أهم أنصار “بريكست” ليس بوريس جونسون

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 20 أغسطس 2019

تيريزا رافيل

 

يعتبر دومينيك كامينغز ظاهرة سياسية مثيرة للفضول، فرغم أنه غير منتخب ودون مقعد على طاولة مجلس الوزراء، فإنه يعتبر المستشار الأهم لرئيس وزراء المملكة المتحدة، بوريس جونسون. وباعتباره شخصية محورية في الإعلانات الرقمية المستهدفة، من المنتظر أن يلعب دوراً محورياً في أي انتخابات مبكرة أو استفتاء ثانٍ حول «بريكست».ومن الممكن أن تثبت الأيام أن الشراكة بين جونسون وكامينغز مجرد دواء مريح مؤقت. من ناحيته، يرغب جونسون في الاستعانة بشخص خبير لتنفيذ تعهده بإنجاز «بريكست» في 31 أكتوبر (تشرين الأول) والفوز بالانتخابات. إلا أن هذه الشراكة قد تتجاوز «بريكست». وفي قلب الحكومة الجديدة، يقف رجلان طموحان لديهما حس تاريخي قوي، وربما يرى البعض في ذلك نزوعاً نحو الإقدام على خوض مراهنات كبرى.

وبالنسبة لكامينغز، فإن «بريكست» يعتبر وسيلة تؤدي لغاية أكبر: إجراء إصلاح كامل لجهاز الحكومة. ربما بدأ هذا الأمر منذ فترة طويلة، لكن مارغريت ثاتشر، أيقونة اليمين البريطاني، لم تمضِ قدماً لما يكفي من وجهة نظرك كامينغز. ويرى كامينغز أن ثاتشر تحاشت إصلاح الخدمة المدنية التي يرى كامينغز أنها تثير الجنون. ويرغب كامينغز في إنجاز المهمة التي بدأها بإطلاق التصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي. وإذا بقي كامينغز لما وراء «بريكست»، سيتعين عليه إثبات أن أفكاره ليست مجرد رؤية يوتوبية.

وهنا تكمن معضلة: ربما فتحت حالة الاضطراب السياسي التي سببها «بريكست» الباب أمام التغيير، لكن الفوضى التي قد يثيرها إنجاز «بريكست» دونما اتفاق قد تجعل أي إصلاحات يسعى وراءها كامينغز مستحيلة التحقيق.ولا ينبغي الخلط بين كامينغز وأنصار الانفصال عن الاتحاد الأوروبي دونما اتفاق، فمن وجهة نظر هذا المعسكر يشكل الانفصال عن الاتحاد الأوروبي ضرورة آيديولوجية في حد ذاته، لكن هذا الأمر لا ينطبق على كامينغز. في الواقع، لقد تمادى كامينغز عام 2017 عبر «تويتر» بقوله إن الاستفتاء الذي أجري حول «بريكست» ربما كان خطأ.

ورغم أن غالبية المستشارين السياسيين يعملون خلف الكواليس، تتركز الأضواء باستمرار على كامينغز في بلد يعشق كل ما هو غريب. ومن خلال كتاباته الغزيرة، يتناول كامينغز مجموعة واسعة النطاق من الشخصيات التاريخية والرياضيين والعلماء الذين أثروا على فكره. وتعكس فلسفته السياسية تأثراً واضحاً بآراء أوتو فون بسمارك ومصمم الواجهات بريت فيكتور، والطبيب وعالم الحاسبات الآلية مايكل نيلسن والشاعر والأديب تي. إس. إليوت وغيرهم كثيرون.ومن المهم للغاية هنا الالتفات إلى تأثير أفكار بسمارك الذي لقب بمستشار «الدم والحديد» والذي كان مرتاباً تجاه الديمقراطية. أيضاً، وجه كامينغز إشادة خاصة إلى الحزب الشيوعي الصيني وذلك: «أساليب إدارة مجربة لدمج مبادئ العمل الفاعل من أجل إدارة أنظمة معقدة بالغة الضخامة».

وقد يجد كوادر الخدمة المدنية رؤية كامينغز لهم مثيرة للقلق. على سبيل المثال، وصفهم كامينغز على النحو التالي: «المؤسسات الحيوية (بما في ذلك المستويات الرفيعة في الخدمة المدنية والأحزاب) مبرمجة للنضال كي تبقى في حالة اختلال وظيفي، وهي تحارب كي تبقى منغلقة وتتجنب المعرفة عن الأداء المرتفع، وتحارب كذلك كي تقصي الأفراد الأكثر كفاءة».

وتعكس كتابات كامينغز امتلاكه آراءً قوية بخصوص إصلاح التعليم (كتب ذات مرة منشوراً مثيراً للجدل بقوله إن صانعي السياسات يتجاهلون دور الجينات في الإنجاز والتحصيل)، والهجرة (لا يروق له المهاجرون أصحاب المهارات المنخفضة)، والدعم الزراعي الأوروبي (يعتقد أنه سخيف، رغم أن المزرعة التي يشارك في ملكيتها تستفيد من مثل هذا الدعم بدرجة كبيرة).

في الوقت ذاته، لا نعرف الكثير عن السياسة المالية الصائبة من وجهة نظر كامينغز في ظل بيئة تتسم بالركود ومعدلات فائدة شديدة الانخفاض. ولم يذكر ما إذا كان يؤدي الاستعانة بقواعد تنظيمية على غرار القواعد الأميركية في صياغة الاتفاقات التجارية، بديلاً عن قواعد الاتحاد الأوروبي، أم لا.على ما يبدو، تحمل تفاصيل السياسات أهمية أقل من وجهة نظر كامينغز عن المشكلات المتعلقة بالتصميم ومنظومات صنع القرار الفاعلة داخل الحكومة. ويبدي كامينغز إعجاباً شديداً بما يعرف باسم «حلقة أودا»؛ دورة لصنع القرار طورها المفكر الاستراتيجي العسكري والطيار المقاتل السابق بالقوات الجوية، جون بويد. وتدور الحلقة حول أربع مراحل؛ الملاحظة والتكيف والقرار والتصرف.

إلا أن تنفيذ مراحل «حلقة أودا» بنجاح يستلزم إدراكاً واضحاً للبقع العمياء أمام المرء، أي النقاط التي يجهلها – أمر يبدو أحياناً أن كامينغز يفتقر إليه. على سبيل المثال، خلال الفترة التي كان خلالها نشطاً عبر مدونته، كان يجيب من وقت لآخر عن تساؤلات القراء، لكن عندما طرح عليه قراء أسئلة حول ما إذا كانت وجهات نظره تعكس أفكاراً يوتوبية، وطلب بعضهم منه ذكر أمثال محددة على التغييرات التي يرغب في إجرائها داخل الحكومة، امتنع كامينغز عن الرد.

وبعد اتهامه بازدراء البرلمان في وقت سابق من العام، يبدو كامينغز عاقداً العزم على تقويض موقف المشرعين المنتخبين من خلال إقناع رئيسه بتجاهل التقاليد الدستورية عبر السعي وراء الانفصال عن الاتحاد الأوروبي دونما اتفاق.

في المقابل، يصوره خصومه باعتباره شخصاً منافقاً يفرط في تقدير أهميته الذاتية وأقرب إلى العباقرة المجانين عن السياسيين الواقعيين. يذكر أنه في أعقاب اتهام المحامي العام السابق والمشرع المناهض لـ«بريكست»، دومينيك غريف، لكامينغز بأنه متغطرس ولا يعي الدستور البريطاني، رد الأخير بنبرة ساخرة: «سنرى ما الذي أصاب بشأنه».

ومع هذا، فإن الحقيقة أنه في الوقت الراهن تظل ثقة جونسون القوة السحرية التي تمنح أفكار كامينغز أجنحة لتطير بها. وإذا نجح كامينغز في إنجاز «بريكست» والفوز في انتخابات، فإن هذا دونما شك سيرفعه لمرتبة الأبطال داخل معسكر أنصار «بريكست». وتشير تقارير إلى أنه أرجأ الخضوع لجراحة كي يتمكن من الانضمام للحكومة حتى نهاية أكتوبر، وعليه لا أحد يدري إلى متى سيظل بالجوار.

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر