مركز سمت للدراسات أخطاء يقع فيها الحائزون الجُدد على جائزة نوبل في الاقتصاد | مركز سمت للدراسات

أخطاء يقع فيها الحائزون الجُدد على جائزة نوبل في الاقتصاد

التاريخ والوقت : الأربعاء, 20 أكتوبر 2021

فرانك شوستاك

مُنحت جائزة نوبل في الاقتصاد هذا العام لكل من “ديفيد كارد” من جامعة كاليفورنيا، بيركلي، و”جوشوا أنجريست” من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، و”جويدو إمبينز” من جامعة ستانفورد. ووفقًا للجنة نوبل فقد قدم الحائزون مساهمات كبيرة في كيفية تأكيد السبب والنتيجة من بيانات المراقبة.

على سبيل المثال، كيف يؤثر فرض حد أدنى للأجور على العمل؟ إذ يعتمد الاقتصاديون على بيانات المراقبة للإجابة عن هذه الأنواع من الأسئلة، ولكن مع بيانات الملاحظة تنشأ مشكلة تعريف أساسية وهي أن السبب الأساسي لأي ارتباط يظل غير واضح.

هل لأن الحد الأدنى للأجور يسبب البطالة، نرى علاقة بين الحد الأدنى للأجور والبطالة، أم بسبب البطالة وانخفاض نمو الأجور في أسفل توزيع الأجور هو ما يؤدي إلى تطبيق حد أدنى للأجور، أم هو بسبب عدد لا يحصى من العوامل الأخرى التي تؤثر على كل من البطالة وقرار تحديد الحد الأدنى للأجور؟ وعليه، فإن أحد الاهتمامات الرئيسية لنهج المعادلة الهيكلية هو أنه من أجل إنشاء علاقة سببية يجب تحديد الهيكل المقترح بنحو صحيح. 

يعتقد معظم المعلقين أن رفع الحد الأدنى للأجور سيضر بسوق العمل من خلال زيادة البطالة، ففي دراسة أجريت في التسعينيات درس الاقتصاديان “ديفيد كارد” و”آلان كروجر” زيادة الحد الأدنى للأجور في نيوجيرسي من خلال مقارنة مطاعم الوجبات السريعة في الولاية بتلك الموجودة في ولاية بنسلفانيا المجاورة، ولم يجدوا أي تأثير على التوظيف.

كما يُقال إن الحائزين على جائزة نوبل، وبخاصة “أنجريست و”إمبينز”، قد توصلوا إلى حل لمشكلة تحديد السببية من البيانات عن طريق تعديل التجارب العشوائية المنتظمة، ولكننا لن نخوض في التفاصيل التي استخدمها الحائزون على نوبل لتأكيد تأثير بيانات السبب والنتيجة في هذه المقالة.

هل يمكن للبيانات التاريخية أن توضح لنا كيفية عمل الاقتصاد؟

من المهم ملاحظة أن ما يسمى بالبيانات التي يستخدمها المحللون هو مجرد إيضاح للمعلومات التاريخية.

ووفقًا لـ”ودفيج فون ميزس” في كتابه “السلوك البشري” (ص 41-49)، لا يمكن للتاريخ أن يعلمنا أي قاعدة عامة أو مبدأ أو قانونًا، فلا توجد طريقة لاشتقاق أي نظريات أو براهين حول السلوك البشري والسياسات من التجارب التاريخية.

بالإضافة إلى ذلك جادل “ميزس” أيضًا في كتابه “الأساس النهائي للعلوم الاقتصادية” (ص 74)، أن ما يمكننا “ملاحظته” هو دائمًا مجرد ظواهر معقدة، وأن ما يمكن أن يخبرنا به التاريخ الاقتصادي أو الملاحظة أو الخبرة هي حقائق مثل: خلال فترة زمنية محددة، يجني عامل المنجم “جون. س” دولارًا مقابل يوم عمل مدته (ن) ساعة في مناجم الفحم التابعة لشركة (ص) في قرية (ع). فلا توجد طريقة يمكن أن يؤدي بها جمع مثل هذه البيانات وما شابهها إلى أي نظرية حول العوامل التي تؤثر على ارتفاع معدلات الأجور.

بينما يمكن لعالِم في العلوم الطبيعية عزل الحقائق المختلفة، فإنه لا يعرف القوانين التي تحكم هذه الحقائق.

كل ما يمكنه فعله هو افتراض وجود “قانون حقيقي” الذي يحكم سلوك الجسيمات المختلفة المحددة. وبالرغم من ذلك، فإنه لا يمكنه التأكد من كون قوانين الطبيعة “حقيقية”. ناقش “موراي ن. روثبارد” ذلك فقال:

القوانين ستظل محض فرضيات ولا يمكن تحديد صحتها إلا من خلال الاستنتاج المنطقي للعواقب منها، والذي يمكن التحقق منه باستخدام الحقائق المثبتة تجريبيًا، حتى لو كانت القوانين توضح الحقائق وكانت الاستنتاجات متسقة معها، فلا يمكن إثبات قوانين الفيزياء أبدًا بما لا يدع مجالاً للشك. فقد يتضح أن قانونًا آخر أكثر بساطة أو قادرًا على شرح نطاق أوسع من الحقائق. لذلك يجب أن تُفرض التفسيرات المفترضة في الفيزياء بطريقة يمكن من خلالها اختبارها أو اختبار عواقبها تجريبيًا. وحتى في تلك الحالة، فإن القوانين تكون أولية فقط وليست صالحة تمامًا. 

ومع ذلك، ففي علم الاقتصاد نحن لا نحتاج إلى الافتراض؛ لأننا نستطيع تحديد جوهر ومعنى سلوك الناس.

على سبيل المثال يمكن للمرء أن يراقب أشخاصًا يشاركون في مجموعة متنوعة من الأنشطة التي يمكن أن تكون أعمالاً يدوية أو قيادة السيارات أو المشي في الشارع أو الأكل في المطاعم، فجوهر هذه الأنشطة هو أنها تهدف جميعًا إلى تحقيق شيء ما.

علاوةً على ذلك، يمكننا استنتاج أهمية هذه الأنشطة، وبالتالي فقد يكون العمل اليدوي وسيلة لبعض الناس لكسب المال، مما يمكنهم من تحقيق أهداف مختلفة مثل شراء الطعام أو الملابس.

كذلك يمكن أن يكون لتناول الطعام في مطعم ما طريقة جيدة لإقامة علاقات تجارية، وقد تكون قيادة السيارة إحدى الطرق للوصول إلى جهة معينة، حيث يعمل الناس في إطار من الوسائل والغايات مستخدمين مختلف الوسائل لتحقيق أهدافهم. مما سبق، يمكننا أيضًا أن نستنتج أن أفعال الناس واعية وهادفة.

إن معرفة أن السلوك البشري واعٍ وهادف، أمر مؤكد وليس مقترنًا بزمن محدد، وأي شخص يعترض على هذا فإنه يناقض نفسه، لأنه منخرط في تصرف واعٍ وهادف متمثل في القول بأن السلوكيات البشرية ليست واعية وهادفة، ويمكن استخلاص العديد من الاستنتاجات المستمدة من هذه المعرفة بالسلوك الواعي والهادف.

بغض النظر عما تُظهره البيانات المزعومة، فإن النظرية القائلة بأن السلوك البشري واعٍ وهادف هي واقع لا يتأثر بما حوله.

وغني عن القول فإنه لا حاجة للتحقق الإحصائي لنظرية راسخة، فعلى عكس العلوم الطبيعية لا يضع الاقتصاد فرضيات، لأننا نفهم جوهر الأشياء، مثل حقيقة أن السلوك البشري واعٍ وهادف، لذلك في علم الاقتصاد لا نحتاج إلى وضع فرضية ثم اختبارها.

ولمَّا كان علم الاقتصاد يدور حول سلوكيات بشرية واعية وهادفة، يمكننا أن نستنتج أن السببية تنشأ من البشر بدلاً من العوامل الخارجية. فالأفراد، على سبيل المثال، لا يتفاعلون تلقائيًا مع التغييرات في الدخل الشخصي، فكل فرد يفعل ذلك وفقًا لأهدافه.

الحد الأدنى للأجور والبطالة

لمَّا كان الهدف النهائي لكل فرد هو الحفاظ على حياته ورفاهيته، فمن غير المرجح أن يدفع رجل الأعمال للعامل أكثر من قيمة المنتج الذي يقدمه العامل، فإذا أنتج عامل مبلغ 10 دولارات في الساعة في العمل، فلن يدفع رجل الأعمال أكثر من هذا المبلغ.

وإذا عُين الحد الأدنى للأجور عند 15 دولارًا في الساعة، ولكن العامل يمكنه فقط إنتاج 10 دولارات في الساعة، فمن غير القانوني أن تدفع الشركة للعامل أقل من الحد الأدنى للأجور وهو 15 دولارًا في الساعة. في مثل هذه الحالة ستضطر الشركة إلى تخفيض نفقات العامل لأن دفع 15 دولارًا في الساعة للعامل من شأنه أن يعرض ربحية الشركة للخطر.

هناك دراسة تستخدم الأساليب الكمية المتقدمة وتستنتج أن رفع الحد الأدنى للأجور ليس له تأثير سلبي على سوق العمل هو أمر مشكوك فيه، إذ تُشير مثل هذه الدراسات إلى أن الأفراد لا يسعون جاهدين لتحسين حياتهم ورفاههم.

وتجدر الإشارة إلى أن الدراسات الكمية غير مطلوبة لتحديد ما إذا كانت الزيادة في الحد الأدنى للأجور ستؤدي إلى زيادة البطالة؛ كل ما يتطلبه الأمر هو مناقشة منطقية يمكن لمعظم الناس فهم مجرياتها.

استخلاصًا

على عكس الاعتقاد الشائع، نحن لا نُقيم النظرية من حيث إنها تتوافق مع البيانات على هذا النحو، بل على العكس، نحن نُقيم البيانات عن طريق النظرية.

يُعد الغرض من النظرية هو توفير جوهر الموضوع قيد التحقيق، وهي مشابهة لخريطة الطريق من حيث إنها توفر معلومات حول موقع معين مع تجاهل العديد من العوامل غير الأساسية. ولذلك، فإنها توجه القارئ إلى كيفية الوصول من النقطة “أ” إلى النقطة “ب”، ومن ناحيةٍ أخرى تفتقر الخريطة إلى تفاصيل معينة مثل الأشجار والمنازل المحيطة.

ليست هناك حاجة للتحقق الإحصائي لتحديد أثر زيادة الحد الأدنى للأجور على البطالة، إذ يُظهر التحليل المنطقي البسيط أن رفع الحد الأدنى للأجور سيضر بسوق العمل.

ولمَّا كان علم الاقتصاد يدور حول سلوكيات بشرية واعية وهادفة، يمكننا أن نستنتج أن السببية تنشأ من البشر بدلاً من العوامل الخارجية.

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: mises

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر