مركز سمت للدراسات ابن سلمان والانشغال بالمستقبل | مركز سمت للدراسات

ابن سلمان والانشغال بالمستقبل

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 4 مايو 2021

محمد الرميحي

 

حديث الأمير محمد بن سلمان الأخير الى وسائل الإعلام أخذ حيزاً واسعاً من النقاش على الصعد السعودية والخليجية والعربية وحتى العالمية. نحن بصدد مشروع إصلاحي واضح المعالم عنوانه الأبرز الانشغال بالمستقبل. مروحة من الملفات تطرق اليها الحديث، ويبدوأن الأفكار الإصلاحية قد تبلورت لدى الملك سلمان إبان تجربته الطويلة قبل الحكم كأمير لمدينة الرياض ومرافق لكل التطورات التي حدثت في المملكة وحولها في نصف القرن الأخير أو يزيد.

هذه الرؤية جعلته يختار ابنه محمد من دون غيره لتنفيذها لما توسم فيه من قدرات يعرفها الآباء عن أبنائهم، مع العلم أن كل أبناء سلمان معروفون بالجدية والفطنة. لدى الأمير محمد قدرات قيادية لا تخفى، ولديه فهم لمجتمعه وحاجاته المتجددة، ووعي عميق بالعصر الذي يعيشه. لقد واكب التحول الاجتماعي في الداخل السعودي الذي انتقلت مسيرته من الكم الى الكيف في شعب مكون من غالبية من الشباب تزداد حاجتهم بمرور الزمن للتأقلم مع العالم، وعالم يحمل من التحديات الكثير.

المملكة في رأي كثيرين في الخليج هي (عمود الخيمة). هي محط الاستقرار والظهير الخلفي لدول الخليج الأخرى، فما يجري فيها كما أثبتت الأيام هو معدٍ للآخرين، لذلك فإن خطط الإصلاح ينظر إليها الجميع على أنها الرافعة في هذا الوقت الحرج من التطور السياسي والاجتماعي والثقافي في المنطقة. مروحة الملفات التي تحدث عنها الأمير كثيرة، على رأسها بوصلة الحكم والتي هي الثبات على الأصول والحرية المطلقة في الاجتهاد من أجل مواءمة الأصول مع احتياجات الناس، وتقديم ما يحتاجه ويطلبه العصر على الموروث من دون التقيد باجتهاد شخص أو أشخاص أو مدرسة، أي انفكاك من الوصاية الفقهية، وفقط الالتزام بما يقبله العقل ويساير المصالح المرسلة للمجتمع.

ذلك تطور نوعي في التفكير في الخطوط العريضة الحاكمة للمجتمع. وفي ملفات المنظور الاقتصادي عرض الأمير مجموعة منها عن معرفة بالموارد، وشدد على أن ذلك التطور يعتمد أساساً على نوعية تدريب رأس المال البشري  وتعليمه، هو القادر على الاستفادة القصوى من الموارد المتوافرة وتوظيفها للمصلحة العامة. إذ قال: “سوف نجعل جامعة الملك سعود (من أقدم الجامعات) في مصاف أفضل عشر جامعات في العالم”. فهم عميق لأهمية التعليم وهو القاطرة التي نقلت شعوباً ودولاً أخرى من الصفوف الخلفية الى الصفوف الأمامية في العالم، وبعضها لا يملك الموارد المتوافرة للمملكة العربية السعودية، ذلك خبر ليس جيداً فقط، ولكنه أيضاً مفرح من حيث الاعتراف بأهمية التعليم النوعي. الاهتمام بالبيئة وضرورتها للتنمية هو ملف آخر تطرق إليه الأمير بإسهاب في الخطط الموضوعة لمضاعفة كبرى في الغطاء النباتي في المملكة وتقليل الانبعاثات والاعتماد على الطاقة البديلة. وفي ملف اختيار القيادات المؤهلة والقادرة على التنفيذ في إطار التخطيط المركزي والتنفيذ اللامركزي، وقد بُدئ في تنفيذه، بعد اضطراب في تقلد المناصب والتخلص من غير القادرين، وصلت الإدارة العامة الى استقرار نسبي ولكنه مراقب أيضاً لإكمال الكوادر التي تحتاجها خطط التنمية.

في موضوع المرأة خطت المملكة خطوات ملحوظة في التمكين وتصاعدت نسبة المشاركة النسوية في الكثير من القطاعات الانتاجية والإدارية، ويتم تطوير المنظومة العدلية لتتواءم مع السائد من القوانين الحقوقية المرعية.

لامس محمد بن سلمان السياسة الخارجية التي تنفذ على بوصلة مصالح المملكة وقواعد العلاقات الدولية المرعية، فلا عداء دائماً أو صداقات دائمة. هي تحقيق مصالح مشتركة. طبعاً نتيجة ذلك اللقاء والأفكار التي طرحت فيه، اندفعت قوى عديدة مناهضة للمشروع الإصلاحي كي تبحث عن المثالب، وتضخم الصغائر، وتزايد على الخطط المطروحة، بعضها قد يكون بحسن نية، ولكن البعض الآخر يضمر العداء  للمشروع بكامله وذلك متوقع، فالمشروع يتصادم مع مصالح البعض الذي استمرأ التسيب وغاص في أشكال الفساد، ومع آخرين يرون أن العادات والتقاليد هي من صلب التراث، على قاعدة فهم خاطئ، ومع بعض من يرى أن التغيير الذي رفعت أشرعته إيقاعه سريع، وقد يخلٌ ببعض التوازن المجتمعي. وهناك فئة أخرى هم معادون أصلاً للمملكة، فهم خسروا قاعدة كانت بالنسبة اليهم خلفية مريحة في السابق، وأعني الإسلام الحركي، والذي تشن قواه المنظمة، وبخاصة في وسائل التواصل الاجتماعي، حملة شعواء محمولة على جملة من الأكاذيب. طبعاً الى جانب أناس يرون أن نجاح الإصلاح يعني بناء النموذج البديل، وهو على النقيض من مشروعهم المبني على الخرافات والأوهام.

يتوجب تفكيك حزمة المناوئين، فمنهم من يتوجب العمل على شرح وإعادة شرح المقاصد الخيرة من المشروع الإصلاحي، ومنهم من يتوجب نقاشه وتحقيق ما يمكن من تمنياته المحقة، وهناك آخرون يتوجب كشف مقاصدهم السلبية. بعضهم سيبقون في ضلالهم لأنهم يحملون مشروعاً مناقضاً لكل إصلاح أو تحديث أو احترام لمطالب الناس. يقيني أن هناك أغلبية في الداخل والجوار والخارج مرحبة بحزمة الإصلاحات وقادرة على حمايتها، إنه فجر عصر جديد يقود المنطقة الى الاستقرار والنماء، ولكنه في الوقت نفسه يحمل تحدياته التي يتوجب أن لا تهمل.

المصدر: صحيفة النهار العربي

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر