ألمانيا وتركيا.. تدهور تاريخي ومستقبل مظلم

التاريخ والوقت : الأحد, 30 يوليو 2017

 

بلغ التوتر بين ألمانيا وتركيا مستوى غير مسبوق، نتيجة اعتقال نشطاء حقوقيين بينهم ألماني، ليرتفع عدد الألمان في السجون التركية بتهم الإرهاب إلى 22 شخصًا، ما دفع برلين إلى الإعلان عن “توجه جديد” في سياستها تجاه أنقرة.

في الثالث والعشرين من يوليو الجاري، صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بعدم أحقية ألمانيا في التدخل في شؤون بلاده، مشيرًا في نفس الوقت إلى كون ألمانيا “شريكة استراتيجية” مهمة لبلاده.
وجاء حديث أردوغان قبل انطلاق رحلته إلى الرياض، تعقيبًا على إعلان برلين عن إعادة توجيه سياستها إزاء تركيا، واتخاذ إجراءات لفرض عقوبات اقتصادية على شريكتها التاريخية.
وكان قد أعلن الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، في حديث تلفزيوني لشبكة “زي دي إف”، أن ألمانيا لا يمكنها السكوت عما يحدث في تركيا.
وتشير اللغة السائدة في الحرب الكلامية الدائرة بين ممثلي البلدين، إلى تدهور العلاقات بشكل قد لا يستطيع كلاهما السيطرة عليه، وربما يصل مبدئيًا إلى لجوء ألمانيا إلى اتخاذ إجراءات لتوقيع عقوبات اقتصادية للضغط على أنقرة.
ومن أبرز ما تشمله هذه الإجراءات، إعادة النظر في الضمانات والقروض والمساعدات التي تقدمها الحكومة الألمانية، أو الاتحاد الأوروبي إلى تركيا، من قبيل التمهيد لضمها إلى الاتحاد.
وكذلك هددت ألمانيا بوقف استثماراتها في تركيا، مما آثار قلق المسؤولين الأتراك الذين سارعوا بنفي ما أوردته تقارير إعلامية تحدثت عن ضلوع 68 شركة ألمانية بدعم الإرهاب.
وأردوغان نفسه أكد عدم وجود أي اتهامات حقيقية لشركات ألمانية في بلاده، وأن ما تم نشره كذب، ولكنه اتهم ألمانيا بتقديم ملاذ آمن لإرهابيين أتراك مطلوبين أمام القضاء التركي.

أثر العلاقات التركية الأوروبية على الصديقة التاريخية لأنقرة
السجال الألماني مع تركيا ليس الوحيد، إذ تتعرض تركيا للعديد من الصراعات والانتقادات بشكل عام مع العديد من دول أوروبا، ترتبط بشكل عام بشدة الرفض الأوروبي لتركيا.
وسبق أن تعرضت تركيا لسجالات دعائية علنية، وتصريحات عدائية مباشرة، من عدة دول أبرزها ألمانيا، وهولندا، وبلغاريا، وبولندا، والمجر، والنمسا، والدنمارك، وبلجيكا، وغيرها، وجميعها منعت عقد لقاءات لوزراء أتراك مع الجاليات التركية في هذه البلدان، وكذلك حظرت جميع التجمعات الجماهيرية للأتراك بشتى بقاع أوروبا، وكذلك ألغت بعض البلدان زيارات رسمية مع الجانب التركي، وجاء ذلك على خلفية اتهامها لأنقرة باتخاذ إجراءات وسياسات جديدة تتنافى مع قيم أوروبا، خاصة الاستفتاء الدستوري الأخير الذي أعطى صلاحيات جديدة للرئيس للتركي.
وسبق للرئيس أردوغان أن شن هجومًا ضاريًا ضد زعماء أوروبا وبلادهم، ومن بعده عدد من المسؤولين والساسة الأتراك، بهدف التوجه إلى بدء معركة البحث عن “الكبرياء التركي” في مواجهة “القوى الاستعمارية” التي تسببت في سقوط الإمبراطورية العثمانية سابقًا، وتتصدى للنهضة الاقتصادية التركية حاليًا.
وصل الهجوم التركي إلى حد وصف المستشارة الألمانية ميركل بـ”أنثى هتلر” مرة، وبـ”الخالة القبيحة” مرة أخرى. وفي خضم هذه المعركة الدائرة، اتهم أردوغان السلطات الهولندية بالضلوع في “مجزرة سيريبرينتسا” وقتل أكثر من 8 آلاف من البوسنيين عام 1995، مستنكرًا الفكر العنصري الذي يسود الشارع الأوروبي، وذهب إلى حد دعوة الأتراك في البلدان الأوروبية، لإنجاب ما لا يقل عن 5 أبناء من أجل التحكم في مستقبل أوروبا.

علاقة خاصة 
وبالعودة إلى العلاقة الثنائية بين أكبر دول الاتحاد الأوروبي سكانا وتركيا التي تفوق باقي دول الاتحاد الأوروبي في عدد السكان عدا ألمانيا، نجد أن المحاولة الانقلابية الفاشلة التي وقعت في تركيا العام الماضي، تسببت بشكل ما، في تدهور العلاقات الألمانية التركية على نحو غير مسبوق، وزادت في مؤشرات حقيقية في العلاقات بين البلدين. ففي عام 2016 حاول أردوغان ممارسة التأثير على حرية الرأي في ألمانيا عندما شعر بأنه مستهدف من خلال قصيدة الفنان الألماني الساخر (يان بو مرمان).
كما أنه عندما اعترف البرلمان الألماني، في الثاني من حزيران/ يونيو2016، بالقتل الجماعي بحق الأرمن في 1915/1916 كمذبحة جماعية، انتاب الغضب الحكومة التركية التي منعت نوابًا برلمانيين ألمانًا من زيارة القاعدة الجوية (إنجرليك) التركية، ثم وقعت المحاولة الانقلابية، التي بسببها تم إلقاء القبض على أكثر من 100 ألف موظف حكومي من دون حصولهم على تعويضات. واعتبر أردوغان انتقادات الحكومة الألمانية، ومنظمات حقوق الإنسان، والاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، لهذا الوضع دعاية إرهابية. كما وصف الدول التي منحت حق اللجوء، بعد اتهامات التعذيب في السجون التركية لموظفين أتراك، بأنها داعمة للإرهاب.
وكانت ألمانيا قد منحت اللجوء لأكثر من 400 موظف تركي، من بينهم دبلوماسيون، وجنود، وقضاة، وموظفون حكوميون، تتهمهم أنقرة بالوقوف وراء محاولة الانقلاب.

الصحفيون معتقلون
تأتي أزمة حرية الصحافة في تركيا على رأس أسباب تدهور العلاقات مع ألمانيا، حيث ارتفع عدد الصحفيين المعتقلين منذ 2016، إلى أكثر من 150صحفيًا، بينهم الصحفي الألماني التركي دينس يوجيل، الذي اعتقل في فبراير 2017، في إسطنبول بسب نشر الرسائل الإلكترونية لوزير الطاقة التركي (وصهر أردوغان) بيرات البيراق، وكذلك تم اعتقال عشرة ألمان معهم.

ألمانيا تمنع انعقاد مؤتمرات تركية على أراضيها
منعت السلطات الألمانية، الساسة الأتراك من إلقاء خطب في ألمانيا، وحدث ذلك في أثناء ظهور بعض الوزراء الأتراك أمام الجمهور في ألمانيا خلال الدعوة للاستفتاء الأخير، وهو ما تم رفضه لأسباب أمنية، ما دفع أردوغان إلى اتهام الحكومة الألمانية بممارسة (أساليب نازية)، ورفضت ميركل هذا الاتهام، وقالت إن هذا النوع من المقارنات بين جمهورية ألمانيا الاتحادية والنظام النازي يجب أن يتوقف. حتى رغبة أردوغان في التحدث إلى الجمهور التركي قبل قمة مجموعة العشرين في هامبورغ أو بعدها، لم يتحقق. وجاء تعليل هذا القرار بعدم توفر عدد كاف من رجال الشرطة لضمان الأمن، بجانب أن هذا الظهور لا يتناسب مع المشهد السياسي في ألمانيا لرفض ظهور أردوغان.

لماذا كانت ألمانيا وتركيا تحافظان على علاقتهما سويًا؟
تميزت العلاقات الألمانية التركية بروابط ومصالح مشتركة طوال السنوات الماضية، كانت خلالها – ولا تزال – ألمانيا الشريك الأفضل تجاريًا واقتصاديًا لتركيا داخل الاتحاد الأوروبي، إذ تضاعف معدل التبادل التجاري بين الدولتين خلال العشر السنوات الأولى في القرن الجاري. ومنذ عام 2007، شكلت نسبة الصادرات التركية إلى ألمانيا تقريبًا14% من نسبة الصادرات التركية الإجمالية، في حين تشكل نسبه الصادرات الألمانية إلى تركيا 17% من إجمالي الصادرات الألمانية.
وارتفعت نسبة التبادل التجاري بين ألمانيا وتركيا خلال عام 2007 إلى 4% بالمقارنة بالأعوام السابقة، ووصل ثمن البضائع الألمانية المصدرة إلى تركيا إلى 31 مليارًا و900 مليون يورو، ووصلت أرباح البضائع التركية المصدرة إلى ألمانيا إلى مليار يورو. كما توجد 1100 شركه ألمانية تعمل في تركيا، ويزور تركيا 3 ملايين سائح ألماني سنويًا، ويعيش3 ملايين تركي قي ألمانيا، أصبح 600 ألف منهم ألمانيًا.

تعد تركيا إحدى أكثر الوجهات السياحية المحببة للألمان، وتتضمن الإجراءات الجديدة، تشديد تعليمات السفر لتركيا، ومطالبة المواطنين الألمان بتوخي الحذر. لكن مثل هذه التعليمات لا تمثل أقسى إجراء دبلوماسي يمكن أن تتخذه ألمانيا، التي من الممكن أن تصدر تحذيرًا من السفر إلى تركيا.
كما تتمتع تركيا بأهمية خاصة كنقطة وصل بين أوروبا وآسيا، علاوة على أهميتها الاستراتيجية كجارة لليونان وبلغاريا من ناحية، وسوريا والعراق وإيران من ناحية أخرى، أي أنها تقع على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وفي الوقت نفسه جارة للمناطق المشتعلة في الشرق الأوسط.
ثم إن اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد تركيا، من الممكن أن يؤثر على التواصل مع الألمان المحتجزين هناك وعددهم تسعة أشخاص.

كما يرجع انضمام تركيا لحلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى عام 1952، إذ يعد الجيش التركي من أكبر جيوش العالم، ويبلغ قوامه نحو 640 ألف جندي وموظف، وبالتالي له أهمية في التصدي لتنظيم الدولة الإسلامية المعروف إعلاميا بتنظيم (داعش).

وخلال الشهر الماضي أقر البرلمان الألماني، سحب الجنود الألمان من قاعدة (إنجرليك)، ونقلهم إلى الأردن خلال شهر أكتوبر القادم، بعد منع تركيا نوابًا ألمانًا من زيارة القاعدة، وهو ما أزعج برلين بشدة، غير أنه في الوقت نفسه ما زال جنود ألمانيا يتمركزون في قاعدة تابعة للناتو في تركيا.
وكذلك مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي التي بدأت عام 2005، وجُمِّدت في خريف عام 2016. ورغم أن انضمام تركيا للاتحاد مسألة غير مطروحة في الوقت الراهن، فإنه في حال انضمامها، فستكون ثاني الأعضاء من حيث عدد السكان.

ثقل سياسي جديد أضيف إلى تركيا بعد الاتفاقية الخاصة باللاجئين مع الاتحاد الأوروبي. ووفقًا لأنقرة، فإن تركيا استقبلت نحو 2,7 مليون لاجئ منذ بداية الأزمة السورية، وتهدد تركيا بين الحين والآخر بوقف التعاون مع الاتحاد الأوروبي، وهو أمر لا يصب في صالح ألمانيا، ولا ترغب المستشارة ميركل في حدوثه.

سيناريوهات مستقبل العلاقات بين ألمانيا وتركيا
من المتوقع أن سبل الصلح بين أنقرة وتركيا، لن تجد من يدعمها جديًا من داخل الدولتين في القريب؛ لذا قد تأخذ الأزمة منحى أكثر تدهورًا على الأقل من الناحية الاقتصادية والاستثمارية، وتركيا هي الخاسر الأكبر في هذه الحالة، نظرًا لأن ألمانيا لن تتنازل عن فرض العقوبات للضغط على السلطات التركية مقابل الإفراج عن مواطنيها المعتقلين بالسجون التركية.
وحتى هذه اللحظة لا توجد مؤشرات حقيقية، تشير إلى عودة العلاقات بين البلدين إلى طبيعتها التاريخية رغم جدواها بالنسبة للطرفين، في حين قد يحدث ذلك في وقت آخر، إن تمت تسويات ترضي الألمان.

أما بالنسبة لمسألة انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، فقد تكون مستبعدة حاليًا، إن لم تكن مستحيلة في ظل قيادة أردوغان واستمرار تركيا في سياستها الحالية الداخلية والخارجية.

وحدة الدراسات السياسية*

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر