مركز سمت للدراسات أسباب قلق الأطراف الإقليمية والدولية من المغامرات التركية في منطقة الساحل | مركز سمت للدراسات

أسباب قلق الأطراف الإقليمية والدولية من المغامرات التركية في منطقة الساحل

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 31 أغسطس 2021

سلَّطَت هانا أرمسترونج؛ محللة استشارية رفيعة المستوى متخصصة في منطقة الساحل، في مقالٍ نشرته مؤخرًا على موقع “مجموعة الأزمات الدولية”، الضوءَ على أنشطة تركيا في منطقة الساحل الإفريقي، ولماذا تراقب الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية هذه التحركات بعين الشك والريبة.

فمنذ عام 2005، وضعت أنقرة إفريقيا نصب عينيها، واعتبرتها منطقة مهمة واستراتيجية، ومن ثم تعمل على إقامة العلاقات السياسية والاقتصادية وتوطيدها في جميع أنحاء القارة. ويقود هذه الحملةَ الرئيسُ التركي رجب طيب أردوغان.

من أجل هذا الهدف، قام أردوغان، المناصر القوي لجماعة الإخوان المسلمين، بتسويق تركيا كوصيٍّ على الثقافة الإسلامية في الدولِ ذات الغالبية المسلمة في إفريقيا. ومن خلال مراقبة تركيا لمنطقة الساحل عن كثب، يبدو أنها تعمدت التدخل خلال موجة المشاعر المعادية لفرنسا بين سكان مالي وبوركينو فاسو والنيجر. الجدير بالذكر، أن التدخل العسكري بقيادة فرنسا في منطقة الساحل كان غير فعّال إلى حدٍّ كبير في مكافحة تصاعد عمليات القتل الطائفي والتشدد الإسلاموي منذ عام 2016، واستخدم أردوغان ببراعة هذه الإخفاقات ضد فرنسا، ولعب على مشاعر ما بعد الاستعمار. ويبدو أن هذه الاستراتيجية آتت ثمارها، ففي يونيو 2020، قررت فرنسا خفض عدد القوات المتمركزة في منطقة الساحل إلى النصف بحلول عام 2023، بعدما أدركت أن الاستراتيجية التركية كانت ناجحة للغاية.

تطور مقلق

رغم ما سبق ذكره، فإن انسحاب فرنسا من منطقة الساحل يعتبر أمرًا محفوفًا بالمخاطر، ليس فقط بالنسبة لأوروبا، التي انحسر نفوذها في القارة الإفريقية، ولكن أيضًا بالنسبة للدول العربية مثل الإمارات العربية المتحدة ومصر، التي ترى في النفوذ المتنامي لجماعة الإخوان المسلمين -المدعومة من تركيا وقطر- تهديدًا خطيرًا للاستقرار الإقليمي، خاصة بسبب دعمهما للإسلام السياسي. وفي ظلِّ تزايد اختراق الجماعات الجهادية المتشددة لمنطقة الساحل، أصبح وقف التهديد أكثر إلحاحًا للدول الغربية والعربية، على حدٍّ سواء.

من ناحيةٍ أخرى، تتوقع أرمسترونج أن يحدث تقارب واسع بين تركيا والدول العربية، خاصة وأن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التقى أردوغان، في شهر يونيو، على هامش قمة حلف الناتو، ويبدو أن الزعيمين يقومان بترميم العلاقات. وتعتقد الكاتبة أن السيناريو الأكثر فائدة لمنطقة الساحل هو أن تعمل الأطراف المعنية، الإقليمية والدولية، معًا وليس ضد بعضهم البعض. ومع ذلك، تشير إلى أنه في حين ركزت تركيا بالأساس على تحركات القوة الناعمة مثل دعم التنمية والمشاركة التجارية، فإن اللاعبين الإقليميين حذرون للغاية من أن يؤدي هذا إلى توسيع الدعم لجماعة الإخوان المسلمين، وتعزيز النفوذ الجيوسياسي لأنقرة.

الحالة الصومالية

تطرح أرمسترونج المجاعة المدمرة التي عصفت بالصومال في عام 2011، حيث أسهم الدعم الإنساني الذي قدمته أنقرة في تعزيز شعبيتها بين السكان. واستخدمت في وقتٍ لاحق هذا المعروف، لتعزيز نفوذها مع الحلفاء المحليين المؤيدين للإخوان المسلمين، وبعد ست سنوات فقط تمكنت من فتح أكبر قاعدة عسكرية خارج تركيا في مقديشو. ولا شك أن الموقع الاستراتيجي للقاعدة العسكرية على البحر الأحمر والمحيط الهندي أثار قلق الدول العربية من الدوافع الحقيقية لتركيا. وفي حين أن أرمسترونج لا تتوقع صراحة أن تتبع تركيا المسار نفسه في منطقة الساحل، فإنه بالتأكيد شيء يقلق اللاعبين الإقليميين والدوليين.

تحركات شعبية وغير شعبية

حتى الآن، فتحت أنقرة سفارات في باماكو وأوغاداغو ونيامي، وبَنَت مساجدَ في منطقة الساحل، وأعادت تأهيلها. وإلى جانب ذلك، تقوم بدور إنساني مهم في تقديم المساعدة الحيوية في مجال الرعاية الصحية والمياه والتعليم. وقد تفاعل السكان المحليون بشكل إيجابي، وهذا بدوره فتح مجموعة متنوعة من الفرص الاقتصادية أسهمت في ازدهار الشركات التركية.

فعلى سبيل المثال، ارتفعت التجارة السنوية بين تركيا ومالي بأكثر من عشرة أضعاف في الفترة من 2003 إلى 2019، من 5 ملايين دولار إلى 57 مليون دولار. كما أطلقت الخطوط الجوية التركية رحلة مباشرة من باماكو إلى جدة، حتى يتمكن الحجاج الأفارقة من أداء فريضة الحج بسهولة في مكة المكرمة، ما أسعد السكان المحليين للغاية، وفقًا لما ذكرته أرمسترونج.

ومع ذلك، فلم تكسب جميع المشروعات التركية قلوب وعقول سكان تلك المناطق. إذ تشير الكاتبة إلى أنه في عام 2017، في أعقاب محاولة الانقلاب في أنقرة التي ألقت الحكومة التركية باللوم فيها على مؤيدي فتح الله جولن -الداعية التركي المنفي الذي يتخذ من الولايات المتحدة مقرًا له- وقعت “مؤسسة المعارف” التركية اتفاقًا مع وزير التعليم المالي يسمح لها بالاستحواذ على شبكة تضم 18 مدرسة من “مدارس هورايزون” التابعة لحركة جولن في باماكو. وتشير إلى أن “عدم حصافة الاستحواذ التركي أدى إلى نفور بعض الخريجين وتضرر سمعة المدارس”.

الاتفاق الدفاعي بين تركيا والنيجر

فيما يتعلق بالمصالح الأمنية لتركيا في منطقة الساحل، اعتمدت أنقرة في البداية نهجًا تعاونيًا، حيث قدمت الدعم الدبلوماسي للجهود المتعددة الأطراف مثل “اتفاق السلام والمصالحة” في مالي الذي أشرفت عليه الجزائر في عام 2015. كما تبرعت بمبلغ 5 ملايين دولار لـ “قوة مجوعة دول الساحل الخمس”، تحالف إقليمي بدأ محاربة المتشددين الإسلامويين في منطقة الساحل في عام 2018. ولكن في يوليو 2020، أبرمت أنقرة اتفاقية دفاع سرية مع نيامي، لوضع الأساس لدعم العمليات المستقبلية بين تركيا والنيجر في المستقبل.

لكن الاتفاق قوبل بكثيرٍ من الشكوك من جانب فرنسا والإمارات العربية المتحدة، اللتين اعتبرتا أن هذه الخطوة تهدف إلى توسيع نفوذ تركيا في ليبيا المجاورة، وربما إنشاء قاعدة عسكرية في النيجر، كما سبق وفعلت في الصومال. وتعتقد الإمارات العربية المتحدة أن أنقرة تقوم بتسليح المتشددين الإسلامويين في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، للسيطرة على الموارد الطبيعية ونشر الإسلام السياسي.

وقد تعززت الأدلة على هذا الخداع عندما أصبح وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو أول مسؤول أجنبي رفيع المستوى يجتمع مع قادة انقلاب 18 أغسطس في مالي، ما عزز تكهنات بين بعض المراقبين بأن تركيا متورطة في الإطاحة بحكومة كيتا”، بحسب ما ذكرته أرمسترونج.

علاوة على ذلك، تشير الكاتبة إلى أنه “في أوائل عام 2021، وبعد أشهر من التوترات بين تركيا وفرنسا في ليبيا وشرق البحر الأبيض المتوسط، ألمح سياسيون ومعلقون فرنسيون إلى أن الجهاديين الذين نشرتهم تركيا قد يكونون وراء تصاعد الهجمات بالعبوات الناسفة على الجنود الفرنسيين في مالي”. وهكذا، تسهم هذه التطورات في زيادة حدة الشائعات بأن لدى أنقرة طموحاتٍ خبيثة، ونتيجة لذلك، تزايد تردد الشركاء الأوروبيين في منطقة الساحل في التعاون مع تركيا.

الخلاصة

تختتم أرمسترونج مقالتها بالقول إنه لا يوجد حتى الآن دليلٌ قوي على وجود أجندة جيوسياسية كبرى لأنقرة في منطقة الساحل، وتستشهد بدبلوماسي أوروبي يقول إن طموحات أنقرة كانت “انتهازية” أكثر من كونها شريرة. وتشير إلى أن المساعدات والاستثمارات التركية ضئيلة بالمقارنة مع المبالغ الكبيرة التي ضختها القوى الغربية في منطقة الساحل منذ عام 2014، 61 مليون دولار، و8 مليارات دولار، على التوالي.

وختامًا، ترى أرمسترونج أنه على الرغم من أن التقارب التركي مع مصر وتركيا وقطر وجيرانها هو مؤشر إيجابي، فإنه لا يزال من السابق لأوانه معرفة كيف ستتطور الأمور في المستقبل. وتشير إلى أن المنافسة بين هؤلاء اللاعبين كانت لها عواقب مزعزعة للاستقرار في إفريقيا. وترى أنه إذا استمرت تركيا في دعم الجهود المتعددة الأطراف في منطقة الساحل، بدلًا من الجهود الثنائية، فإنها ستكون بادرة حسن نيّة من جانب تركيا للمضي قدمًا. فهذا من شأنه أن يساعد في طمأنة اللاعبين الإقليميين والدوليين بأن طموحات تركيا ليست خبيثة، ويمكن أن تؤدي إلى مزيدٍ من الاستقرار والازدهار الإقليمي.

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر