أزمة “كورونا” العالمية في عصر ما بعد الحقيقة!

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 24 مارس 2020

د.دينيس ساموت

 

لم يخلُ أي خطاب لزعيم أوروبي لأُمته بشأن أزمة فيروس كورونا، خلال الأيام القليلة الماضية، من الإشارة إلى “الحرب”. استخدم ماكرون وجونسون وميركل وآخرون عبارة “نحن في حالة حرب”، ويبدو أن حشد الجيوش عبر أوروبا كان في جزء منه تعبيرًا واقعيًّا عن هذه المقولة. هم على حق من نواحٍ عدة؛ إنها حالة حرب، لكنها الحالة الأولى في التاريخ التي يخوض خلالها العالم بأسره حربًا يقفون جميعهم فيها على الجانب نفسه؛ فالقتال ليس بين البشر، ولكن بين البشر وفيروس قاتل. قبل بضعة أسابيع، كان هذا السيناريو أقرب إلى الخيال العلمي، ومن المؤسف تحوله ليصبح الواقع الذي نعيشه اليوم.

هناك مقولة معروفة وصحيحة جدًّا مفادها أن الضحية الأولى لأية حرب هي “الحقيقة”. وإذا كنت في حالة حرب فأنت لا تريد أن يكتشف عدوك موقفك الحقيقي؛ لأن الخداع المبكر لعدوك هو السلاح الأهم. السؤال إذن: كيف سيتحقق ذلك في حربنا الحالية؟ وهل ستكون “الحقيقة” ضحيّة مبكّرة في هذه الحرب أيضًا؟

خلال فترة ما قبل فيروس كورونا، كنا قد دخلنا بالفعل عصر ما بعد الحقيقة. وكانت الأنباء الزائفة واسعة الانتشار، واتسع نطاقها بالقدر الكافي الذي سمح بالقول إنها ربما أثَّرت على انتخاب رئيس الولايات المتحدة،

واستفتاء الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، وكذلك الانتخابات الرئاسية الفرنسية، بدرجة ما إن لم يكن بشكل حاسم. وعلى الرغم من أن الروس ربما أخذوا زمام المبادرة في تحويل الأخبار الزائفة إلى أدوات؛ فإنه يبدو أن آخرين قد حذوا حذوهم.

انتُقدت الصين بسبب طريقة استجابتها المبكرة لتفشِّي فيروس كورونا؛ حيث تعاملت في البداية مع أخبار الوباء باعتبارها مزيَّفة، وحاولت كبحها بدلًا من كبح الفيروس، حتى إنها ألقت القبض على الطبيب الذي حاول دق ناقوس الخطر. ثم حاولت السلطات المحلية في ووهان إخفاء المعلومات عن مواطنيها الذين كانوا يعانون، ثم عن العالم. وبحلول الوقت الذي أصبح فيه العالم على علم بالوباء، كان “القط قد غادر الحقيبة”، وخرج الفيروس عن السيطرة.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت السلطات الصينية أكثر صراحةً؛ بل إنها اكتسبت احترام المجتمع الدولي في كيفية تعاملها مع الجهود الرامية إلى احتواء الوباء. تحركت الصين بشكل حاسم، وبقدر كبير من الشفافية، نحو إغلاق إقليم ووهان وغيره من المناطق المتضررة بشدة، وتعاونت بشكل قوي مع المجتمع الدولي في الجهود العالمية الرامية لمكافحة فيروس (كوفيد-19).

تعد الصين مجتمعًا سلطويًّا، ودولة يتحكم فيها حزب واحد، وتتمتع بأجهزة أمنية عسكرية قوية وضخمة. والواقع أن الحزب الشيوعي بكوادره التسعين مليونًا، وجيش الشعب الصيني، الذي كان تحت سلاحه مليونا رجل وامرأة، هو الذي حشد للتعامل مع الأزمة بمجرد إدراك حجمها الحقيقي. وتشير أرقام انتشار الفيروس في الصين حتى الآن إلى أن العملية نجحت.

في أوروبا، يحاول بعض الحكومات؛ مثل إيطاليا وإسبانيا وحكومات أخرى، محاكاة المثال الصيني. وهي ليست دول يحكمها حزب واحد؛ وجيوشها أصغر كثيرًا ومهيئة للتعامل مع مهام أخرى؛ لكن الأمر الأكثر أهمية هو أن الأوروبيين تعودوا منذ الحرب العالمية الثانية على المجتمعات المفتوحة؛ حيث لا يعتبر الاستجواب والانتقاد جريمة بل فضيلة. فهل تستطيع هذه الدول وأمثالها التعامل مع الأزمة بالكفاءة نفسها كما تعامل الصينيون؟ الإجابة هي نعم؛ ولكن يتعيَّن عليهم أن يتعلموا كيف يفعلون ذلك، ليس بالتماسك أو الكذب بل عن طريق تأمين دعم شعوبهم بأن يكونوا أمناء وصادقين؛ ومن خلال الإقناع والتثقيف. وهذا أمر ممكن، وهو ما يراهن عليه الزعماء في أوروبا.

لكن من المهم التأكيد أن هذا النهج يتطلب قيادة حكيمة وقوية، بصورة تفوق التي يتطلبها النظام الاستبدادي. وإذا ما أبقينا على تشبيه الحرب؛ فإن سمعة عديد من القادة تصقل أو تنهار خلال أوقات الحرب. حتى أولئك الذين حققوا نجاحًا باهرًا في الحرب، قد ينأى الناس عنهم بعد نهاية الحرب. لقد قاد تشرشل بريطانيا إلى النصر في الحرب العالمية الثانية، وكان زعيمًا يتمتع بشعبية كبيرة في أثناء الحرب؛ لكنه خسر انتخابات عام 1945. وبالتالي فإن الحياة السياسية لعديد من السياسيين في أوروبا وأمريكا الشمالية سوف تتشكل خلال أزمة “كورونا“، فضلًا عن أن حياة سياسيين آخرين ستنتهي.

أغلب بلدان العالم ليست سلطوية مثل الصين، وليست أيضًا مجتمعات منفتحة مثل أوروبا وأمريكا الشمالية. وسوف يواجه قادتها خيارات صعبة أيضًا، ويخشى البعض من الفوضى التي قد تطلق الأزمة العنان لها داخل النظام الاقتصادي العالمي؛ ويرى آخرون في هذه الأزمة بعض الفرص السانحة. وبغض النظر عن نظام الحكم، يتعيَّن على الدول في هذه الأزمة أن تتبنَّى الانفتاح والشفافية؛ لأن الثقة تكمن في صميم المعركة ضد الفيروس. وإذا كان الناس يثقون في ما تقوله لهم حكوماتهم وقادتهم، فإنهم يتعاونون ويطيعون؛ وإذا لم تكن هناك ثقة فإن التحدي، أو حتى الإهمال المطلق، يمكن أن يكون مميتًا.

أما البُعد الثاني لهذه الحرب فهو البُعد الاقتصادي. والسؤال هنا هو ما إذا كان بوسع المجتمع الدولي، الذي كان مفككًا بالفعل قبل تفشِّي الوباء، أن يعمل في انسجام، أو ما إذا كان كل مجتمع سوف يمضي بمفرده. وسوف يكون دور مجموعة العشرين على مدى الأسابيع والأشهر المقبلة أكثر أهميةً من أي وقت مضى. وبالصدفة تتولَّى المملكة العربية السعودية رئاسة مجموعة العشرين في هذه اللحظة الحرجة. ومن المهم أن تتواصل القيادة السعودية بشكل جيد مع الرأي العام العالمي حول الكيفية التي تقترح بها المجموعة العمل على الأزمة الحالية.

ومرة أخرى، يتطلع البعض إلى الصين ليروا ما إذا كان نموذجها في الحكم سوف يساعدها في التغلب على أزمتها الاقتصادية الناجمة عن التدابير التي اتخذتها للتغلب على الوباء؛ ولكن هذه المقاربة قاصرة للغاية، لأنه لن يتسنى للصين أن تنجح اقتصاديًّا إلا إذا كانت هناك أسواق لمنتجاتها.

يجب على كل بلد أن يتخذ قرارات بشأن أفضل السُّبل للتصرف في ما يتعلق بالبُعدَين الطبي والاقتصادي لأزمة فيروس كورونا. ولكن هذه القرارات لابد أن تنسجم أيضًا مع استراتيجية عالمية في كلا البُعدَين. ولم تكن هناك حاجة قط إلى تعددية الأطراف كما هي الحال الآن. فالأكاذيب والأخبار الزائفة التي ميَّزت الفترة التي سبقت مباشرةً ظهور فيروس كورونا، وإلى حد ما منذ ذلك الحين، هي العدو الحقيقي في هذه الحرب، وخطورتها بقدر خطورة الفيروس نفسه. ومن ثَمَّ إذا كانت “الحقيقة” الضحية الأولى في معظم الحروب؛ فإنها في الحرب ضد “كورونا” تبدو هي الأداة التي يمكن من خلالها تحقيق النصر.

 

المصدر: qposts

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر