إلى أي مدى طوعت جماعات الإسلام السياسي اللغة لصالح مشروعها؟

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 6 أغسطس 2019

إبراهيم غرايبة

 

أنشأ الإسلام السياسي مجموعة من المفاهيم، أو أعاد إنشاء واستخدام أخرى أكسبها معنى دينياً محدداً وحاسماً، وتوسّع في امتدادها مثل: الحكم والحاكمية، والدولة الإسلامية، وتطبيق الشريعة، والردّة، والحسبة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإسلامية، والجاهلية، والتميز، واستعلاء الإيمان.

كما استخدم آيات كريمة وأحاديث نبوية للدعوة إلى مفاهيم وتطبيقات واسعة وممتدة في الحياة والعلاقات أكثر مما تحتملها النصوص، أو ليست هي المعنى الوحيد لها، والحال أنّ جماعات الإسلام السياسي نجحت في صياغة مدلولات وتطبيقات ومفاهيم وأفكار صياغة إسلامية قطعية الدلالة والثبوت، رغم أنّها لم تكن معروفة من قبل، أو لم تكن مفهومة، لتطبّق على النحو الذي دعت إليه الجماعات، واستطاعت أيضاً، بدأبها ومهارات وقدرات أعضائها وقادتها، أن تعمّمها على الفهم الديني السائد، حتى صارت أكثر قبولاً وانتشاراً في نطاق المناهج التعليمية والتدين العام؛ بل والرسمي أيضاً.

ولم يعد ثمة فرق يذكر في فهم الأفكار والدعوة إليها بين جماعات الإسلام السياسي والمؤسسات الرسمية الدينية والتعليمية، كما التديّن العام والشعبي بين الناس، وفي الوقت نفسه؛ تشكّل شعور لدى “الآخر”، بمن هو ليس الإسلام السياسي من القادة السياسيين والمشرعين والجماعات والأشخاص، شعور عميق بالخطأ والابتعاد عن الإسلام، وصار العالم الإسلامي اليوم في مأزق كبير؛ إذ لم تعد المواجهة مع الإسلام السياسي مواجهة قانونية أو تنظيمية، لكنّها جدل فكري، جدل يبدو محسوماً لصالح الإسلام السياسي، فهو ليس جدلاً بين فكرتين أو أكثر، إنّه جدل الفكرة الواحدة المتفق عليها، وليس من خلاف سوى حول مَن يطبقها؛ الدولة أم الجماعات؟ وهكذا تحول الجدل والخلاف حول الشرعية والمصداقية، لا المحتوى الديني أو الفكري، ولا المعاني أو التطبيقات الممكنة والمستبعدة للنصوص والأفكار الدينية، ولذلك لن يكون ثمة فرق يذكر في علاقة الدين بالدولة والمجتمعات والفضاء العام سوى مَن يطبق على الناس مفاهيم وأفكاراً وأحكاماً نُسبت إلى الدين وصارت ديناً يعتقد أنه نزل من عند الله، هل الدولة وموظفوها، أم الجماعات وأنصارها ومؤيدوها؟

عرضت في مقالات سابقة نماذج كثيرة للتطبيقات والمفاهيم التي يدعو إليها الإسلام السياسي على أنّها الإسلام على نحو قاطع ومجمعٍ عليه، ويحتاج الأمر إلى معالجات طويلة وكثيرة؛ لأنّنا في واقع الحال أمام تراث فكري هائل ومتراكم، لم يعد مقتصراً على كتب وأدبيات الإسلام السياسي، لكنّه يمتد إلى الرسائل الجامعية والمناهج التعليمية والتشريعات والأحكام، وأصعب من ذلك كلّه؛ الفهم السائد والراسخ لدى المتدينين والناس بعامة من مؤيدي جماعات الإسلام السياسي، ومن غيرهم أيضاً.

لكنّني سأشير في هذه المساحة إلى فكرة اللانهائية والتغير في معاني ودلالات النصوص واللغات على نحو يستحيل، بل لا يجوز، أن ينشئ معنى واحداً غير متغير، هكذا؛ فإنّ اللغة بقدر ما تمنحنا المعنى وتحفظ لنا الأفكار والعلوم والإشارات، فإنّها أيضاً تفتح المجال واسعاً بلا حدود لنفهم النصوص الدينية وغيرها، ولا تمنح أحداً اليقين بأنّ ما يفهمه هو الصواب أو الصواب النهائي.

يقول روفائيل سانشيت فولوسيو: إنّ مبتدأ قصة الخوارج أنّهم رفضوا إمكانية توضيح الحقيقة الإلهية بالمعرفة والمفردات البشرية، لكنّهم قبلوا فكرة تجلّيها في تلاقي سيوفهم. وأثبت البشر مرة أخرى أنّهم يحبون الحقائق أكثر من المعارف، ولسان حالهم “زائف لكن مؤكد” فالحقائق دائماً زائفة، بطبيعة الحال، مثلما يؤكد ذلك أنّ قادتهم ليسوا علماء، لكنّهم قادة اجتماعيون أو مقاتلون ومحاربون، يشعرون بالغضب والتهميش.

يمكن الإشارة، على سبيل المثال، إلى مفهوم “دين”، ومعانيه الكثيرة المتعددة، الممكن فهمها من القرآن الكريم، مثل: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ بمعنى العدل، ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ بمعنى القانون، ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ﴿ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، وكذا الحكم، المفهوم الذي أسس لانقسام عميق وتاريخي في الأمة الإسلامية، ومن طرائف الخلاف؛ أنّ الخوارج استندوا إلى الآية القرآنية: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّه﴾ لرفض التحكيم بين الطرفين المتقاتلين على “الحكم”، بمعنى أنّه لا يجوز لبشر أن يحكم في هذا الخلاف، وذلك لأنّ الخوارج كانوا، لأسباب اجتماعية وقبلية، يريدون محاربة الأمويين وأنصارهم، ثم وفي وقت لاحق، استخدم الخوارج الآية نفسها ليكتسبوا شرعية موقفهم وقتالهم مع الأمويين، حتى أنّ بعض العلماء والحكماء ردّوا عليهم: “إنّكم تجعلون الله سلطاناً”.

واستخدم مفهوم “الجاهلية” بمعنى واحد، هو ما ليس إسلاماً، واختير هذا الاستنتاج من الآية: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ لتقسيم العالم إلى فسطاطين: حكم الله، وحكم الجاهلية، دون ملاحظة، أو الرغبة في ملاحظة، المعاني الكثيرة والمتعددة للكلمة والتعسّف الواسع في الاستنتاج والتطبيق، ثم تحويل هذا الاستنتاج إلى جزم تقوم عليه جماعات وحروب ومؤسسات وأفكار وكتب ودراسات.

وهكذا، وعلى نحو من الأنحاء، يبدو الإسلام السياسي مشروعاً للصراع والجدل حول اللغة، بما هي الوعاء الذي حلّ فيه النص الديني، ومن ثم فإنّ الغلبة والتأييد والانقسام يكون حول المعنى، فمن يملك اللغة يملك النصر، لكن إذا كانت اللغة هي المرجع وموضع الخلاف فلماذا لا يكون لأهل اللغة دور كبير في هذا الجدل؟ لماذا يكون الخلاف لغوياً ويتجادل فيه غير اللغويين؟

 

المصدر: حفريات

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر