مركز سمت للدراسات آن الأوان للبنوك المركزية تبني العملات الرقمية | مركز سمت للدراسات

آن الأوان للبنوك المركزية تبني العملات الرقمية

التاريخ والوقت : الخميس, 29 يوليو 2021

مارتن وولف

 

كيف ينبغي أن تستجيب البنوك المركزية للتكنولوجيا الرقمية؟ لقد أصبح هذا سؤالا ملحا. إن الإجابة تكمن جزئيا في أنه يتعين عليها وعلى الحكومات السيطرة على الغرب المتوحش الجديد للأموال الخاصة. ولكن يجب عليها الآن إدخال عملات رقمية خاصة بها.

يجب ألا تتخلى الدولة عن دورها في ضمان سلامة الأموال وسهولة استخدامها. ففكرة أنه ينبغي عليها ذلك هو خيال تحرري. علاوة على ذلك، أصبح العمل الآن عاجلا. ووفقا لورقة بحث كتبها جاري جورتون من جامعة ييل وجيفري تشانج من الاحتياطي الفيدرالي، فقد أوجد المبتكرون الآن أكثر من ثمانية آلاف عملة مشفرة.

ويقسم جورتون وتشانج هذه الاختراعات إلى فئتين رئيستين، “العملات الرقمية المشفرة” غير المدعومة، مثل البيتكوين، و”العملات المستقرة”، المدعومة واحدا لواحد بأموال حكومية تقليدية. وكلاهما إشكالي، بطرق مختلفة.

في مقال له في صحيفة “فاينانشال تايمز”، جادل روجر سفينسون أن العملات الرقمية المشفرة لا تلبي أيا من معايير الأموال القابلة للاستخدام. ويرى بنك التسويات الدولية في تقريره السنوي الأخير أن هذه العملات المشفرة أصول مضاربة وليست أموالا، وفي كثير من الحالات تستخدم لتسهيل غسل الأموال وهجمات برامج الفدية والجرائم المالية الأخرى. فلدى بيتكوين خصوصا القليل من سمات الاسترجاع الخاصة بالمصلحة العامة عند النظر أيضا في هدرها الكبير للطاقة”. وفي رأيي، يجب أن تكون هذه “العملات” غير قانونية.

العملات المستقرة مختلفة. فكما يجادل جورتون وتشانج، يجب أن تكون الأموال قابلة للاستخدام في المدفوعات “دون طرح أي أسئلة”، حتى في أوقات الأزمات. تاريخيا، كانت هناك حالات هروب من البنوك لهذا السبب، من أجل ذلك يتم دعمها وتنظيمها من قبل الدولة. وينشأ القلق نفسه مع العملات المستقرة. في أي أزمة، قد يكون هناك حالات “هروب”، على غرار تلك التي حدثت من صناديق أسواق المال في عام 2008. وبالتالي، يجب دعم العملات المستقرة واحدا لواحد بأموال البنك المركزي أو سيحتاج مصدروها إلى التنظيم كبنوك.

الأهم من “العملات” الجديدة دخول شركات التكنولوجيا الكبرى في المدفوعات. هذا الشيء يقدم فوائد، ولكنه يقدم مخاطر أيضا. فأنظمة الدفع الحالية مكلفة، حتى مع كون المدفوعات النقدية الصغيرة الآن أرخص من بطاقات الائتمان أو بطاقات السحب المباشر من البنك والمدفوعات الدولية باهظة الثمن بشكل ملحوظ. إضافة إلى ذلك، إن أنظمة الدفع الرقمية ليست متاحة للجميع، حتى في الدول ذات الدخل المرتفع. من حيث المبدأ، يمكن لهؤلاء اللاعبين الجدد تحقيق تحسينات كبيرة. لكن هذا التطور يهدد أيضا بتشظي نظام الدفع وتآكل الخصوصية واستغلال المستهلكين.

مهمة البنوك المركزية “مع المنظمين الآخرين” ضمان أن تعمل الثورة في المدفوعات الرقمية لمصلحة المجتمع ككل. هناك الآن إمكانية – ضرورة، من وجهة نظري – لزيادة النقد بالعملات الرقمية للبنوك المركزية.
وهنا، تبرز مشكلة كبيرة: هل ينبغي استخدام العملات الرقمية الخاصة بالبنوك المركزية فقط في معاملات البيع بالجملة أم من قبل عملاء التجزئة؟ يجب أن يكون الجواب هو الأخير. فلطالما كان من الصعب أن تذهب منفعة الاحتفاظ بأموال حكومية آمنة إلى البنوك الخاصة، وليس لعامة الناس “بخلاف النقد”. الآن، إن هذا ممكن وينبغي أن يتغير لمصلحة الجمهور.

ومع ذلك، هناك خيارات أخرى يمكن الأخذ بها. هل ينبغي أن يكون لدى عملاء التجزئة حسابات بالعملات الرقمية الخاصة بالبنوك المركزية في البنك المركزي، متجاوزين بذلك بنوك التجزئة تماما؟ أم هل ينبغي أن يكون هناك شكل هجين، حيث يتم الاحتفاظ بحسابات عملاء التجزئة من العملات الرقمية الخاصة بالبنوك المركزية في البنك المركزي، ولكنها تدار من قبل مؤسسات خاصة؟ أم هل ينبغي أن تحتفظ المؤسسات الخاصة بحسابات للعملات الرقمية الخاصة بالبنوك المركزية، مع تعامل البنوك المركزية مع التسوية بالجملة فقط، كما هي الحال الآن؟

يتعلق أحد الخيارات ذات الصلة بما إذا كان ينبغي أن تكون العملات الرقمية الخاصة بالبنوك المركزية قائمة على الحساب أو أن تتخذ شكل محفظة رقمية. الخيار الأول، الذي يفضله بنك التسويات الدولية، يعني أن العملة الرقمية للبنوك المركزية لن تكون بديلا مباشرا للنقد. هناك أسئلة إضافية تتعلق بأنظمة تحديد الهوية. في هذا الصدد، يفضل بنك التسويات الدولية نظاما مبنيا على هويات رقمية وليست ورقية. وهناك قضايا مهمة أخرى تتعلق بحماية الخصوصية، ودور شبكات الدفع الخاصة، وعلى وجه الخصوص، تسهيل المدفوعات الدولية.

في النهاية، يجب أن يكون الهدف أنظمة دفع أسرع وأكثر أمانا ورخصا متاحة للجميع. فمن الأهمية بمكان ألا يتحول الاحتكار الطبيعي للمال والصالح العام لنظام الدفع إلى احتكارات خاصة للعمالقة الرقميين. فقد كان التداخل بين الغرض العام والمصالح الخاصة للبنوك سيئا بدرجة كافية. وإذا حدث الشيء نفسه على نطاق أوسع مع “فيسبوك” على سبيل المثال، فسيكون الأمر أسوأ.

هناك سؤال كبير ألا وهو ما قد يعنيه ظهور العملات الرقمية الخاصة بالبنوك المركزية للبنوك الخاصة.

من الواضح، في حالة حدوث أزمة، أن الأموال قد تهرب إلى عملات البنوك المركزية الرقمية من الأصول السائلة الأخرى، بما فيها الودائع المصرفية التقليدية. ومع ذلك، يمكن للمرء أيضا أن يجادل في أن إمكانية امتلاك حسابات آمنة تماما للعملات الرقمية الخاصة بالبنوك المركزية يمكن أن تكون شيئا جيدا. يمكن بعد ذلك إنهاء الخطر المعنوي الناجم عن الضمانات العامة للبنوك الخاصة، وبالتالي ستتم إعادة تشكيل النظام المالي بدونه.

تفتح الثورات التكنولوجية إمكانيات جديدة. لكنها لا تحدد بنية النظام. فمن الضروري أن تضمن الهيئات العامة أمان وسلامة نظام دفع متاح للجميع. من الضروري أن ينظموا، أو حتى يزيلوا، اللاعبين الخطرين الجدد. ومن الأهمية بمكان، قبل كل شيء، أن يتأكدوا من أن الوعود بتقنيات جديدة لمدفوعات أسرع وأقل تكلفة تدعم نظاما نقديا أفضل، في الوقت الذي تحسن فيه الوساطة أيضا.

الخيارات يجب أن تؤخذ. في هذه الأثناء، قد يختفي اللاعبون القدامى ويظهر لاعبون جدد. لكن المطلب الأساسي هو نفسه كما هو الحال دائما، وهو الأنظمة الموثوقة التي يمكن للجمهور وضع ثقته فيها.

وستلعب البنوك المركزية دورا رائدا في ضمان ذلك. ويمكنها القيام بذلك من خلال تبني إمكانيات التقنيات الجديدة، وصنع حالة فوضى مجانية للجميع. ويوفر بنك التسويات الدولية مخططا ممتازا لهذه القضايا. الآن هو وقت التقدم.

المصدر: صحيفة الاقتصادية – خدمة فايننشال تايمز

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر