قمة إنجامينا في تشاد | مركز سمت للدراسات

أوضاع منطقة الساحل الأفريقي في ضوء قمة إنجامينا

التاريخ والوقت : الإثنين, 22 فبراير 2021

انعقدت في إنجامينا عاصمة جمهورية تشاد القمةُ العادية السنوية لدول تجمع الساحل الخمس (G5) في 15 و16 فبراير 2021، بحضور قيادات سياسية من خارج دول التجمع، وبمشاركة الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون عن بُعْد. وقد اعتُبرت هذه القمة محطةً فاصلة في مسار تجمع دول الساحل وفي مقاربات مواجهة حركات التطرف والإرهاب التي هي الخلفية الأساسية لتشكل هذا التجمع.

تتناول هذه الورقة خلفيات هذه القمة ونتائجها في ضوء الأوضاع الحالية في منطقة الساحل.

خلفيات انعقاد قمة دول الساحل

الْتأمت قمة دول تجمع دول الساحل العادية بعد مرور سنة على انعقاد القمة في مدينة بو جنوب غربي فرنسا في 13 يناير 2020، التي جمعت الرئيس الفرنسي وقادة الدول الخمس (مالي وموريتانيا والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد)، وبعد قمة نواكشوط التي جمعت الدول نفسها في 30 يونيو 2020.

وقد انعقدت قمة إنجامينا في سياق ثلاثة محددات جديدة:

الأول، مراجعة فرنسا سياستها العسكرية والاستراتيجية في منطقة الساحل التي انطلقت مع تدخل قواتها في شمال مالي منذ يناير 2013. وإذا كانت قمة بو قد أفضت إلى زيادة فرنسا وحداتها العسكرية بـ 600 عنصر (ليصبح عدد أفراد جنودها 5100 فرد)، فإن الاتجاه الذي برز قبل القمة الأخيرة هو عزم فرنسا تقليص عدد أفراد قوتها المسلحة، واستبدال استراتيجية التدخل السابقة بمقاربة مزدوجة تقوم على إشراك الدول الأوروبية في استراتيجية محاربة الإرهاب، وتأهيل جيوش دول الساحل وتهيئة دول المنطقة لتحمل أعباء المواجهة الميدانية على الأرض.

وفي هذا السياق ظهرت مبادرة إنشاء وحدات التدخل السريع بمشاركة أوروبية موسعة أُطلق عليها تسمية “توكوبا”، وقد عرضت فرنسا على البلدان الأوروبية الإسهام فيها، بيد أن ألمانيا وبريطانيا وإسبانيا رفضت العرض، في حين انضمت إليها عناصر مسلحة من الجيوش الإستونية والتشيكية والسويدية. ولا يزال مشروع “توكوبا” متعثراً رغم كل المحاولات الفرنسية المتكررة لدفعه. أما دول الساحل التي أُوكل إليها تأمين المنطقة الحدودية الثلاثية الحساسة (ما بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو) فلا يبدو أنها أصبحت في وضع يمكّنها من الاستغناء عن الدعم الفرنسي المباشر. وبحسب تقييم الاستخبارات العسكرية الفرنسية، لم تؤدِّ عمليات تصفية العناصر القيادية في التنظيمات الإرهابية المسلحة إلى تقليص الخطر الأمني لهذه التنظيمات، فلا تزال تلك التنظيمات تسيطر على مساحات شاسعة من الأراضي وتنفذ هجمات نوعية، وبحسب إحصاءات رسمية أوْدت العمليات الإرهابية منذ بداية العام الحالي بنحو 29 قتيلاً في صفوف القوات المالية، والأمم المتحدة، والقوات الفرنسية.

الثاني، المحاولات الجارية لتوسيع تحالف دول الساحل إلى الدول المجاورة، وبصفة خاصة دول شمال أفريقيا وغربها ودول خليج غينيا التي من المتوقع أن تصل إليها الموجة الإرهابية. ومع أن فكرة “تحالف الساحل” ظهرت عام 2017 بصفتها مبادرة تنموية لدعم دول الساحل اقتصادياً من خلال مشاريع تمولها الدول الأوروبية وصناديق التمويل العالمية، إلا أنها أصبحت في الآونة الأخيرة مبادرة استراتيجية طموحة لكبح خطر تمدد الإرهاب إلى المناطق المجاورة لإقليم الساحل، بما يتطلب إشراك الدول والمنظومات الإقليمية الفاعلة في استراتيجية مواجهة التطرف الراديكالي من خلال التدخل العسكري والسياسات التنموية الاجتماعية.

الثالث، بروز مبادرات للحوار والتفاوض مع المجموعات المسلحة، وبصفة خاصة في مالي بعد الانقلاب العسكري الأخير في 18 أغسطس 2020. وهكذا أبدت الحكومةُ الانتقالية المالية الحالية عزمَها على التفاوض مع التنظيمَين الأساسيين المرتبطين بالقاعدة (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بقيادة إياد آغ غالي، وكتيبة تحرير ماسينا بقيادة أمادو كوفا). وإذا كانت فرنسا قد أعربت عن خطاب ملتبس بخصوص هذه المبادرة، إلا أن دول المنطقة تباينت مواقفها بوضوح تجاه هذه الخطوة المالية.

نتائج اجتماع إنجامينا

لوحظ غياب الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون عن الاجتماع الذي اكتفى بالمشاركة فيه عن طريق تقنية الفيديو، في حين شاركت شخصياتٌ قيادية من خارج تجمع دول الساحل، مثل: الرئيس السنغالي ماكي صال، ورئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني، والرئيس الغاني نانا أفوكو آدو ممثلاً لدول الإيكواس (المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا)، وموسى فكي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، ونائب رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق محمد حمدان دوغلو (حميتي)، ومعالي الشيخ شخبوط بن نهيان بن مبارك آل نهيان وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي.

ولعل أبرز نتائج القمة هي:

-نُضج فكرة توسيع مجال تحالف الساحل دون أن تُفضي القمة إلى إدخال أي تعديلات على بنية التجمع الخماسي الذي تشكل في قمة نواكشوط (فبراير 2014). وقد ظهر أن قادة المنطقة يرفضون فكرة توسيع التجمع تفادياً للإشكالات التي يطرحها منطق التوازن بين القوى الإقليمية المتنافسة على التحكم في المجال الساحلي، مثل المغرب والجزائر أو السنغال وكوت ديفوار (ساحل العاج). لذا برز اتجاه إلى التمييز بين تجمع دول الساحل وفكرة تحالف الساحل التي هي أساساً مبادرة تنموية مفتوحة لمساهمة الشركاء الخارجيين، وقد نتج عنها خلال قمة إنجامينا تعهد المانحين الدوليين من العرب والأوروبيين أساساً بدعم الجهود التنموية لتجمع الساحل بمبلغ إضافي قدره 3 مليارات يورو.

-تعثُّر سياسة الانسحاب العسكري الفرنسي التدريجي من خلال سد الفراغ عن طريق قوات التدخل الأوروبي وتأهيل جيوش دول الساحل للاضطلاع بتولي المسؤولية الأساسية في استراتيجية الحرب ضد الجماعات المسلحة. ومع أن تشاد أعلنت خلال القمة عزمها إرسال 1200 جندي إلى المنطقة الحدودية الثلاثية، إلا أن فرنسا فضّلت تأجيل سياسة الانسحاب التدريجي، وأكد الرئيس ماكرون خلال القمة أن القاعدة العسكرية في شمال مالي ستبقى على حالها في المدى المنظور، بما يشكل إقراراً صريحاً بعدم جاهزية قوات دول الساحل لتسلم الراية.

-مع أن الرئيس ماكرون كرر في خطابه أمام القمة رفض بلاده أي نقاش مع قيادات التنظيمات الراديكالية المسلحة مردداً اسم إياد آغ غالي وأمادو كوفا، إلا أن المعلومات التي تسربت من الاجتماع أكدت عدم اعتراض فرنسا على تولي وسطاء ماليّين هذه المهمة دون مشاركة فرنسية مباشرة. وقد برزت في الأسابيع الأخيرة مؤشرات على استعداد الجزائر الدخول على هذا الخط من خلال إجراء اتصالات مباشرة بالأطراف المالية، مع العلم أنها تحتفظ بخيوط اتصال مهمة مع إياد آغ غالي وبعض المجموعات المسلحة من قبائل الطوارق.

آفاق الوضع في منطقة الساحل

في ضوء المعطيات الأخيرة ونتائج قمة إنجامينا، يبدو أن السيناريو الأبرز هو استمرار الأزمة الأمنية في منطقة الساحل، مع احتمال تمددها إلى كوت ديفوار وغانا دون القدرة على حسم الصراع الدائر عسكرياً مع الجماعات المسلحة، في الوقت الذي لا يُتوقع فيه أن تُفضي مبادرات التفاوض والتسوية السلمية إلى نتائج حقيقية وإن كان من المحتمل أن تنتج عنها اتفاقيات هدنة ومصالحة مع بعض الفصائل.

ومن المتوقع أن تشرع فرنسا في استراتيجية تقليص وجودها العسكري مع بدايات تشكيل قوات التدخل الأوروبي، لأسباب سياسية واقتصادية داخلية، بما سيعقّد مهمة مواجهة الجماعات المسلحة، في الوقت الذي لا يُتوقع فيه تحسُّن الكفاءة الدفاعية لجيوش منطقة الساحل التي تُجمع التقارير الاستراتيجية الدولية على أنها باستثناء الحالتين التشادية والموريتانية في حالة عجز كلي عن مواجهة الخطر الإرهابي المتنامي.

خلاصة واستنتاجات

-جاء انعقاد قمة دول تجمع الساحل في العاصمة التشادية في 15-16 فبراير 2021، على خلفية عزم فرنسا استبدال استراتيجية التدخل السابقة بمقاربة مزدوجة تقوم على إشراك الدول الأوروبية في استراتيجية محاربة الإرهاب وتأهيل جيوش دول الساحل وتهيئة دول المنطقة لتحمل أعباء المواجهة الميدانية على الأرض.

-نتج عن القمة تعهد المانحين الدوليين بدعم الجهود التنموية لتجمع الساحل بمبلغ إضافي قدره 3 مليارات يورو، وتأجيل سياسة الانسحاب العسكري الفرنسي التدريجي بالرغم من إعلان تشاد عزمها إرسال 1200 جندي إلى المنطقة الحدودية الثلاثية، وعدم اعتراض فرنسا على مهمة الوساطة مع الجماعات المسلحة دون مشاركة فرنسية مباشرة.

-يُرجَّح استمرار الأزمة الأمنية في منطقة الساحل، مع احتمال تمددها إلى كوت ديفوار وغانا دون القدرة على حسم الصراع الدائر عسكرياً مع الجماعات المسلحة، في الوقت الذي لا يُتوقع فيه أن تُفضي مبادرات التفاوض معها إلى نتائج حقيقية وإن كان من المحتمل أن تنتج عنها اتفاقيات هدنة مع بعض الفصائل.

-من المتوقع أن تشرع فرنسا في استراتيجية تقليص وجودها العسكري مع بدايات تشكيل قوات التدخل الأوروبي، في الوقت الذي لا يُتوقع تحسُّن الكفاءة الدفاعية لجيوش منطقة الساحل.

المصدر: مركز الإمارات للسياسات

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر