أولاد العم “المستعربون”

التاريخ والوقت : الإثنين, 30 يناير 2017

 بيسان عناب

 

ظل الفيلم المصري “أولاد العم” الذي عرض على شاشات التلفزة والسينمات حديث الناس لفترة طويلة، البعض لم يرى فيه أكثر من قصة محبوكة بصورة مثيرة ومستفزة للمشاهد العربي هدفها الأول والأخير الربح المادي. آخرون رأوا فيه صورة واقعية قاسية لقصص كثيرة حصلت وطمرت بشكل أو بآخر مداراة للفضائح والخزي والعار الذي قد يلحق بالعائلة ردحاً طويلاً من الزمن.

تتلخص فكرة الفيلم الأساسية  بزواج سعيد مكلل بطفلين صغيرين، يصطحب الزوج عائلته في رحلة بحرية تتنهي بأن تفاجأ الزوجة بوجودها في إسرائيل الكيان، وتكتشف بأن زوجها ضابط مخابرات إسرائيلي عاش معها حياةً مزدوجة؛ الزوج المحب والأب الحاني كان جاسوساً ليس إلا..

السيناريو السابق هو تطبيق للمهام طويلة الأمد التي توكل الى أفراد قوات المستعربين الخاصة. أيضاً قد تكون المهام قصيرة الأمد فيخرج المستعرب من بيته ويعود بعد ساعات قليلة وقد حقق هدفه المراد. تارة تراه صحفياً يلتقط الصور المغرضة لوجوه الشبان ويحدد مواقعهم ويزود مسؤوليه بالمعلومات المطلوبة، وطوراً يتنكر بزي طبيب يعمل في سيارات إسعاف مجهزة بالكامل، يهرع لإنقاذ المصابين وتضميد جراحهم ونقلهم على وجه السرعة؛ بيد أن هذه السيارة تتوجه إلى جهات غير معلومة!

إن من الممكن أن تمتد المهمة ليومين أو أكثر وقد تطول الى سنوات طويلة يبني فيها المستعرب حياة متكاملة؛ يعيش في أحد الأماكن والتجمعات السكانية العربية، ويمارس عملاً عادياً كأن يكون نجاراً أو حداداً أو بائع خضر، من ثم يتزوج وينجب الأطفال، منفذاً أثناء ذلك كل ما يطلب منه بصفته أحد أفراد الوحدات الخاصة.

كل هذا يخضع لمعايير محددة ومدروسة بدقة، فمدة المهمة ومكانها وزمانها وطريقة التنفيذ تحدد حسب الهدف المراد تحقيقه أولاً، إضافة الى طبيعة المهمة والوضع الأمني السائد في حينه.

 ***********

يتضح جلياً أن المنتمي لقوات المستعربين يتطلب تمتعه بصفات خاصة مميزه، فعلاوة على الصفات الجسمانية كالقوة الجسدية واللياقة العالية وإتقان فنون قتال الشوارع، فإن لون بشرته وملامح وجهه وقسماته هي الأهم.  ذلك أن الركيزة الأساسية لعمل هذه القوات تقوم على الاندماج والانخراط بين العرب والامتزاج بهم والذوبان في ثقافتهم حتى يخاله الناس واحداً منهم ويصدقون الأمر باعتياديةٍ لايثير أي شكوك حوله.

كما يفترض أن يكون متلكماً للغة العربية ومجيداً للكنة أهل المنطقة وملماً بالعادات والتقاليد والأمور البسيطة جداً، فخطأ صغير قد يؤدي الى اكتشافه وفشل المهمة.

بالطبع لو كشف هذا المستعرب من أهل المنطقه فإن حسابه سيكون عسيراً ولن تأخذهم به رحمة أو شفقة، الأمر الذي يجعلهم خائفين على الدوام، حذرين ومتحفزين طول الوقت، ما يعرضهم للعديد من الأمراض النفسية والصدمات وقد يطول بهم الأمر حتى بعد تنفيذ مهامهم وانتهائها وعودتهم الى حياتهم الطبيعية. وقد طالب الكثير من المنتسبين السابقين بتعويضات مادية نتيجة تعرضهم الى ما يسمى “مرحلة ما بعد الصدمة”.

 ***********

في الميدان قد أثبتت الوحدات الخاصة التي تعرف بالمستعربين لدينا و”المستعرفيم” لديهم، فعاليتها وتحقيقها للأهداف المحددة على أكمل وجه. ولقد تأسست وحدات المستعربين في ثلاثينيات القرن الماضي على يد “صاموئيل موريا” المدعو “سامي” وأصبحت تابعة للشرطة الإسرائيلية وقوات حرس الحدود، لتتوسع وتنبثق منها وحدات أخرى مقسمة جغرافياً. فوحدة “شمشون التي أسسها أرئيل شارون تعمل في منطقة قطاع غزة، وحدة “دوفدوفان” التي أسسها إيهود باراك تنفذ عملياتها في منطقة الضفة الغربية. إضافة الى وحدات أخرى تخدم في منطقة الحدود مع مصر، تحديداً في ما يعرف بالنقاط العمياء التي لا يمكن للسلطات الحكومية الإحاطة بكل يجري هناك على بدقة، وغالباً ما تدار فيها كثير من الأعمال الغير مشروعة بعيداً عن أعين الدولة. أيضاً هناك وحدات يمام ووحدة “متسادا” التي تخدم داخل السجون الإسرائيلية.

***********

لم يكف الإسرائيليين عن محاولاتهم لخرق الصف الوطني والتوغل الى عمق الشارع الفلسطيني فبلوروا هذه العملية الفكرية الاستخباراتية المدروسة جيداً؛ والتي ترتكز على الإندماج بين الناس بعفوية ومن ثم الانقضاض عليهم كالوحوش في اللحظات المناسبة لتحقيق أهدافهم من قتل واعتقال وجمع معلومات تخدم أهدافهم.

إنها ميكافيلية الاحتلال التي ما انفك يمارسها بكل ما أوتي من سبل، فالغاية تبرر الوسيلة دائماً!

كاتبة فلسطينية*

@bisanlnab

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر