أردوغان وأوهام الزعامة .. مسلسل لا ينتهي من الأزمات الخارجية

التاريخ والوقت : الأربعاء, 18 أكتوبر 2017

ظلَّ وهم “العثمانية” حلمًا يراود الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على مدار سنوات توليه رئاسة وزراء تركيا، ثم الرئاسة، لتتغزل به التنظيمات الإخوانية وشقيقاتها، مُستخدمة في ذلك كمًا هائلاً من الدعاية المغلفة بالخطاب الديني، حرص أردوغان دائمًا على انتهازها لرسم صورة ذهنية معينة في الداخل التركي، ولدى الأوساط الإخوانية والحركية المروجة له في العالمين العربي والإسلامي، ولكن دائمًا ما كان ينقلب السحر على الساحر لتنفرط حلقة الأزمات في العلاقات الخارجية، وتنفرط السبحة عامًا تلو الآخر.

أطماع أردوغانية لا تنتهي

‎أطماع أردوغان وحزب العدالة والتنمية التي لا تنتهي، حيال دول الجوار والمنطقة العربية بشكل خاص، اتضحت من خلال اهتمام تركيا الشديد بالشأن المصري والسوري والقضية الفلسطينية؛ مما أسفر عن تطورات وتوترات يستمر صداها حتى اليوم كانت تركيا جزءًا وسببًا في تلك الصراعات.

استكمل أردوغان وحزبه، مساره  في الاتجاه نحو الغرب، بطموح أعلى، برز في رغبة تركيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهو ما قوبل باتهامات بالعمالة والتغريب من قِبل إسلاميين في تركيا وخارجها، فدفع بقادة الحزب للتأكيد في أكثر من مناسبة، على أن تركيا سوف تدخل الاتحاد الأوروبي، محافظة على دينها ولغتها وعاداتها. وداخليًا، عمل  حزب العدالة والتنمية على التركيز على الإصلاحات، بتخليص تركيا من مشاكلها السياسية والاقتصادية المزمنة. وبهذه السياسات استطاع الحزب الحصول على التأييد الشعبي، والوصول إلى الناخبين الذين ثبتوا حكمه لثلاث دورات متتالية. وتدريجيًا، التخلّص من الإرث العلماني للدولة التركية، الأمر الذي أدى إلى تقويض المؤسسة العسكرية، وتقزيم دورها، والسيطرة على مفاصل الدولة ومؤسساتها، بما يعزز حكمه، ويثبت أركان دولته أمام ما يجابهه من تهديدات.

خلافات حادة مع برلين

على الرغم من حجم قوة المصالح المتبادلة بين برلين وتركيا واشتراكهم في العديد من الملفات المشتركة، فإن العلاقة بين أنقرة وبرلين لم تسلم من التوترات، بعد أن كانا شريكين تاريخيين في ملف الهجرة، وفي التصدي للإرهاب.

صعدت خلافات تركيا وبرلين على السطح، عقب موقف ميركل الواضح بإعلانها تأييد وقف مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، على خلفية تزايد الانتقادات الحادة بين البلدين الأساسيين في الحلف الأطلسي، تحديدًا بعدما شنت  ألمانيا هجومًا على عمليات التطهير التي قامت بها السلطات التركية بعد الانقلاب الفاشل واعتقال مواطنين ألمان يحوز البعض منهم الجنسية التركية، لأسباب سياسية.

الأكراد في قلب التوتر

مشكلة الأكراد ودعم ألمانيا لهم، رغم رفض تركيا، هي مشكلة قديمة حديثة، فوسائل الإعلام الألمانية التي كانت دومًا تروج أن الحكومة التركية في السبعينيات، تبنت سياسة قمعية عنيفة تجاه الأكراد، وأنهم كانوا يتعرضون للسجن إذا سمع أحدهم الموسيقى الكردية، أو سمى ابنه اسمًا كرديًا؛ وعلى الرغم من أن ألمانيا الدولة التي تشاركت مع تركيا في كثير من القضايا التي تخدم مصالحهما، كانت مساندة للقضية الكردية التي ترفضها أنقرة بشكل شبه علني عن طريق السماح للأكراد بجمع التبرعات في ألمانيا، الأمر الذي جعل برلين محط اتهام من الحكومة التركية بأنها تساعد الأكراد في إيصال السلاح إلى مواقع الحزب في جنوب تركيا، علاوة على سماح ألمانيا للأكراد بإقامة التظاهرات، تحديدًا في مدينة فرانكفورت الألمانية التي دعت إلى إحلال الديموقراطية في تركيا ورفض التعديلات التي أجراها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الأمر الذي زاد الوضع تأزمًا بين تركيا وألمانيا، وكانت تلك القضية سببًا من أسباب الأزمات بين البلدين.

ولا تكاد تهدأ أزمة بين أنقرة وبرلين، حتى تبدأ أزمة أخرى، رغم وجود علاقات ومصالح كبرى مشتركة بين البلدين تاريخيًا، جاءت على شكل تصريحات من مسؤولين ألمان بارزين قالوا فيها إن بلادهم مستعدة لتوفير الحماية للأتراك الذين يتعرضون لـ”الاضطهاد السياسي” من قبل حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وجاء ذلك بالتزامن مع استقبال الرئيس الألماني يواخيم غاوك، رئيس تحرير صحيفة جمهورييت السابق، جان دوندار، التي تعرض عاملون فيها للاعتقال، وذلك في بادرة رمزية للتعبير عن تضامن بلاده مع الصحفيين الأتراك المعارضين.

هذه التطورات الأخيرة، قابلتها اتهامات تركية شديدة اللهجة، إذ صرح وزير خارجية تركيا، مولود تشاووش أوغلو، أن ألمانيا “تدعم المنظمات الإرهابية ضد تركيا”، مطالبًا بأن يعامل الألمان بلاده كشريك وليس كـ”بلد من الدرجة الثانية”. كما سبق لأردوغان أن قال إن ألمانيا أصبحت “ملاذًا للإرهابيين”، بعد رفض برلين تسليم انقلابيين مفترضين طالبت بهم أنقرة منذ الانقلاب الفاشل، الأمر الذي يفتح باب التكهنات لسر كل هذا التوتر بين البلدين! فهل يعود الأمر إلى خلافات عميقة بالفعل، أم أنها مجرد حروب إعلامية؟

أزمة جديدة مع واشنطن

ولم تنتهِ سلسلة الأزمات التي افتعلها أردوغان ليكمل حلم خلافته، لتبرز أزمة جديدة بينه وبين واشنطن، حيث اعتبر أن الولايات المتحدة تجازف بـ«التضحية» بعلاقاتها مع بلاده، متهمًا السفير الأميركي لدى أنقرة بالوقوف وراء التوتر الحالي بين البلدين، وأنه ليس مقبولاً أن تضحي الولايات المتحدة بشريكة استراتيجية كتركيا، وكل ذلك من أجل سفير.

الخلاف الذي اندلع بين البلدين، الأسبوع الماضي، مع توقيف السلطات التركية موظفًا تركيًا في القنصلية الأميركية بإسطنبول، بتهمة الاتصال بشبكة الداعية فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة، الذي تتهمه أنقرة بتدبير محاولة انقلاب فاشلة في تموز (يوليو) 2016، ردت بعدها واشنطن بتعليق إصدار جميع التأشيرات لغير الهجرة من بعثاتها في تركيا، الأمر الذي بادلته البعثات التركية في الولايات المتحدة بالمثل.

العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة تعتبر متوترة  واقعيًا، حيث تستمر تركيا بانتقادها للسياسة الأميركية المساندة للجماعات الكردية المسلحة في الصراع السوري، وتطالب منذ فترة، وبلا جدوى حتى الآن، بتسليم رجل الدين التركي فتح الله جولن الذي يعيش في أمريكا، وتحمله الحكومة التركية مسؤولية تدبير محاولة الانقلاب، إضافة إلى أن بعض أفراد الحماية لأردوغان لم يتصرفوا في الولايات المتحدة بصورة مقبولة في أثناء زيارة سابقة له، حتى إن بعض أعضاء الكونجرس الأميركي طالبوا بطرد السفير التركي من واشنطن.

ومع تحميل المسؤولين الأتراك السفير مسؤولية الخلاف، أكدت وزارة الخارجية الأميركية أن سفيرها لدى تركيا يمثل كامل سلطة الحكومة الأميركية. (باس) الذي اعتبره أردوغان سببًا في الخلاف بين واشنطن وأنقرة، يستعد الآن لمغادرة تركيا بعد أن عين سفيرًا لدى أفغانستان في وقت سابق من هذا العام.

وفي ظل تلك الصراعات التي عمد أردوغان على افتعالها ما بين أزمة مع برلين، وخلاف حاد مع واشنطن، والتي نستشرف منها طموحات أردوغان من خلال خلق هذه الأزمات مع كبرى الدول في العالم، نفتح باب التساؤلات حول الأسباب الحقيقية لهذه الخلافات: فهل هي فعلاً كانت بسبب تلك المواقف التي أعلنتها تركيا، أم أنها  كانت حجة من أردوغان من أجل الترويج لشخصيته في المجتمع الدولي، واستعادة قوته الإقليمية والدولية، ممهدًا

وحدة الدراسات السياسية*

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر