احتمال وقوع انقسام عميق داخل حزب السعادة وحركة مللي غوروش، يؤدي بهما إلى تشتت قاعدتهما الاجتماعية، بين جناح مُوالٍ لأردوغان وتحالف الشعب في مقابل جناح ثان يُريد دعم باباجان وأوغلو ضمن تحالف الأمة المعارض.

الضعف الذي يمكن أن يعاني منه تحالف الشعب، إذ ما نجح أردوغان في استمالة التيار الأربكاني، بسبب الخطاب الإسلامي، الذي يتبناه التيار ومواقفه التاريخية من العلمانية التركية، والذي يمكن أن يؤدي إلى خلافات مع حزب الحركة القومية.

وأي تقارب فعلي بين أردوغان وتيار أربكان سيؤدي إلى ضعف العلاقة بين أردوغان وقيادة المؤسسة العسكرية، بسبب الخلاف التاريخي بين الجيش والتيار الأربكاني منذ انقلاب 1997، خاصة أن قيادة حزب السعادة تُطالِب بنهج تفاوضي سلمي مع الأكراد، خلافاً للسياسة الصدامية القائمة، التي يتبعها أردوغان ضد التنظيمات السياسية الكردية، والتي يدعمها كلٌّ من الجيش والحركة القومية.

خلاصة واستنتاجات عامة

يعيش حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا حالة من التفكُّك المديد لقاعدته الاجتماعية التقليدية منذ العام 2013، في أعقاب فك الارتباط بينه وبين حركة الخدمة بزعامة فتح الله غولن، إذ بدأت قطاعات واسعة من الطبقة التركية المحافظة في الابتعاد عن الحزب، وعمَّقت المحاولة الانقلابية الفاشلة، صيف العام 2016، هذا التفكك بعد توجُّه الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان إلى تعميق التحالف مع الحركة القومية في إطار “تحالف الشعب”، ما أدى إلى صعود النزعات القومية داخل الحزب وفي سياسات النظام التركي، في مقابل انسحاب قيادات تاريخية من العدالة والتنمية.

أمام الطريق المسدود الذي وصل إليه التنظيم الحزبي للعدالة والتنمية، يحاول الرئيس التركي التقارب مع حزب السعادة، الممثل الرسمي لتيار نجم الدين أربكان داخل تركيا، ويريد أردوغان عبر هذا التقارب إعادة الزخم إلى القاعدة المحافظة للتحالف من خلال الحصول على دعم حزب السعادة الذي يمثل خطابه “النقاوة الأخلاقية الإسلامية”، وقطع الطريق أمام حزبي “الديمقراطية والتقدم” (ديفا) الذي أسسه علي باباجان و”المستقبل” الذي أسسه أحمد داود أوغلو، كي لا يستفيدا من القاعدة الاجتماعية الصلبة لتيار أربكان في الانتخابات المقبلة.

لكن هذا التقارب الذي يراهن عليه أردوغان لإعادة “الروح القديمة” للحزب الحاكم، وتعزيز “تحالف الشعب” يواجه الكثير من التحديات أبرزها رفض قطاع واسع من قيادات التيار – سواء داخل حزب السعادة أو في حركة مللي غوروش- لهذا التحالف، ونجاح حزب “الديمقراطية والتقدم” (ديفا) بزعامة الوزير السابق علي باباجان في كسب قطاعات مهمة من القاعدة الاجتماعية للتيار الأربكاني، وخاصة من فئة المستقلين.

تبقى فُرَص الرئيس التركي في استمالة التيار الأربكاني قائمة، خاصة في ظل وجود جناح مهم داخل حزب السعادة يسعى للجلوس مع أردوغان للتفاوض حول طبيعة التحالف وأهدافه ومكاسبه، ووجود قطاع واسع من قيادات حركة ميللي غوروش في الخارج ما زالت متمسِّكة بدعم أردوغان وحزب العدالة والتنمية، لأسباب تتعلق بالدعم السخي الذي يقدمه أردوغان لشبكات الشتات التركي في أوروبا.

سيكون لتوجُّه نظام أردوغان نحو التيار الأربكاني وقواعده الاجتماعي تداعيات محتملة على المشهد السياسي الداخلي في تركيا، أبرزها احتمال وقوع انقسام عميق داخل حزب السعادة وحركة مللي غوروش، يؤدي بهما إلى تشتت قاعدتهما الاجتماعية، والضعف الذي يمكن أن يعاني منه تحالف الشعب، إذ ما نجح أردوغان في استمالة التيار الأربكاني، فضلاً عن أن أي تقارُب فعلي بين أردوغان وتيار أربكان قد يؤدي إلى ضعف العلاقة بين أردوغان وقيادة المؤسسة العسكرية، بسبب الخلاف التاريخي بين الجيش والتيار الأربكاني.

 

المصدر: مركز الإمارات للسياسات

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر