أميركا.. حرب أفكار أشعلت الهوية الحزبية وأججت الشعوبية

التاريخ والوقت : الخميس, 24 أغسطس 2017

عساف المسعود

تمهيد
سوف نتناول في هذه القراءة الأحداث في كلِّ من البيت والأبيض، وما يحصل من توتر واحتدام في الشارع الأميركي وانقسامه بين اليمين واليسار (الديمقراطيين والجمهوريين)، إذ بدا واضحًا أن هذا الانقسام في طريقه للتصاعد؛ مما يثبت في المقابل، تصاعد الهوية الحزبية، في الفضاء العام الأميركي، الذي في الغالب تكون نتاج الاصطفافات الحزبية في المجال الخاص المتمثل في مؤسسات الدولة

أزمة التعددية الأميركية
تعدد الفلسفات السياسية والأخلاقية والاقتصادية في أميركا، ميزة استثمر فيها المؤسسون الأوائل بشكل جيد، مما مهَّد لأميركا أن تصبح القوة الأولى في عالم اليوم. وهنا نقطة يجدر التنويه بها، وهو أن هذا التعدد لم يستمر على مستوى واحد، بل تخلله فجوات تراكمت فيها عدة إشكاليات، أكثرها وضوحًا – اليوم – هي أن الفلسفة الرأسمالية الأميركية تمر بمنعطف حاد ظهرت معها الفروقات الطبقية التي اتضحت في هذه الألفية في عام 2009، أو ما يسمى بــ(الركود الكبير)، إضافة إلى فجوات أخرى ثقافية وإثنية تزايد معها الطرح الشعبوي، وهذا ما خلق أزمة في الشارع الأميركي، حيث لا يخلو المشهد الأميركي من مظاهرات تدين العنصرية ضد السود والملونين والمهاجرين، وهذا ما شهدته الأيام السابقة في ولاية فرجينا، بل إن المرحلة التي تمر بها أميركا – اليوم – تعبر عن البيئة المثالية لصعود دونالد ترمب لسدة الرئاسة. في المقابل أيضًا، اتسعت الفجوة بين كل من الديموقراطيين والجمهوريين، مما جعل البيت الأبيض والكونغرس والاستخبارات المركزية في حالة انقسام إيديولوجي، بل وتعارض مصالح في أوقات أخرى.

ففي الأيام الخيرة، بدأت تتصاعد (الشعوبية) Populism في الشارع الأميركي، بل قد نلحظ أن هذا الصوت أخذ شكلًا عالميًا في الآونة الأخيرة. فالشارع الأميركي بدأ يتردد على مسامعه مسميات كـ(القوميين البيض)، و(النازيين الجدد)، و(أنتفيا)، وهذا المسميات بتركيبتها التاريخية والاجتماعية، تعبر عن أزمة الشارع الأميركي. ومن هنا، وقعت حادثة فرجينيا في الثاني عشر من شهر أغسطس لعام 2017 م. فقد تظاهرت جماعات اليمين المتطرف (القوميون البيض) وغيرها في – شارلوتسفيل – احتجاجًا على قرار إسقاط تمثال الكونفدرالية الجنرال (روبرت أي لي)، وقد واجهت في المقابل مظاهرات مضادة من الحركات المضادة للفاشية بالأخص حركة Antifa (أنتفيا)، وهي حركة سياسية متشددة من اليسار المتطرف. وعادة ما تكون هذه الجماعات، مناهضة للحكومة وللرأسمالية، ومنهجياتها وتكتيكاتها، أكثر عنفًا وفوضوية من تلك التي تمارسها الجماعات المرتبطة في أقصى اليسار(1) مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف “الجماعات اليمنية”.
لكن: من هو الجنرال (روبرت أي لي) لتحدث كل هذا الصدامات من أجله؟!
هو الجنرال روبرت إي لي، المولود في عام 1807، جنرال أميركي قاد الجيش الكونفدرالي في ولاية فرجينيا الشمالية. وقد تزوج واحدة من أغنى الأسر التي تملك العبيد في فيرجينيا، وكان يواجه مقاومة من العبيد الذين كانوا يأملون في الإفراج عنهم، وأصبح معروفًا بموقفه الوحشي تجاه معاملة أولئك الذين حاولوا الفرار.(2)

هذه الأحداث تدعونا إلى بحث حالة العنف السياسي في الولايات المتحدة، أي ما يسمى بـ(الإرهاب)، خصوصًا من الأطراف اليمينية واليسارية المتطرفة. وفي هذا الصدد صدر عن معهد كاتو، وهو منظمة أبحاث السياسة العامة، ومركز فكر مُكرَّس لمبادئ الحرية الفردية، والحكومة المحدودة، والأسواق الحرة والسلام، مقره واشنطن؛ رصد عن ضحايا الإرهاب اليساري واليميني في الفترة ما بين عام 1992 حتى 12 أغسطس 2017، وكان ذلك الرصد استنادًا إلى قاعدة بيانات الإرهاب العالمي في جامعة ميريلاند، وجاء كالتالي:
قتل الإرهابيون 3442 شخصًا على أرض الولايات المتحدة من عام 1992 حتى 12 أغسطس 2017. ويعدُّ الإرهابيون من القوميين الأبيض في اليمين، ثاني أكبر مجموعة دموية من الإرهابيين في الولايات المتحدة من حيث الأيديولوجية، ويمثلون 219 جريمة قتل، و 6.6 في المئة من جميع الوفيات الإرهابية. وتجدر الإشارة إلى أن تفجير مدينة أوكلاهوما عام 1995، هو ثاني أعنف هجوم إرهابي في تاريخ الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر، إذ أسفر عن مصرع 168 شخصًا، وشكل 77 في المئة من جرائم القتل التي ارتكبها إرهابيون من الجناح الوطني اليميني.

أما الجناح الأيسر، أو اليساري، فقد قتل 23 شخصًا في هجمات إرهابية خلال هذه الفترة، 13 شخصًا منهم منذ بداية عام 2016. وقتل اليساريون من الجناح اليميني، 5 أشخاص فقط منذ ذلك الحين، ومنهم ضحايا شارلوتسفيل.(3)

لكن: ما هو موقف ترمب من حادثة شارلوتسفيل ؟
لقد كان لترمب موقف متوازن، إذ قال في مؤتمر صحفي، إن الجانبين يستحقان اللوم على العنف، وقد حمل هذا التصريح كلا الطرفين على الغضب والخروج بتفسيرات متحيزة؛ مما جعل كثيرًا من المهتمين بالشأن الأميركي، يتحدثون عن مسألة القيادة الأخلاقية moral leadership، وأن التعامل مع هذه الأحداث يحتاج إلى هذا النوع من القيادة.

وفي هذه الحادثة، كان هناك تعليق للبروفسور، نعومي تشومسكي، الذي آثار تحفظ اليسار الليبرالي وأزعجهم، بالرغم من أنه يعتبر أحد منظري هذا التيار في العالم، وأهم المعادين لليمين والسياسات الأميركية، وذلك بعد أن أجرت صحيفة Washington Examiner لقاء معه، إذ قال: “إن ما فعلته الجماعات اليسارية في فرجينيا خاطئ من حيث المبدأ”(4)، بل إنه ذهب إلى القول بأن ما فعلته جماعات اليسار هدية كبيرة لليمين.(5)

وقال مارك لانس، أستاذ العدالة والسلام في جامعة جورج تاون، إن ارتفاع حركة أنتيفا، هو استجابة واضحة لتنظيم فاشي أكثر انفتاحًا، وأن المناقشات الناتجة عن هذه الأزمة بين الفاشيين وغيرهم على اليسار – هذه الأيام – أكثر من أي وقت مضى في حياتي.(6)

البيت الأبيض
تتسع دائرة مغادري البيت الأبيض من إدارة الرئيس ترمب، وهذا يعود إلى كثير من التوترات الداخلية. ولمحاولة فهم مجريات الأحداث في البيت الأبيض، سنتتبع تسلسل الأحداث الظاهرة في مؤسسات الإعلام الأميركي التي يجد الباحث نفسه أمامها، عند تفاصيل خارج دائرة النقد السياسي، بل نرجسية سياسية مزمنة؛ كون هذه المؤسسة تعتبر نفسها إحدى أهم المؤسسات الأميركية، وهذا ما وجدناه عند الكاتب الفرنسي، ريجيس دوبريه، في كتابه (نقد العقل السياسي)، إذ قال: “أشد المفكرين وعيًا يخيبون دائمًا أمام الأيديولوجية ويخيبوننا معهم. لكن: لِمَ؟ الجواب: بفعل غياب الحل الاستمراري النظري فيما يتعلق بالمضمون”.(7) وهذا ما يحدث مع أيديولوجيا اليسار الليبرالي في الإعلام الأميركي والبريطاني والكندي اليوم؛ فقد خرج مستوى النقد من منطقة السياسية إلى الكوميديا، ومع ذلك لا يزال يوجد في المقابل دوائر بحث في الداخل الأميركي وخارجه لديها قراءات أكثر مضمونية، ورصانة من الوضع الراهن.

وانطلاقًا مما سبق، نستعرض الحدث الأهم في البيت الأبيض، وهو الصراع الداخلي بين موظفي البيت الأبيض وفوضى التسريبات.

هذا الصراع الذي بدأ مع أول يوم من دخول الرئيس ترمب للبيت الأبيض، وبدأ يتفاقم عندما قام مدير الاتصالات في البيت الأبيض، أنطوني سكاراموتشي، بالهجوم على رينس بريبوس، مستخدمًا لغة جارحة، ووصفه بأنه مريض بـ”الشك والفصام”. وكان ذلك التهجم، اتهامًا خطيرًا بعد تسريب معلومات من البيت الأبيض.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة التليجراف عن خلفية سكاراموتشي، فإن هذا الرجل بدأ العمل على شاشة التلفزيون في عرض أسبوعي اسمه “أسبوع وول ستريت”. وفي عام 2008، عمل في جمع التبرعات للرئيس المقبل باراك أوباما والديمقراطيين. ولكن، بين انتخابات 2008 و 2012، انتقد سياسة أوباما في “وول ستريت”. بعد ذلك، وقع عليه الاختيار في 21 يوليو 2017 بأن يكون مدير الاتصال في البيت الأبيض وذلك لتجربته في الإدارة المالية للحملات الانتخابات، وكونه يملك شركة إدارة ثروات.(8)

ولا ننسى قبل ذلك، إقالة رينيس بريبوس، رئيس طاقم البيت الأبيض، وتعيين جون كيلي. وكان رينيس بيروس أحد أعضاء الحزب الجمهوري، وكغيره من الأعضاء لم يلقِ لدونالد ترمب بالاً عند بداية الانتخابات وترشحه لها؛ بل إنه كان من ضمن منتقديه، وذلك بعد انتقاد ترمب لعائلة لخيزر خان، التي قتل ابنها في العراق وهو جندي في الجيش الأميركي، بل إنه حثَّ ترمب على الخروج من سباق الانتخابات، لكن علنًا لعب دور الجندي الجيد عندما فاز ترمب في ولاية إنديانا في الجولة الأولى.(9)

وآخر أحداث البيت الأبيض حتى هذا الحين، هو إقالة ستيف بانون، كبير الاستراتيجيين، إذ قال للصحيفة اليمينية Weekly Standard “إن رئاسة ترمب التي قاتلنا من أجلها وانتصرت قد انتهت”. وقال “ستكون هناك كل أنواع المعارك، وستكون هناك أيام جيدة وأيام سيئة، ولكن هذه الرئاسة قد انتهت”.(10)

ملخص
تطورات المشهد الأميركي ما زالت مستمرة، وقد تختلف أي استنتاجات في هذه القراءة نتيجة لذلك. وبناء على ما سبق، فإننا نخلص إلى أن السياسية الأميركية الحالية بقيادة ترمب تمر بمرحلة حرجة لا نستطيع أن نؤكد استمراريتها، أو تجاوزها، في ظل خلو الأحداث من مؤشرات أكثر وضوحًا. إضافة إلى أن صراع القوى السياسية بين الأحزاب وداخل الحزب الواحد في مستوى عالٍ، وصلت إرهاصاته إلى الشارع، ونمت معه نزعات متطرفة من اليمين واليسار؛ مما أدى إلى وجود ظاهرة العنف السياسي (الإرهاب).
أما البيت الأبيض، فيمكن القول بأنه يمر بمرحلة إعادة ترتيب أو تصحيح، وذلك بدءًا من مشكلة التسريبات، ثم إقالة مدير الاتصالات الذي قد يكون بسبب صلته بالديموقراطيين، بعد ذلك إقالة ستيف بانون اليميني المتطرف، وهذا بوجه عام، مؤشر إيجابي في ظل الاحتدام الأيديولوجي في الشارع الأميركي، ولكن تكمن الخطورة في استمرار هذا الوضع المتوتر في البيت الأبيض، وانتقال هذا التوتر لوزارة العدل الأميركية، والمكتب الفيدرالي، أو المخابرات المركزية؛ مما سيوسع دائرة الأزمة.

في الختام: الرئيس ترمب في سباق وصراع مع الآلة الإعلامية من جهة، وترتيب البيت السياسي الحالي من جهة أخرى. كما أن الأزمة الذي يمر بها ترمب مختلفة في إطارها العام عن بقية الأزمات التي واجهها رؤساء سابقون، مثل: ريغن، أو بوش؛ لذا لا يمكن أن نستخلص من تجاربهم الكثير في هذه المرحلة، لكن يمكن أن نضع عنوانًا لهذه المرحلة، وهي: (حرب الأفكار War of ideas).

المراجع :

[1] BBC / Antifa: Left-wing militants on the rise / by Brenna Cammeron at : http://soo.gd/FpHf
[2] The sun / TRADING BARBS Where is Charlottesville, what happened during the riots and what has Donald Trump said ? / at : http://soo.gd/rwET
[3] TheCato Institute / Terrorism Deaths by Ideology: Is Charlottesville an Anomaly? / by ALEX NOWRASTEH / at : http://cutt.us/YNY8u
[4] Examiner Noam Chomsky: Antifa is a ‘major gift to the Right Washington /at : http://soo.gd/3Hec /
[5] independent/ Noam Chomsky: Antifa is a ‘major gift to the right /at : http://soo.gd/HLos
[6] The same reference number5.
[7] ريجيس دوبريه، كتاب: نقد العقل السياسي، صفحة 157.
[8] Telegraph / Who is Anthony Scaramucci, the ousted White House communications director who saw off Reince Priebus? By Harriet Alexander, 1 August 2017 at: http://cutt.us/DnChq
[9] The Atlantic / The Final Humiliation of Reince Priebus / at : http://soo.gd/BPzY
[10] weeklystandard / Bannon: ‘The Trump Presidency That We Fought For, and Won, Is Over / at: http://cutt.us/3YWep

كاتب وباحث أكاديمي سعودي*

@AlmsaudAssaf

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر